السيسى يهنئ أقباط مصر بالخارج بمناسبة حلول عيد القيامة المجيد    وزير الكهرباء يبحث مع وفد لجنة الطاقة بمجلس الدوما الروسي التعاون والشراكة    تعاون مشترك لتعزيز الأمن الغذائي، مصر تفتح أبواب الزراعة أمام الاستثمارات الصينية    نشاط الرئيس الأسبوعي.. قرارات جمهورية وتكليفات قوية للحكومة ورسائل مهمة لرؤساء أمريكا وإسبانيا    وزيرة التنمية المحلية تتابع مع مجموعة المانع القابضة مستجدات إنشاء مصنع لإنتاج الوقود الحيوى    معاريف: إسرائيل تضغط للحصول على مهلة أمريكية لضرب لبنان بقوة قبل التهدئة    غارة إسرائيلية على بلدة كفرتبنيت جنوبي لبنان    زيلينسكي: وحدات أوكرانية أسقطت مسيّرات إيرانية في الشرق الأوسط    بث مباشر الآن مباراة الزمالك وشباب بلوزاد في ذهاب نصف نهائي الكونفدرالية 2026.. الموعد والتشكيل المتوقع    سلوت: مواجهة فولهام صعبة ونسعى لتحسين الأداء قبل صدام الدوري الإنجليزي    «تمثيل وادعاء».. حقيقة فيديو استغاثة سيدة ضد 4 أشخاص بكفر الشيخ    الأرصاد تكشف حالة الطقس ودرجات الحرارة.. الجمعة    إصابة 10 أشخاص في حادث إنقلاب سيارة ميكروباص بالفيوم    في حملة تموينية بأسيوط، ضبط 66 ألف لتر مواد بترولية وتحرير 16 محضرا    محافظ أسيوط يؤكد على جاهزية المحافظة لاستقبال أعياد شم النسيم والقيامة المجيد    في ذكرى ميلاده.. عمر الشريف أسطورة الفن التي أضاءت هوليوود وأطفأها الزهايمر    العبودية بين المراسم والجوهر    «الصحة»: تشغيل العناية المركزة للأطفال بمستشفى أبوتشت المركزي بسعة 6 أسرة    ستارمر: حرب إيران يجب أن تشكل نقطة تحول لبريطانيا    محافظ الإسكندرية يدعم مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير ويشيد بإدارته    احتفالًا بالعيد القومي.. محافظ سوهاج يضع إكليلًا من الزهور على النصب التذكاري للشهداء    مصرع وإصابة 3 أشخاص.. النيابة تحقق في انهيار عقار الجمالية وتشكل لجنة هندسية لفحصه    إحالة طبيب و3 ممرضين بمستشفى التأمين الصحي في بني سويف للتحقيق    اليوم.. الأهلي والزمالك يتنافسان على لقب كأس مصر للطائرة    جامعة بنها تبدأ في إنشاء وحدات للجيم الخارجي داخل الحرم الجامعي    انطلاق فعاليات "المساجد المحورية" بأوقاف الإسماعيلية لتنشيط العمل الدعوي    سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه المصري خلال تعاملات اليوم    الصدق مع الله.. اللحظة التي تغير حياتك من الضياع إلى النور    هانيا الحمامي تلتقي نور الشربيني في نهائي مصري خالص ببطولة الجونة الدولية للإسكواش    5 كوادر مصرية في مواقع قيادية ببطولة أفريقيا للووشو كونغ فو بتونس    موعد صلاة الجمعة في المنيا اليوم 10 أبريل 2026    وزيرا التخطيط والصناعة يبحثان تسريع ترفيق المناطق الصناعية    سعر الذهب اليوم الجمعة 10 أبريل 2026 في محال الصاغة    مواعيد مباريات الجمعة 10 أبريل - الزمالك وريال مدريد وعودة الدوري الإنجليزي.. ونهائي كأس الطائرة    شم النسيم، طريقة عمل سلطة الأنشوجة فى خطوات بسيطة    بلومبرج نيوز: البنك الدولي قد يجمع 20 مليار دولار كدعم لمرحلة ما بعد الحرب    الدكتور شريف أمين رئيسآ تنفيذيآ لجلاسكو العالمية بمصر    أمن الشرقية يكثف جهوده لكشف ملابسات العثور على جثة فتاة    البابا تواضروس يترأس صلوات الجمعة العظيمة بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية    وزير إماراتي يفجر مفاجأة: مضيق هرمز مسيطر عليه ومسلح ويخضع لشروط وتحكمات    حمادة هلال: نجاح أغنية محمد نبينا ألهمني فكرة تقديم مسلسل يحمل اسم المداح    إسرائيل تقصف مواقع تابعة لحزب الله في لبنان    ضبط نصف طن دقيق بلدي وكميات من الخبز المدعم وأسماك فاسدة بالمنوفية    كاف يرد على اتهامات الفساد: من يملك دليلا فليتوجه للقضاء، والمغرب شريك أساسي في تطوير الكرة الأفريقية    المنوفية تنظم اليوم العلمي ال31 لتعزيز الاستخدام الآمن لمضادات التجلط    رفع كفاءة أطباء وتمريض الأسنان بالمنوفية.. صور    شاختار يكتسح ألكمار بثلاثية في ذهاب ربع نهائي دوري المؤتمر الأوروبي    أستاذ بجامعة الأزهر: لا يوجد حديث نبوي يتعارض مع آية قرآنية    حسام رشوان: الفنان أحمد عثمان لم يأخذ حقه .. وإنجازاته تشهد له    كريمة منصور تشيد ب منى زكي بعد فيلم Alone: الفنان عليه مسؤولية في المجتمع وأنا أحيّيها على قرارها    محمد العزبي: البوابة المصرية هي الأساس في قرارات الشرق الأوسط الحاسمة    CNN: ترامب يضغط للحصول على التزام من الناتو لتأمين مضيق هرمز خلال أيام    باسكال مشعلانى: لازم المجتمع الدولى يتدخل.. إسرائيل بتضرب الطلاب وهما فى المدارس    نقيب القراء يناشد وزير الأوقاف لدعم تعديل قانون النقابة    رئيس لجنة تحكيم البوكر العربية: رواية سعيد خطيبى تترك انطباعا مريرا    إنقاذ سيدة تعانى من انسداد معوى كامل بسبب حصوة مرارية بمركز الكبد في كفر الشيخ    ختام مسابقة الأزهري الصغير في الإسكندرية وسط إشادة بتشجيع المواهب الناشئة    النوم عن صلاة الفجر: هل تجوز قضاؤها بعد شروق الشمس؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



موريتانيا.. سيناريوهات الفشل والنجاح للحوار بين المعارضة والنظام
نشر في الشعب يوم 07 - 10 - 2015

أظهرت تطورات الحراك السياسي في موريتانيا مؤخرًا انقسامًا حادًّا في الساحة السياسية حول موضوع الحوار المرتقب؛ فقد أوشك الاستقطاب الحاد بين النظام الحاكم وأغلبيته الحزبية التي تمسك بمفاصل السلطة وبين بقية الكتل السياسية والحزبية المعارضة بمختلف أنواعها أن يصل إلى نقطة الصفر رغم تجربة إجراء حوار سياسي بين النظام الحاكم وكتلة المعاهدة المعارضة عام 2011 قاطعته أحزاب وازنة في المعارضة التقليدية، وسرعان ما انقشع الوضع عن الحاجة إلى الحوار مجددًا، و كأن شيئًا لم يتم. وبعد جولة من المراسلات السياسية بين النظام ومعارضيه جاء أسبوع اللقاء التمهيدي التشاوري ليعلن عن موعد جديد قريب ربما يكون حاسمًا في إسدال الستار على الحوار نهائيًّا، أو تأجيله وإطلاقه بصيغة مختلفة كليًّا؛ حيث إن مآلات الحوار وحجم التنازلات الممكنة والمتوقعة وفرص النجاح والفشل هي التساؤلات الكبرى التي يحاول التقرير مناقشتها وتحليلها وعيًّا بالحاضر واستشرافًا للمستقبل.
وُلدت الدعوة للحوار في موريتانيا بعد هبوب عواصف سياسية وأمنية عربيًّا وإفريقيًّا في مستهل العقد الثاني من الألفية الحالية، الشيء الذي كشف حاجة موريتانيا للحوار بين مكونات المشهد السياسي الوطني بمختلف تموقعاته في السلطة أو في المعارضة. وقد تباينت مقاربات السلطة عن المعارضة منذ البداية؛ حيث كان الأوَّلون لا يرون موريتانيا مشابهة في أوضاعها وأحوالها للدول التي باتت مسارح مفتوحة للعنف وانعدام الأمن والاستقرار وتغوُّل الإرهاب، بالنظر إلى الحالة السياسية التي تعيشها موريتانيا من حيث تعدد الأحزاب ودسترة الحقوق والحريات الفردية والجماعية بما فيها حرية الرأي والتعبير. بينما اغتنم الآخرون في المعارضة فرصة تدهور أوضاع بلدان شقيقة لدقِّ ناقوس الخطر من انزلاق البلاد إلى حالات مماثلة بالنظر لهشاشة وانكشاف أحوالها سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وهو ما يشي بإمكانية اشتعال الأزمة وتكرار نفس السيناريو الذي تعيشه دول في المنطقة.
وظلَّت المعارضة التقليدية التي واكبت المسار الديمقراطي منذ عام 1991 متشددة في مواقفها السياسية المناهضة للنظام الحاكم وتصفه ب"الانقلابي" (في إشارة إلى أول انقلاب عسكري في أغسطس/آب عام 2008 بعد وصول أول رئيس مدني منتخب إلى الحكم وهو الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله)، وتبالغ في رفض الحوار مع النظام حتى قبلت بمحاورته في داكار عاصمة السنغال في يونيو/حزيران 2009، وشاركته حكومة وحدة وطنية وانتخابات رئاسية فاز فيها النظام من الشوط الأول، مطالبة برحيله عن السلطة عبر انتفاضة شعبية عبَّأت لها الشارع بمسيرات رفعت شعار رحيل النظام جملة وتفصيلًا عن المشهد السياسي. وهو ما لم يسفر عن نتائج تُذكر، وأسهم في التأثير على مصداقية خطاب قوى المعارضة ولعب دورًا في شق صفوفها وقبول بعض مكوناتها بإجراء أول حوار سياسي بين أحزاب النظام (ائتلاف قوى أحزاب الأغلبية المكوَّن مما يناهز أربعين حزبًا سياسيًّا) وبعض أحزاب المعارضة (تيار قوى المعاهدة الديمقراطية).
سياق الحوار
انعقد الحوار المذكور لمدة شهر خلال الفترة ما بين 17 سبتمبر/أيلول 2011 حتى 19 أكتوبر/تشرين الأول 2011 بالعاصمة نواكشوط، وتنوعت موضوعاته وتوصياته لتشمل الوحدة الوطنية واللُّحمة الاجتماعية، وتعزيز الديمقراطية وإصلاح القضاء والمجال السمعي البصري، ووضع المعارضة الديمقراطية والمدونة الانتخابية، والتناوب السلمي على السلطة ومكانة ودور الجيش الوطني، والحكامة الرشيدة وحياد ومهنية الإدارة، والتحديات الأمنية ومكافحة الإرهاب ومواضيع أخرى(1). وأعقبت ذلك الحوار انتخابات تشريعية شاركت فيها أحزاب تابعة للنظام وأخرى معارضة كانت نتيجتها حصول الأخيرة على حوالي 37 نائبًا (حزب تواصل الإسلامي: 16 نائبًا وهو ما منحه ترؤس مؤسسة المعارضة، وحزب الوئام: 10 نواب، وحزب التحالف الشعبي التقدمي: 7 نواب، والتحالف من أجل العدالة والديمقراطية: 4 نواب، من أصل 147 نائبًا لأحزاب النظام وأغلبيته الحاكمة)(2). غير
أن جزءًا رئيسيًّا آخر من المعارضة ظلَّ مغاضِبًا للنظام مبتعدًا عن الحوار معه حتى أسَّس لنفسه كيانًا تحت عنوان "المنتدى الوطني
للديمقراطية والوحدة"، ويتكون من 14 حزبًا سياسيًّا وعشرات المنظمات من المجتمع المدني وأربع مركزيات نقابية وحركات شبابية
وشخصيات وطنية مستقلة بارزة، تضم رئيسًا سابقًا وحقوقيين وضباطًا ووزراء متقاعدين وغير ذلك. وبعد مؤتمر دامت أشغاله من 28
فبراير/شباط إلى 2 مارس/آذار 2014 في نواكشوط أعلن صراحة في وثيقته التأسيسية أن موريتانيا تعاني من "تهديد الوحدة الوطنية
واستمرار سياسات التهميش التي لا تراعي التعدد والتنوع الثقافي والاجتماعي، والتمادي الرسمي في تجاهل مخاطر ممارسات الاسترقاق
والفساد والنهب والاستحواذ على موارد البلد من طرف فرد أو على الأكثر، من طرف مجموعة استولت على السلطة بالقوة، وتدجين
مؤسسات الدولة وتقزيمها، وتفاقم الفوارق الاجتماعية، والبطالة والفقر وتدهور التعليم والصحة والعدالة، والتلاعب بالانتخابات بما يمنع
التناوب عن طريق صناديق الاقتراع بفعل وجود حزب سياسي ومرشحين يحظون بالدعم الواضح من طرف الدولة، في الوقت الذي يقع
فيه منافسوهم عرضة للحرمان من قبل السلطة". وعن سبل الخروج من هذه الوضعية فقد اعتبر المنتدى الحوار الذي وصفه ب"الصريح
والمسؤول" الخيار الأساسي للتوصل إلى حل توافقي لمشاكل البلد" كما أعلن عن تنظيم تظاهرات جماهيرية سلمية ضمن نشاطات
سياسية وإعلامية وتحركات دبلوماسية(3).
سقف الحوار وحدود التنازلات الممكنة
بعد اعتراف الجميع بالأزمة رغم التباين في تقييمها وتوصيف حجم مخاطرها، تصاعدت في الآونة الأخيرة الدعوات مجددًا للحوار دون
اتفاق على الآلية المناسبة له. وربما يفسِّر ذلك السِّجال الذي استمر أشهرًا بين أحزاب الأغلبية الحاكمة والمنتدى المعارض، والذي
تُرجِم في وثيقة وُصفت ب"الممهدات" بسبب حالة الانسداد التي بلغتها الحياة السياسية الموريتانية في السنوات القليلة الماضية؛ حيث
اقترحت الوثيقة المذكورة مرحلتين، تتضمن الأولى جملة إجراءات لبناء الثقة " كإطلاق بعض السجناء والناشطين واحترام الدستور
والمأموريات الرئاسية، ودمج الحرس الرئاسي في هيكل الجيش الوطني، وفتح وسائل الإعلام العمومية للجميع، ومراجعة الأوضاع
المعيشية لغالبية السكان، واحترام القانون 54 لسنة 2007 المحدد للتصريح بالممتلكات العامة لرئيس الدولة وأعضاء الحكومة
وغيرهم.. إلخ"(4). ثم اتفاق إطار يتضمن مطالبة رئيس الدولة بالتزامات محددة كحياد المصالح العامة في الصراع السياسي وبالتعامل
المتساوي والعادل مع كافة المواطنين، خصوصًا في مجال التوظيف. وضمان نظام قضائي عادل ومستقل وذي مصداقية، وتنظيم
انتخابات توافقية سابقة لأوانها، مسبوقة بحزمة من الإصلاحات الانتخابية الضرورية والمصاحبة، واختيار حكومة توافقية تحظى بقبول
جميع الأطراف وتفويضها بالصلاحيات اللازمة، مع التزام المعارضة بدعم الحكومة التوافقية في تطبيقها لاتفاق الحوار(5).
وتعتبر المرحلة الثانية بمثابة تجسيد فعلي لعقد اجتماعي وطني شامل وموسَّع يشترك جميع الأطراف في صياغته حول الوحدة الوطنية
بكل عناوينها ودولة القانون واستقلال القضاء، ودور المجتمع المدني وحياد الإدارة والتوافق في الملفات الوطنية الكبرى إجمالًا، بما فيها
التفاهمات المتعلقة بعقلنة تسيير الموارد العامة والهبات والمساعدات المالية الدولية ومسائل الأمن العام والحكامة الرشيدة(6).
يتضح أن سقف الحوار قد طاول مختلف القضايا والمسائل الكبرى في محاولة لرسم ملامح الدولة والمجتمع في موريتانيا ربما لعقود
قادمة في ظل أوضاع محلية وإقليمية متسارعة وضاغطة ومؤثرة. وفي الوقت الذي ترى فيه أوساط الأغلبية أن الحكومة قد تعاطت
بشكل إيجابي مثمر مع وثيقة الممهدات وقدمت تنازلات مناسبة وهيأت الظروف لعقد جلسات اللقاء التشاوري التمهيدي للحوار الوطني
الشامل بنواكشوط من 7 حتى 14 سبتمبر/أيلول 2015؛ حيث وصفت أشغال اللقاء المذكور بأنها جرت في ظروف مناسبة وطبعتها
الجدية والصراحة في النقاشات والمسؤولية في الطرح والديمقراطية في تناول مختلف القضايا التي كانت شائكة في بعض الأحيان(7).
وقد قاطعت أحزاب المعارضة التي يمثلها المنتدي الحوارَ المذكورَ واصفة إياه بالمهزلة التي تعكس النهج الأحادي للحكومة، وخطوة
تشكِّل هروبًا إلى الأمام. رغم أن كتلة المعاهدة التي تضم الأحزاب المشاركة في حوار عام 2011 مع الحكومة قد شارك رئيسها
الدوري بيجل ولد هميد في الجلسة الافتتاحية، لكنه أكد أن مشاركته جاءت لمطالبة الحكومة بتعليق هذه الجلسات من أجل إعطاء
الفرصة للجهود المبذولة لإقناع المنتدى بالمشاركة في الحوار حتى لا يكون منقوصًا(8). واعتبر بعض المراقبين أن النظام والمعارضة
مدعوان لتقديم تنازلات جدية من أجل إنجاح الحوار المفترض، ودون ذلك فإن الأزمة السياسية ستظل تدور في حلقة مفرغة.
فرص النجاح والفشل
من خلال نتائج اللقاء التشاوري الأخير الذي حدَّد موعدًا شبه نهائي للحوار الشامل والموسع ينطلق بمن حضر في الأسبوع الأول من
أكتوبر/تشرين الأول، فإن التساؤلات تظل عالقة حول فرص نجاح الحوار المذكور في ظل غياب طيف سياسي ربما لا يجمعه إلا
الموقف من النظام الحاكم منذ سنة 2008. ولهذا سينجح الحوار كلما كان محل مشاركة من أوسع القوى والأحزاب السياسية،
خصوصًا ذات السابقة في المعارضة والتأثير الرمزي، حتى لو لم تترجم ذلك الصناديقُ الانتخابية عادة. كما أن مأسسة الحوار
وجدولته في أسسه وموضوعاته بين الأحزاب السياسية سواء في السلطة أو في المعارضة هي الضمانة الأكيدة لنجاح الحوار.
يحمِّل بعض المراقبين النظام الحاكم في موريتانيا المسؤولية الأكبر في قضية نجاح الحوار أو فشله، لأن السلطة ممسكة بزمام الموقف
من الناحية العملية، ولهذا فهي في حاجة إلى تقديم تنازلات جدية لإخراج البلاد من الأزمة، والتأسيس ربما لمستقبل أفضل من خلال
الفوز بالأغلبية في الاستحقاقات الانتخابية القادمة ورسم ملامح المرحلة بشروط النظام وأغلبيته. أمَّا المعارضة التقليدية فليس لديها ما
تخسره بعد أن فقدت مواقعها الانتخابية والسياسية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، ولم يعد لديها نافذة لتقديم رؤاها وأفكارها بالشكل
الفعال. ولهذا فإنها قد تلعب بورقة توتير الأوضاع الداخلية لإحراج السلطة أو كسب ودِّ الشارع السياسي وتعاطفه حتى ترتب على ذلك
محصِّلة سياسية وأمنية، قد تكون ساحة ربح جديد لها بعد طول انتظار.
وتعترض الحوار من جانب آخر فرص فشل وإخفاق بالنظر إلى المعطيات التالية:
يعاني ائتلاف أحزاب الأغلبية عمليًّا من غياب التشاور الحقيقي بين مكوناته، وهو ما أفقده بعض الدينامية والحيوية، بدليل غياب
آلية ديمقراطية واضحة لتداول مواقعه القيادية، وعدم قدرته على الفعل والتأثير بالشكل الذي يسوِّق لمنجزات النظام، ويقدم الأخير بشكل
مقبول ومنطقي خصوصًا لجهة تدبيره للملفات التنفيذية في مجالات التجهيز والنقل وإدارة المالية العمومية وتعبئة الموارد على سبيل
المثال.
الائتلاف الحاكم، باستثناء ما جسَّده من تفاعل مع كتلة المعاهدة (حوار عام 2011) أظهر عجزًا بيِّنًا في التفاهم في حدوده الدنيا
مع نظرائه في المعارضة التقليدية؛ الشيء الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى تسلحه بالوعي السياسي اللازم في الحوار
مع الآخر.
إن عدم القدرة على طول النفس في التعامل مع أحزاب المنتدى والقبول بالاستفراد بالوضع السياسي المحلي استئثارًا به، قد يدفع
المعارضة للتشدد في مواقفها السياسية؛ مما قد يسهم في إدخال البلاد في أزمة مستعصية ليس فيها رابح إلا قوى داخلية متحفزة،
وخارجية متربصة تنتظر لحظة إشعال الأزمة.
إن سياق استقراء مخاض الحوار العسير في موريتانيا يؤشِّر ربما لاحتمال حدوث بعض فرضيات السيناريوهات التالية:
السيناريو الأول: وفي سياقه قد يتأجل الحوار من أجل إشراك كافة الأطياف المعارضة ومكوناتها؛ ما قد يدفع النظام وأغلبيته للقبول
بحكومة انتقالية توافقية موسَّعة تشارك فيها المعارضة بحقائب وزارية فنية ومهمة، ويحتفظ فيها النظام ببعض أو كل وزارات السيادة،
وذلك من أجل إعداد المدونة الانتخابية والإشراف على تنظيم انتخابات تشريعية وبلدية سابقة لأوانها من أجل إعطاء المعارضة زخمها
في المشهد النيابي والمحلي القادم، للمشاركة في تسيير الشأن العام والإعداد لبرامج تنموية طموحة ترتكز على تنمية وترشيد الموارد
الوطنية واستغلالها بشكل يؤدي في النهاية إلى تحسين الأوضاع المعيشية للسكان. واعتماد اللامركزية والأقطاب الجهوية للتنمية في
الداخل والاستمرار في مشاريع الإسكان والمرافق والقاعدة الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية وبرامج مشاركة الشباب والمرأة في الحياة
العامة.
ربما يتم التوافق وفقًا لذات السيناريو المتفائل: أن تقبل المعارضة بتغيير دستوري يفتح المأموريات الرئاسية لأكثر من دورتين، مقابل
عدم وضع سقف لسنِّ الترشح للرئاسة لإتاحة الفرصة أمام زعماء المعارضة لتجريب حظهم في المحاولة لأكثر من مرة. وهناك أصوات
معارضة وموافقة تطالب بإلغاء الغرفة الثانية (مجلس الشيوخ) مقابل الزيادة العددية للنواب، من خلال لوائح وطنية للشباب والنساء على
المستوى الوطني.
أمَّا السناريو الثاني، فيتمثل في تفادي النظام سماع أصوات معارضيه بإيجاد معارضة بديلة ومقبوله له تشارك في المشهد السياسي،
وتبذل جهدًا في إظهار قدرتها على التفاعل مع مختلف الاستحقاقات التي قد يوصي بها الحوار، وهذا السيناريو لا يتوقع أن تستسلم
المعارضة التقليدية للأمر الواقع، وربما قد تتكتل في سابقة تاريخية في جسم سياسي جبهوي موحد، وتعمل على الاستثمار في
المجموعات الشرائحية المطلبية أو النقابية من أجل تعبئة الشارع من خلالها والعمل العلني على تأزيم الأوضاع السياسية والأمنية في
البلاد، في محاولة لإثبات قدرتها على التأثير، وهو ما قد يسهم في دفع السلطة إلى إعلان حالة الطوارئ لمواجهة الأزمة ودخول
الأوضاع مرحلة لا يمكن التنبؤ بمآلاتها.
____________________________________
د. أحمد ولد نافع - خبير وباحث ومحاضر جامعي موريتاني، جامعة العلوم الإسلامية بالعيون موريتانيا.
الإحالات
(1) لفهم جوانب من أزمات المعارضة في موريتانيا، انظر: تقرير منشور بتاريخ 26 سبتمبر/أيلول 2015، على الرابط:
http://studies.aljazeera.net/reports/2015/06/201562995952450891.htm
(2) للاطلاع على نتائج الانتخابات في موريتانيا يمكن الدخول إلى موقع اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات على الرابط التالي الذي
تمت زيارته بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2015:
http://www.ceni.mr/spip.php?page=sommaire_ar
(3) لمعرفة ظروف تأسيس المنتدى الوطني للديمقراطية والوحدة يمكن الاطلاع على جريدة السفير، بتاريخ 27 سبتمبر/أيلول 2015،
على الرابط:
essevir.mr/index.php/n/29-2011-07-23-23-24-36/8442-q-q-.html
(4) وثيقة الممهدات منشورة على الموقع الصحفي التالي بتاريخ 26 سبتمبر/أيلول 2015:
http://www.enass.info/index.php?option=com_content&view=article&id=6098:-qq-&catid=1:latest-
news&Itemid=50
(5) المرجع نفسه.
(6) الوثيقة نفسها.
(7) نص التقرير الرسمي للملتقى التمهيدي للحوار السياسي كما نشره موقع حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم بموريتانيا، وقد
تمت زيارته بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول 2015:
http://www.upr.mr/article1144.html
(8) حول تغطية إخبارية للجلسات التمهيدية للحوار، يمكن متابعة الرابط التالي الذي تمت زيارته في يوم 25 سبتمبر/أيلول 2015:
http://www.aljazeera.net/home/print/f6451603-4dff-4ca1-9c10-122741d17432/2e9e5897-5b27
-40bf-9fc8-3aad05075713
المصدر: الجزيرة للدراسات


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.