مظهر جديد من مظاهر التطبيع بين الدول العربية والكيان الصهيوني، تخطى هذه المرة حدود التطبيع السياسي والعسكري وحتى الاقتصادي، ليصل إلى مرحلة التطبيع المعلوماتي والتجسس، حيث ضاقت السبل بالإمارات العربية المتحدة لتلجأ إلى شركة صهيونية؛ للمساعدة في التجسس على الناشطين الحقوقيين في أبوظبي. واستعملت الإمارات العربية المتحدة برنامج تجسس إسرائيلي نادرًا وباهظ الثمن؛ للقيام بعمليات تجسس سرية ضد مواطنيها من المعارضين السياسيين والحقوقيين والإنسانيين، حيث وظفت برنامج التجسس النادر هذا ليسمح لها باستغلال الثغرات في الأجهزة الإلكترونية لشخصيات معروفة؛ من أجل تحويلها إلى آلات قوية للتجسس حول كل تحركات المعارضين للسلطة. تلقى الناشط أحمد منصور رسالة هاتفية من طرف مجهول على هاتفه خلال شهر أغسطس الجاري، تضمنت رابطًا مموهًا بعنوان “أسرار جديدة لعمليات تعذيب في السجون الإماراتية”، وقام منصور بفتح هذا الرابط، على اعتبار أنه ناشط إنساني يبحث وراء عمليات التعذيب والاعتقال التعسفي في السجون؛ ليتضح أن هذا الرابط هو فخ من السلطات الإماراتية أرسلته له؛ ليتحول هاتفه إلى أداة للتجسس في يد السلطات الإماراتية. ارتاب “منصور” من الأمر، ودفع بالرسائل إلى باحثين في مجال الأمن الإلكتروني في مركز أبحاث “سيتيزن لاب”، وأكد الأخيرون أن الروابط في الرسائل النصية التي تلقاها منصور مصدرها شركة “إن إس أو” الإسرائيلية. يدعى البرنامج الذي وظفته الحكومة الإماراتية للتجسس على الناشطين والمعارضين “بيجاسوس”، ويسمح لها باعتراض المكالمات الهاتفية وتسجيل الرسائل الهاتفية، حتى تلك التي يقوم بها الشخص من خلال تطبيقات مشفرة، مثل واتس آب وفايبر، أو قراءة رسائل البريد الإلكتروني، أو تعقب تحركات الشخص المستهدف، بالإضافة إلى قدرته على التحكم في الكاميرا أو مضخم الصوت. “بيجاسوس” هو برنامج تجسس واختراق قامت مجموعة شركات “إن إس أو” الأمنية الإسرائيلية المتخصصة في خدمات الرقابة والاختراق بتصميمه، ومقرها تل أبيب، وتقوم الشركة ببيع خدماتها للحكومات حول العالم. ويبدو من خلال المعطيات المتوفرة أن الإمارات العربية المتحدة من بين أبرز الدول التي تتعامل مع هذه الشركة، حيث ذكرت الشركة في تصريحات سابقة لها أن مهمتها الرئيسية تتمثل في جعل العالم مكانًا أكثر أمنًا من خلال توفير تكنولوجيا متطورة للحكومات الشرعية؛ من أجل محاربة الإرهاب والجريمة، وأضافت أن الشركة ليس لديها أي علم حول الاستعمالات الفردية للتكنولوجيا التي تقوم بتصنيعها، وأن منتجاتها يجب أن تستعمل فقط لمنع الجرائم والتحقيق فيها. في ذات الإطار كشف مركز أبحاث “سيتيزن لاب” الذي يوجد في جامعة تورنتو بالولايات المتحدةالأمريكية، ويهتم بتتبع وبتوثيق حالات الاختراق الإلكتروني والقرصنة التي تقوم بها الحكومات حول العالم من أجل التجسس، كل التفاصيل المتعلقة بتجسس الحكومة الإماراتية على الناشط أحمد منصور، حيث أكد المركز أن الأطراف التي قامت بالتجسس على “منصور” اعتمدت على هاتف “أيفون” الذي يملكه الناشط، ونظام يسمى “هجوم دون انتظار”، مستفيدين في ذلك من بعض العيوب أو الثغرات التي لم تكن شركة آبل المصنعة للهاتف على علم بها، وقام مركز “سيتيزن لاب” بتنبيه شركة آبل إلى هذه الثغرة في بداية أغسطس الجاري، حيث قامت الشركة باتخاذ الإجراءات اللازمة في وقت قياسي، وتمكنت من سد هذه الثغرة بعد 10 أيام من تلقيها البلاغ. وعلى الرغم من أن تفاصيل الصفقة بين الإمارات العربية المتحدة ومجموعة شركات “إن إس أو” مجهولة، إلا أن المسؤول في مركز سيتزين لاب، مارك مارجتزاك، أكد أن الصفقة يمكن أن تتراوح بين 10 و15 مليون دولار، وعمومًا يختلف حجم الصفقة حسب عدد الأطراف أو الأشخاص الذين ترغب الإمارات العربية المتحدة في استهدافهم. “أحمد منصور”، الذي يعتبر من أبرز الناشطين الحقوقيين المعترف بهم حول العالم، وفاز بجائزة “مارتن إينالس” لحقوق الإنسان، التي تقدمها الخارجية الأوروبية نيابة عن عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي، وكان في سنة 2011 من بين المعتقلين الرئيسيين في أعقاب الأحداث التي تلت اندلاع الثورات العربية، لم يكن الأول ولا الأخير الذي تتجسس عليه السلطات الإماراتية؛ نظرًا لنشاطه في المجال الحقوقي والإنساني وفضح جرائم السلطات وفسادها، وسلطات الإمارات في حد ذاتها لم تكن الأولى ولا الأخيرة التي تعتمد برامج تجسس على مواطنيها، سواء ناشطون حقوقيون أو سياسيون أو إنسانيون أو معارضون، لكن المثير للاستياء والاستنكار والدهشة في الوقت ذاته أن تعتمد سلطات أبوظبي في تجسسها على شركات الكيان الصهيوني، الذي يعتبر أكثر الكيانات عداءً لاستقرار الدول العربية والإسلامية، كما تُهدر أموالًا باهظة في سبيل تجسسها على مواطنيها. وعلى الرغم من أن العلاقات بين الإماراتالمتحدة والكيان الصهوني غير رسمية وغير معلنه بشكل كبير، إلا أن تعاونها في إطار التجسس لم يكن الأول من نوعه، حيث يسود بين الطرفين تعاون سياسي غير مُعلن، لكنه اتضح مع زيارة وزير البنية التحتية الإسرائيلي، عوزي لانداو، عام 2010 للإمارات؛ لحضور مؤتمر لوكالة الأممالمتحدة للطاقة المتجددة، وكانت هذه الزيارة هي الأولى على المستوى الرسمي، ولحقتها في 29 نوفمبر 2015 زيارة من مدير مكتب الخارجية الإسرائيلية، دوري غولد، أعرب خلالها عن نيته افتتاح ممثلية لإسرائيل في وكالة الأممالمتحدة للطاقة المتجددة في أبوظبي، ناهيك عن التعاون العسكري بين الطرفين، والذي كان آخر مظاهره اشتراك الإمارات في 15 أغسطس الجاري في مناورات “Red Flag” العسكرية الواسعة النطاق مع إسرائيل وباكستان على الأراضي الأمريكية.