وزير المالية: تطبيق ضريبة الدمغة بدلًا من «الأرباح الرأسمالية» فى البورصة    السكة الحديد ترشد استهلاك الكهرباء بجميع المحطات والقطارات| تفاصيل    ترامب: لست مستعدا بعد لإعلان ما سنفعله إذ تعرض الطيار المفقود للأذى    متحدث النواب السابق ينتقد صمت العالم أمام قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    وقفة احتجاجية أمام السفارة الفلسطينية بطرابلس ضد قانون إعدام الأسرى    إسرائيل تكثّف غاراتها من الضاحية إلى الجنوب في لبنان    رقم مميز ل أشرف حكيمي بعد مباراة باريس سان جيرمان وتولوز    إصابة سيدة ونجلها بطلق ناري في ظروف غامضة بقنا    طارق الشيخ يطرح أغنية اتنين في واحد من فيلم "إيجي بيست"    جوارديولا عن محمد صلاح: أبرز أساطير ليفربول والدوري الإنجليزي الممتاز    مدرب القناة يكشف سر الاستعانة بالجوهري في العودة لدوري الأضواء    مبابي وفينيسيوس يقودان قائمة ريال مدريد أمام ريال مايوركا    حماس تؤكد ضرورة تنفيذ بنود وقف إطلاق النار واستكمال المرحلة الأولى    تحديد مصدر تسرب بقعة السولار بترعة الإسماعيلية بالقليوبية وغلق الخط    كشف ملابسات واقعة التحرش في حلوان    بمشاركة دونجا | النجمة يسقط أمام النصر بخماسية في الدوري السعودي    عمرو اديب ولميس الحديدي يحتفلان بخطوبة نجلهما    الأوقاف: يوم اليتيم مسئولية إنسانية ودينية تؤكد قيم التكافل وبناء المجتمع    مقهى يتخفى داخل محطة بنزين بالقليوبية هربا من قرارات الغلق    السفير نبيل نجم: كنا نتوقع خطر إيران والخميني وصفنا ب "الصديق العدو"    أول صور لحادث انقلاب ميكروباص بالغربية أثناء توجهه لحفل زفاف    الداخلية تكشف ملابسات فيديو طالب عالق بشرفة مدرسة بالقليوبية    محافظ الوادي الجديد تتابع توفر السلع الأساسية والجاهزية لموسم حصاد القمح    بمشاركة دونجا، النصر يقسو على النجمة بخماسية في الدوري السعودي    وليد ثابت: "كرامة المبدع" ليست شعارًا عاطفيًا.. وأسعى لسد "فجوة المعاش" بدراسات علمية    طلاب "من أجل مصر" بعين شمس يشاركون في ورشة "مواجهة مخططات إسقاط الدولة"    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد رسامة وتنصيب القس مينا غطاس بمُنشية ناصر بديروط    الجمعة العظيمة في لبنان.. طقس روحي جامع    بالصور.. تكريم سهير المرشدي وسيف عبد الرحمن ومحسن محي الدين في ختام مهرجان الأقصر الأفريقي    عضو بالشيوخ: استجابة وزير الصناعة لمقترح تطوير التعدين خطوة مهمة لتعظيم القيمة المضافة    محافظ الإسكندرية يشهد احتفالية «أطفال بلا سرطان»    نقابة المهندسين بالإسماعيلية تبدأ أولى لقاءاتها المباشرة لتطوير منظومة مزاولة المهنة    يا منتهى كل رجاء    أناكوندا.. رمزية تناول الموروثات الاجتماعية في "شباب الجنوب"    وزير الصحة الفلسطيني يحذر: غزة على حافة تفشي الأوبئة بسبب انتشار القوارض    أوقاف كفر الشيخ تواصل عقد «مقارئ الجمهور»    مُفسِّر العالَم    بعد هتافات مقصودة ضد الإسلام .. مصريون يدعون "فيفا" للتحقيق في عنصرية جماهير أسبانيا    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: إزالة مباني مخالفة بحي ثان المحلة الكبرى واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين    في ظل أزمة طاقة عالمية.. القوات المسلحة توضح استراتيجية مصر لضمان الاستمرارية وحماية الاقتصاد الوطني    ضبط المتهم بالتعدي على «حمار» في البحيرة    شبهة جنائية في واقعة السلخانة.. العثور على جثة شاب بعد يومين من وفاته بالفيوم    بيراميدز يضرب إنبي بثنائية في الشوط الأول بنصف نهائي كأس مصر    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    «نيويورك تايمز» تكشف كواليس إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    سامح حسين: مهرجان شباب الجنوب رسخ مكانته كأبرز منصات المسرح في مصر والعالم    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الرعاية الصحية: مستشفى طيبة التخصصي قدمت 3.5 مليون خدمة طبية بالأقصر    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    4 آبار غاز جديدة تضيف 120 مليون قدم مكعب يوميًا لإنتاج مصر من غرب البرلس وخالدة    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



كتاب "مصر كما تريدها أمريكا"
نشر في الشعب يوم 30 - 03 - 2014

- بسبب الضغوط والمضايقات التى تمارس علية من نيويورك... وزير الخارجية البريطانى كان يشعر بالرغبة فى " تفجير نفسه"
- اصرارترومان على على السماح لمائة ألف يهودى بالدخول إلى فلسطين، غرضه جر أمريكا لتحمل مسئولية مشتركة عن أى شىء يحدث من العرب
- وزير الخارجية الأمريكي يخدع العرب ويؤكد أنه لم تطرأ أيه تغيرات على السياسة الأمريكية منذ خطابات روزفلت إلى ابن سعود، وأمريكا تنوى «استشارة» العرب واليهود قبل فعل أى شىء يتعلق بمستقبل فلسطين
- قاعدة الظهران الجوية المزمع إقامتها قال عنها إيدى أن "العرب الأكثر تعصبا كانوا يقولون بالفعل إنها قاعدة للعدوان السياسى الاستعمار الأجنبى".
- تشرشل الموالي للصهيونية يؤكد أن أنجلو/أمريكى جماعى هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على وضع لهما يواجه تحديات التيارات القومية بمصر وإيران
- مصطلح "العالم الحر" يستخدم لتبرير السياسات الأمريكية فى الحرب على العراق وغزو أفغانستان
بيفن وقد أحبطه نقد العالم لرفض بريطانيا السماح لحمولات السفن من المهاجرين اليهود بالرسو فى فلسطين وغضبه من ذلك النقد، وشن هجوما شديدا فى أحد مؤتمرات حزب العمال، حيث قال "أرجو ألا يساء فهمى فى أمريكا إن قلت إن الاقتراح بالسماح لمائة ألف يهودى بدخول فلسطين لم تكن دوافعه خالصة نقية، إنهم لا يريدون وجود أعداد كبيرة من اليهود فى نيويورك".
وعلى الرغم من أن زملاء بيفن شعروا بالحرج والضيق لهذا التصريح، إلا أن ترومان فاجأ أحد الصحفيين بقوله إنه يتفهم الضغوط على وزير الخارجية البريطانى، لأنه نفسه كثيرا ما كان يشعر بالرغبة فى " تفجير نفسه" بسبب الضغوط والمضايقات التى تمارس علية من نيويورك وكانت هذه ملاحظة لا يمكن عدم فهم مغزاها.
ألغام في الطريق
لكن ترومان، وعلى الرغم من ذلك لم يتزحزح عن مطلبه بالسماح لمائة ألف يهودى بالدخول إلى فلسطين، وكان يعرف كنه اللعبة، إذ إنه أدرك أن هدف بيفن كان هو جر الولايات المتحدة إلى تحمل مسئولية مشتركة عن أى شىء يحدث، حيث يكون ثمة طرف ثالث يلقى عليه العرب باللائمة. وعلى الرغم من أن الأمريكيين كانوا قد استخدموا الحرب العالمية الثانية للإعلاء من شأنهم فى الشرق الأوسط وإحكام قبضتهم على شئونه، لكنهم بموقفهم هذا كانوا يخاطرون بإفساد الأمور للجميع.
على أيه حال، فقد التقطت الحكومة السعودية تصريحات ترومان حول الهجرات اليهودية وطالبت بنشر الخطابات التى كانت قد بودلت بين ابن سعود وروزفلت، الأمر الذى شعر معه وزير الخارجية الأمريكية بيرنز بأنه فى ورطة، من ثم أجبر الوزير من جهة على إبلاغ السفير البريطانى أن روزفلت كان آنذاك مريضا بدرجة عدم قدرته على التعاطى مع مثل تلك الإجراءات المهمة.
تأكيداته كاذبة لممثلى دول الشرق الأوسط
ومن جهة أخرى أجبر الوزير على إعادة تأكيداته لممثلى دول الشرق الأوسط بأنه لم تطرأ أيه تغيرات على السياسة الأمريكية منذ خطابات روزفلت إلى ابن سعود، وأن الولايات المتحدة كانت ما زالت تنوى «استشارة» العرب واليهود قبل فعل أى شىء يتعلق بمستقبل فلسطين.
ومن الواضح أن تعبير "استشارة" كان أكثر ضعفا بكثير من الانطباع الذى تركته مراسلات روزفلت، وخاصة خطابه المؤرخ فى 5 إبريل 1945، الذى جاء به أنه لن "يتخذ أى قرار" من دون "الاستشارة الكاملة" مع العرب واليهود، وأنه لن يتخذ "أى إجراء قد يثبت أنه معادٍ للشعب العربى".
وعلى الرغم من أن خطابات روزفلت لم تتضمن أى تعهد مُلزم، كما قال ترومان عن صواب، فقد شكا القادة العرب كم أنه قد تم تضليلهم إلى الحد الأقصى، ولم يكن هذا اتهاما غير منصف.
فقد حاول الوزير بيرنز أن يفسر للورد هاليفاكس السفير البريطانى الذى تملكته الحيرة بشأن كيفية فهم ترومان للوضع، حيث أبلغه "أن المشكلة الآن هى أن يقرر العدد الذى يمكن استيعابه فى السكان ولا يمكنه الاشتراك فى خطة تثنيه عن ذلك".
كان ويليام إيدى، خبير روزفلت فى شئون السعودية، قد عاد إلى الوطن فى خريف عام 1945 لحضور مؤتمر لرؤساء البعثات الدبلوماسية، وأمل فى أن يستبق أى إجراء يلزم واشنطون بتبنى قضية الصهاينة.
وكان ابن سعود قد أوضح له قبل مغادرته عدم كفاية الوعود ب"الاستشارة"، وتوقع الملك أن نشر مراسلات روزفلت ستنهى مطالبة الصهاينة باتخاذ إجراء أحادى، وإن لم تفعل فستكون مغبات ذلك على السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط خطيرة.
استقلال دولة فلسطين العربية
قال الملك: إن استقلال دولة فلسطين العربية وبقاءها هو شأن تقرره دول المنطقة وليس من شأن الأمريكيين -يهودا كانوا أم أغيارا- والذين يعيشون على بعد خمسة آلاف ميل. لم يقل سعود إنه سيتخذ خطوات ثأرية ضد شركة أرامكو الأمريكية للنفط إذا مضت واشنطون قدما فى خططها وأتت بالمهاجرين اليهود إلى فلسطين، بيد أنه كان ثمة أخطار أخرى قائمة وخاصة تلك التى تتعلق بمستقبل قاعدة الظهران الجوية التى كان من المزمع إقامتها.
ذكر إيدى فى تقرير له أن "العرب الأكثر تعصبا كانوا يقولون بالفعل إنها قاعدة للعدوان السياسى الاستعمار الأجنبى".
وفى 10 نوفمبر 1945، وافق الرئيس على لقاء رؤساء البعثات الذين كانوا يحضرون المؤتمر والاستماع إلى أطروحاتهم لمدة نصف ساعة فقط، رأى الحضور أن العالم العربى يستحق مكانا أفضل فى فكر السياسة الخارجية ليس فقط بصفته "قوة توازن" الطموحات الصهيونية، أو لأنه مركز الاهتمامات الإستراتيجية البريطانية، أو لأن الطرق الجوية العظمى لا بد أن تمر عبره فى المستقبل، أو حتى لأنه يضم "مهدى الحضارة وأكبر احتياطات مثبتة من نفط العالم غير المعالج"، بل لأنه يجب توجيه مزيد من الاهتمام للعرب بسبب التيارات الثورية الآخذة فى الانتشار فى أنحاء المنطقة، أكد الحضور أنه "إذا أثبطتهم الولايات المتحدة فسيتوجهون إلى روسيا وستفقدهم حضارتنا بكل تأكيد".
الطموحات الصهيونية
وفوق كل شىء سأل الدبلوماسيون عما بإمكانهم قوله لتلك الحكومات حول السياسة الأمريكية إزاء "الصهيونية السياسية؟" تبسم ترومان لارتداد خطابه الوليد الخاص بالحرب الباردة إليه، وأقر بأن هذا السؤال قد أقلقه بأكثر من أية قضية أخرى تواجه الولايات المتحدة، بيد أنه احتفظ فى ذهنه بتعبير "الصهيونية السياسية" الذى استخدموه كى يصوغ إجابته، حيث رد قائلًا إنه يأمل أن السماح بدخول بعض المهاجرين من أوروبا سيعمل على "التخفيف" من حدة الموقف لوقت كافٍ على الأقل، حتى يتم التوصل إلى تسوية مع الصهيونية "ذات التوجهات الإنسانية"، لكنه اعترف بأنه غير واثق من التوصل إلى تلك التسوية؛ لأن فلسطين كانت "قضية ملتهبة" فى الحياة السياسية الداخلية، وأنها ستستمر كذلك فى عام 1946 وفى عام 1948.
نوع من الاتفاق حول إسرائيل
بيد أن ترومان تلقى دعمًا من مصدر آخر، أى من ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا السابق.
كان تشرشل الذى ظل مواليًا للصهيونية منذ سنوات، يدعو فوق كل شىء لعمل أنجلو/أمريكى جماعى كأفضل وسيلة، بل الوسيلة الوحيدة للحفاظ على وضع لهما فى الشرق الأوسط وخاصة فى مواجهة تحديات التيارات القومية بمصر وإيران، وتحدث عن تلك التحديات بأسلوب يماثل ذلك الذى كان جورج كنان قد استخدمه عندما قدم خطة لتشارك الدولتين فى المرافق العسكرية بالمنطقة.
رؤية تشرشل... بين العرب وأوربا
ووفقًا لرؤية تشرشل للوضع فقد كانت بريطانيا العظمى من الناحية الجغرافية وخلافه بين فكى [مسّاكة] مُلزمة، أى بين فلسطين من ناحية ومصر من ناحية أخرى فى وجود السويس محشورة من الناحيتين، بل إنه يمكن القول حماية السويس والقاعدة العسكرية هناك كانت القيمة التحتية الرئيسية فى خطاب "الستار الحديدى" الشهير الذى ألقاه تشرشل بكلية وستمينستر فى فولتون بولاية ميسورى فى وجود ترومان جالسًا على المسرح خلفه، كان من الصواب أن ينصب كل الاهتمام على وصفه لأوروبا ما بعد الحرب، وهى مقسمة بين الكتلة الشرقية والغربية بواسطة ستار حديدى، لكنه بعد ذلك تحول إلى الشرق الأوسط، وعرض أن يتشارك مع واشنطون فى أمر قد يثبت أن قيمته لا تقدّر كمضاد للاتحاد السوفيتى -قواعد عسكرية- تضاعف قوة الولايات المتحدة، وكانت السويس بلا ريب أحد أهم المواقع فى تلك الحسبة.
مطالب روسيا
مضى تشرشل قائلًا "تشعر تركيا وبلاد فارس بعميق القلق بسبب مطالب روسيا منها، والضغوط التى تمارسها عليهما"، وقال إن على بريطانيا والولايات المتحدة فى مواجهة تلك التحديات العامة والمحددة تطوير استراتيجية مشتركة.. ثم تساءل "أمن الممكن ألا يتسلق تطوير علاقة خاصة بين الولايات المتحدة والكومنولث البريطانى مع أولويات ولاءاتنا للمنظمة العالمية؟ أجيب عن هذا التساؤل بالنفى، بل إن هذا قد يكون الوسيلة الوحيدة التى من خلالها تحقق تلك المنظمة مكانتها الكاملة وتثبت قوتها؛ لأن الإمبراطورية البريطانية المثير مما يمكن لها أن تقدمه، كما أن لديها قواعد فى جميع أنحاء العالم"، وقد يؤدى هذا إلى مضاعفة إمكانات الأسطول الأمريكى وقواتها الجوية على الحركة ويوسع المدى التى تستطيع به قوات الإمبراطورية التحرك، كما أنه سيؤدى فيما تهدأ الأمور فى العالم، إلى توفير أموال كثيرة، فنحن معًا نستخدم بالفعل عددًا كبيرًا من الجزر، ومن الممكن أن توكل لكلينا مهمة الحفاظ على المزيد منها فى المستقبل القريب".
موقف تشرشل مخالفًا للمزاج العام بحزب العمال،
مثّل موقف تشرشل الموالى للصهيونية، الذى كان مخالفًا للمزاج العام بحزب العمال، رؤيته لإنقاذ الإمبراطورية أو أكبر قدر منها على الأقل، إذ إنه اعتبر أن الحركة الصهيونية وأطماعها دعامة لتوجهات بريطانيا الاستعمارية، لكن هذا الموقف استدعى كثيرًا من النقد لترومان حليف تشرشل، ووضع تشرشل -قائد بريطانيا فلا أثناء الحرب والقائد العام المدافعين عن الإمبريالية- حكومته فى موقف الدفاع عن النفس حول هذه القضية بأن أضمر أن وجود جبهة أنجلو/أمريكية موحدة ستعمل على تعويق "المتعصبين" العرب الذين كثر الحديث عنهم [يقصد المناضلين المعادين لأطماع الصهاينة ودعاة الاستقلال والقومية العربية]!! [والذين رأى تشرشل أنهم لا يمثلون مشكلة بنفس قدر مهمة منع وجود موطئ قدم للروس فى المنطقة، وفيما أنه كان من المؤكد أن بإمكان القضية الفلسطينية أن تؤدى إلى تفكيك تلك "العلاقة الخاصة" إلى خيوط منفصلة، فقد كان التعظيم من شأن التهديد السوفيتى كوسيلة لتشجيع الأمريكيين لأخذ الوضع العام فى الشرق الأوسط على محمل الجد قد أصبح اهتماما مركزيًا لصناع السياسة البريطانيين.
وعلى حين أن توجهات تشرشل إزاء فلسطين كانت تختلف عن رؤية بقين وأتلى، إلا أن تأكيداته السابق ذكرها كانت تتناغم مع هدف إشراك الأمريكيين فى أمور الشرق الأوسط.
جر الأمريكيين للدفاع عن الهوامش
كتب المؤرخ جون كى يقول إن الهدف البريطانى طوال الوقت كان هو جر الأمريكيين للدفاع عن الهوامش، أى اليونان وتركيا، نظرًا لأهميتهما لغاياتهم المشتركة.
فى بداية صيف عام 1946، أصدرت لجنة أنجلو/أمريكية تقريرًا يؤيد اقتراح السماح لمائة ألف يهودى بالهجرة إلى فلسطين، كان العرب الذين تمت دعوتهم للتعبير عن آرائهم حول الموضوع قد قاطعوا اللجنة، وقد أتاح ذلك الفرصة لإدارة ترومان أن تقول إن الالتزام الذى كان روزفلت قد قطعه بشأن مشورة الطرفين قد تم، ثم أضافت الإدارة على أى حال، نحن ما زلنا منفتحين على أية مشورات تصدر التنصل، توجهت السياسة الأمريكية نحو خطة لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، مع محاولة لتعيين حدود للدولة المتقطعة، حينما وصلت الأخبار إلى عبد الرحمن عزام رئيس الجامعة العربية عبر عن غضبه العارم استنكارًا للسياسة الأمريكية، بيد أن أحد الدبلوماسيين المصريين أبلغ مسئولًا فى السفارة الأمريكية، بشكل شخصى، أن حكومته ستقبل دعوتها إلى مؤتمر يعقد بلندن حول التعاطى مع مسألة الهجرة اليهودية "من دون شروط مسبقة".
خطة مارشال
كان ترومان ومستشاروه قد تلقوا المناشدة البريطانية فى بداية عام 1947 للإسهام فى تقديم المساعدة العسكرية لليونان وتركيا وحولوها إلى ما وصفوه بأنه "مبدأ" لمقاومة ما يحدثه السوفييت من تخريب، حسب قولهم، فى أى مكان.
وبمجرد تبلور "مبدأ ترومان" وإعلان "خطة مارشال" لمعافاة الاقتصادات الأوروبية تحت التوجيه الأمريكى، أصبح "الاحتواء" القاعدة العامة التى تشكلت وفقها جميع السياسات الأمريكية، حيث أصبحت الحرب الباردة تعرف على أنها صراع بين "العالم الحر" والكتلة السوفيتية، وكما كان محتمًا، غدت القضية الفلسطينية جزءًا من مناورات الحرب الباردة، فيما عمل الاتحاد السوفيتى أيضًا على زيادة التوتر بين الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى من خلال مساندتهم لمطالبة مصر بجلاء بريطانيا عن السويس، وأيضًا بتأييدهم طرفى القضية الفلسطينية.
خلقت المشكلة، ولم تجد حلًا لها
فيما بعد، مضى الرؤساء الذين خلفوا ترومان فى توسيع نطاق مبدئه، حيث يتناسب مع الاحتياجات السياسية فى أماكن أخرى، وخاصة فى الشرقيين الأوسط والأقصى.
وعلاوة على ذلك، فإنه وبعد انهياره بفترة طويلة، ظل مصطلح "العالم الحر" يستخدم لتبرير السياسات الأمريكية فى الحرب على العراق وغزو أفغانستان، لكن هذا كان من شأن المستقبل، أما المشكلة الآنية المباشرة آنذاك فتمثلت فى التغلب فى النقاشات مع لندن حول فلسطين وتطلعات الصهاينة، وفى النهاية أعلن بفين وزير خارجية بريطانيا عجزه، ووجه إلى ترومان تعليقات بذيئة تضمر وصفه إياه بالديوث السياسى، وألقى بالمشكلة إلى الأمم المتحدة وكأنما ليقول واشنطون "لقد خلقت المشكلة، فلتوجدِ حلًا لها".
حاولت الأمم المتحدة جهدها، وأنشأت لجنة خاصة unscop لمراجعة جميع المقترحات، وكما كان متوقعًا، عادت اللجنة بتقرير يبين انقسامها. أيدت الغالبية خطة تقسيم فلسطين إلى دولتين إحداهما يهودية والأخرى عربية. وترك القدس مدينة دولية تحت الحماية، كان ترومان قد فضّل سرًّا، ذاك النهج، وحينما عُرض الاقتراح على الأمم المتحدة لصالح التقسيم، وكان البيت الأبيض قد مارس الضغوط، خلف الكواليس، على عدة حكومات للتصويت لصالح التقسيم، ولم يكن خافيًا أن وزارة الخارجية كانت تعارض مناورات الباب الخلفى تلك، وترى فيها «تشاطرا» مفرطا من جانب مساعدى الرئيس الموالين للصهاينة لتجنب تحمل المسئولية الأحادية عن «حل» مفروض كان لا بد له أن يعمل على اغتراب الدول العربية.
وفى الأمم المتحدة، التقى جورج سى. مارشال، وزير خارجية الولايات المتحدة بالدبلوماسيين العرب فى محاولة لتهدئة ردود أفعالهم على التصويت لصالح التقسيم.
المتحدثون العرب .. ومواقف متضاربة
ومرة أخرى، مضت مجموعة من المتحدثين العرب تأخذ دورها محذرين من مغبات ذلك التصويت، قال أحدهم إن التجربة الصهيونية كان لا بد لها أن تفشل منذ البداية دون المساعدة الخارجية المالية والدعم الذى تلقته؛ وذهب آخر إلى أنه بمجرد أن يستقر المهاجرون اليهود فى فلسطين فسيمضون فى مسعاهم لضم المزيد والمزيد من الأراضى، وأن ما يحدث كان مجرد بداية.
أكد فارس بك خورى (من سوريا) على أطروحة الفشل الذى سيكون مصيرهم فى النهاية، وبيّن أنه على الرغم من أن الصليبين حاولوا منذ ألف عام ترسيخ هيمنتهم على الأراضى المقدسة فقد تم طردهم فى النهاية وكانت الكوارث من نصيبهم.
أنصت مارشال لهذه الشكاوى دونما تعليق، واحتفظ لنفسه بالشكوك حول تصميم البيت الأبيض على أن يجد سبيلًا للخروج من هذا المأزق، حيث يحقق مطالب الداخل الأمريكى من ترومان دون أن تنهال اللعنات عليه من العالم العربى إلى أبد الآبدين.
لم يبد العرب أى تعاطف مع البريطانيين
فى تلك الأثناء مضى المعنيون فى توجيه اللوم إلى البريطانيين لإعاقتهم المهاجرين اليهود من الرسو فى فلسطين من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يبد العرب أى تعاطف مع البريطانيين، كان العامل الذى أسهم فى اتخاذ القرار بتشكيل لجنة unscop هو حادثة السفينة "إكزوداس exodus [الخروج] "الشهير فى صيف عام 1947 حينما أعادت السلطات البريطانية تلك السفينة التى كانت تحمل لاجئين يهودًا من ألمانيا، وغدا الحادث كابوسا بالنسبة للسلطات البريطانية، حيث كان معظم من كانوا على متن السفينة والذين ينون الهجرة إلى فلسطين من الناجين من الهلوكوست جذب مصيرهم اهتمام العالم حينما أصر بيفن على اعتبارهم غير شرعيين، وعلى أنه ينبغى عودتهم إلى المرافئ الفرنسية فيما بعد أطلق على exodus "لقب السفينة التى تسببت فى إنشاء دولة"، كتب المؤرخ آلان باييه يقول فيما بعد، لو أن البريطانيين استوعبوا ما لتلك الصورة (الهلوكوست فى هذه الحالة وربطها بسفر الخروج) من قوة تلك الرحلة القادمة من أرض الهلوكوست، لكنهم لم يفعلوا فيما نأى الأمريكيون بأنفسهم عن المسئولية، كانت نتيجة القرار البريطانى الذى تجاهل حساسية الموقف «الدفع بتشكيل لجنة unsop من أجل مناقشة مصير الناجين من اليهود الأوروبيين بدلا من بحث مطالب العرب بتقرير مستقبل فلسطين على أساس الواقع الديموجرافى (بالنسبة السكانية) لعام 1947».
بيد أن ترومان كان تبين ومنذ وقت مبكر فى عام 1947؛ ما بدا وأنه أمر حتمى، أى أن الرأى العام الأمريكى سيدعم فكرة إنشاء وطن قومى لليهود بفلسطين، وكانت هذه الفكرة هى التى تصرف على أساسها منذ آنذاك وحتى إنشاء إسرائيل عام 1948، أملا أن يكون بإمكان المائة ألف مهاجر يهودى أن يستقروا هناك وأن يكون لديه ما يكفى من الوقت للتفكير فى وسيلة يستطيع من خلالها المهاجرون اليهود والعرب الفلسطينيون لعيش بأسلوب أو آخر فى دولة مقسمة، لكن حدث تطور مفاجئ أدى إلى تقليص مساحة المناورات الأمريكية: تغير فى أثناء النقاش فى خريف عام 1947، ليعلن تأييده تقسيم فلسطين.
توجهات البيت الأبيض الموالية للصهاينة
اعتقد خبراء وزارة الخارجية الأمريكية الذين كان قد أصابهم اليأس نتيجة توجهات البيت الأبيض الموالية للصهاينة أن الروس قد قاموا بخطوة ماهرة تمكنهم من اختراق الشرق الوسط بواسطة تنمية علاقات طيبة مع إسرائيل، بعد أن عمل مبدأ ترومان على إبعادهم عن المنطقة، لكن وعلى المدى الطويل لم تصبح إسرائيل قاعدة سياسية أمامية بالمنطقة للاتحاد السوفييتى، فيما عانت العلاقات الأمريكية-العربية نتيجة إقامة الدولة اليهودية.
فى 15 مايو عام 1948 أعلنت بريطانيا تحت ضغط حاجتها إلى الأموال للحفاظ على قواعدها بالخارج، ونتيجة لاحتياطاتها أنها ستنهى انتدابها على فلسطين الذى كان جزءا من تسوية الحرب العالمية الأولى التى قسمت على إثرها الإمبراطورية العثمانية بين المنتصرين، وفى وجود مائة ألف من الجنود البريطانيين من الشرطة والجيش متموقعين فى فلسطين لم يكن لشىء، بما فى هذا فقدان القواعد العسكرية أن يغير اقتصاديات ذلك الوضع، لذا لم يكن ثمة خيار سوى دعم عبد الله ملكا ما كان يعرف آنذاك بشرق الأردن، الذى كان يشتهى ضم الضفة الغربية إلى مملكته مع تخيل نفسه وهو يحكم مناطق واسعة تشمل سوريا ولبنان.
عبد الله وصلات جيدة مع الوكالة اليهودية
كان لعبد الله صلات جيدة مع الوكالة اليهودية، التى سبقت الحكومات الإسرائيلية المؤقتة، وفى لقاء سرى له مع قادتها وقت التصويت على التقسيم أكد لهم أنه لن يهاجم الدولة اليهودية أبدا "بل سيعمل على ضم جزء فلسطين العربى إلى مملكاته".
كانت القاهرة تفهم جيدا طموحات عبد الله، وقد أدت تلك التنافسات بين العربية إلى تقويض أى محاولة لتشكيل جبهة موحدة ضد دولة إسرائيل التى كانت قد أقيمت مؤخرا، كان بينكنى تاك سفير الولايات المتحدة بالقاهرة، قد أرسل تقريرا من مصر فى 23 ديسمبر عام 1947 مفاده أن الملك فاروق وباتفاق مع دول عربية أخرى قد تعهد لمقاومة التقسيم "بقوة السلاح"، كان لفاروق فرقتان عسكريتان على الحدود الفلسطينية، لكنهما ما كانت لتقومان بأيه عمليات سوى بعد انتهاء الانتداب البريطانى على فلسطين، وفى الوقت ذاته كانت القوتان تعملان على منع "تسلل المخربين من اليهود الروس إلى مصر"، وكان قد تم توقيف عدد منهم بالفعل وعثر معهم على وثائق لم تترك أى شك حول ما كانوا ينوون القيام به من أعمال تخريبية.
أيضا لم تساور الشكوك مطلقا الملك فاروق أن القوات العربية ستنجح معا فى النهاية، وبعد بعض من التعثرات والانتكاسات فى البداية، فى طرد اليهود من فلسطين. أقر أن كثيرا من اليهود قد اكتسبوا خبرات عسكرية فى الحرب العالمية الثانية لكنه كان واثقا تلك الميزة ستختفى مع مواصلة العرب للقتال، ووفقا ما قاله السفير تاك فقد أخبره "فاروق أن الملك ابن سعود قد تعهد له أن سيتبع مصر، وعبر فاروق عن اعتقاده أنه على الرغم من الميزات المادية التى كان يجنيها ابن السعود من المشاريع الأمريكية فى المملكة فإن الرجل العجوز يفضل أن يدمر آباره من النفط على أن يحنث بوعده".
وعلى الرغم من أن تاك اعتقد أن ذاك الانطباع كان مبالغا فيه إلا أنه لم يكن لديه أدنى شك فى عزل فاروق، على أن تكون له القيادة فى مقاومة إسرائيل بواسطة القوة العسكرية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.