«مستقبل وطن».. أمانة الشباب تناقش الملفات التنظيمية والحزبية مع قيادات المحافظات    تفاصيل حفل توزيع جوائز "صور القاهرة التي التقطها المصورون الأتراك" في السفارة التركية بالقاهرة    200 يوم.. قرار عاجل من التعليم لصرف مكافأة امتحانات صفوف النقل والشهادة الإعدادية 2025 (مستند)    سعر الذهب اليوم الإثنين 28 أبريل محليا وعالميا.. عيار 21 الآن بعد الانخفاض الأخير    فيتنام: زيارة رئيس الوزراء الياباني تفتح مرحلة جديدة في الشراكة الشاملة بين البلدين    محافظ الدقهلية في جولة ليلية:يتفقد مساكن الجلاء ويؤكد على الانتهاء من تشغيل المصاعد وتوصيل الغاز ومستوى النظافة    شارك صحافة من وإلى المواطن    رسميا بعد التحرك الجديد.. سعر الدولار اليوم مقابل الجنيه المصري اليوم الإثنين 28 أبريل 2025    لن نكشف تفاصيل ما فعلناه أو ما سنفعله، الجيش الأمريكي: ضرب 800 هدف حوثي منذ بدء العملية العسكرية    الإمارت ترحب بتوقيع إعلان المبادئ بين الكونغو الديمقراطية ورواندا    استشهاد 14 فلسطينيًا جراء قصف الاحتلال مقهى ومنزلًا وسط وجنوب قطاع غزة    رئيس الشاباك: إفادة نتنياهو المليئة بالمغالطات هدفها إخراج الأمور عن سياقها وتغيير الواقع    'الفجر' تنعى والد الزميلة يارا أحمد    خدم المدينة أكثر من الحكومة، مطالب بتدشين تمثال لمحمد صلاح في ليفربول    في أقل من 15 يومًا | "المتحدة للرياضة" تنجح في تنظيم افتتاح مبهر لبطولة أمم إفريقيا    وزير الرياضة وأبو ريدة يهنئان المنتخب الوطني تحت 20 عامًا بالفوز على جنوب أفريقيا    مواعيد أهم مباريات اليوم الإثنين 28- 4- 2025 في جميع البطولات والقنوات الناقلة    جوميز يرد على أنباء مفاوضات الأهلي: تركيزي بالكامل مع الفتح السعودي    «بدون إذن كولر».. إعلامي يكشف مفاجأة بشأن مشاركة أفشة أمام صن داونز    مأساة في كفر الشيخ| مريض نفسي يطعن والدته حتى الموت    اليوم| استكمال محاكمة نقيب المعلمين بتهمة تقاضي رشوة    بالصور| السيطرة على حريق مخلفات وحشائش بمحطة السكة الحديد بطنطا    بالصور.. السفير التركي يكرم الفائز بأجمل صورة لمعالم القاهرة بحضور 100 مصور تركي    بعد بلال سرور.. تامر حسين يعلن استقالته من جمعية المؤلفين والملحنين المصرية    حالة من الحساسية الزائدة والقلق.. حظ برج القوس اليوم 28 أبريل    امنح نفسك فرصة.. نصائح وحظ برج الدلو اليوم 28 أبريل    أول ظهور لبطل فيلم «الساحر» بعد اعتزاله منذ 2003.. تغير شكله تماما    حقيقة انتشار الجدري المائي بين تلاميذ المدارس.. مستشار الرئيس للصحة يكشف (فيديو)    نيابة أمن الدولة تخلي سبيل أحمد طنطاوي في قضيتي تحريض على التظاهر والإرهاب    إحالة أوراق متهم بقتل تاجر مسن بالشرقية إلى المفتي    إنقاذ طفلة من الغرق في مجرى مائي بالفيوم    إنفوجراف| أرقام استثنائية تزين مسيرة صلاح بعد لقب البريميرليج الثاني في ليفربول    رياضة ½ الليل| فوز فرعوني.. صلاح بطل.. صفقة للأهلي.. أزمة جديدة.. مرموش بالنهائي    دمار وهلع ونزوح كثيف ..قصف صهيونى عنيف على الضاحية الجنوبية لبيروت    نتنياهو يواصل عدوانه على غزة: إقامة دولة فلسطينية هي فكرة "عبثية"    أهم أخبار العالم والعرب حتى منتصف الليل.. غارات أمريكية تستهدف مديرية بصنعاء وأخرى بعمران.. استشهاد 9 فلسطينيين في قصف للاحتلال على خان يونس ومدينة غزة.. نتنياهو: 7 أكتوبر أعظم فشل استخباراتى فى تاريخ إسرائيل    29 مايو، موعد عرض فيلم ريستارت بجميع دور العرض داخل مصر وخارجها    الملحن مدين يشارك ليلى أحمد زاهر وهشام جمال فرحتهما بحفل زفافهما    خبير لإكسترا نيوز: صندوق النقد الدولى خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكى    «عبث فكري يهدد العقول».. سعاد صالح ترد على سعد الدين الهلالي بسبب المواريث (فيديو)    اليوم| جنايات الزقازيق تستكمل محاكمة المتهم بقتل شقيقه ونجليه بالشرقية    نائب «القومي للمرأة» تستعرض المحاور الاستراتيجية لتمكين المرأة المصرية 2023    محافظ القليوبية يبحث مع رئيس شركة جنوب الدلتا للكهرباء دعم وتطوير البنية التحتية    خطوات استخراج رقم جلوس الثانوية العامة 2025 من مواقع الوزارة بالتفصيل    البترول: 3 فئات لتكلفة توصيل الغاز الطبيعي للمنازل.. وإحداها تُدفَع كاملة    نجاح فريق طبي في استئصال طحال متضخم يزن 2 كجم من مريضة بمستشفى أسيوط العام    حقوق عين شمس تستضيف مؤتمر "صياغة العقود وآثارها على التحكيم" مايو المقبل    "بيت الزكاة والصدقات": وصول حملة دعم حفظة القرآن الكريم للقرى الأكثر احتياجًا بأسوان    علي جمعة: تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أمرٌ إلهي.. وما عظّمنا محمدًا إلا بأمر من الله    تكريم وقسم وكلمة الخريجين.. «طب بنها» تحتفل بتخريج الدفعة السابعة والثلاثين (صور)    صحة الدقهلية تناقش بروتوكول التحويل للحالات الطارئة بين مستشفيات المحافظة    الإفتاء تحسم الجدل حول مسألة سفر المرأة للحج بدون محرم    ماذا يحدث للجسم عند تناول تفاحة خضراء يوميًا؟    هيئة كبار العلماء السعودية: من حج بدون تصريح «آثم»    كارثة صحية أم توفير.. معايير إعادة استخدام زيت الطهي    سعر الحديد اليوم الأحد 27 -4-2025.. الطن ب40 ألف جنيه    خلال جلسة اليوم .. المحكمة التأديبية تقرر وقف طبيبة كفر الدوار عن العمل 6 أشهر وخصم نصف المرتب    البابا تواضروس يصلي قداس «أحد توما» في كنيسة أبو سيفين ببولندا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفقهاء والفلاسفة.. تفنيد مباحث الإلهيات فى الفلسفة اليونانية
نشر في الشعب يوم 04 - 03 - 2014

حملة الفقهاء على الميتافيزيقا اليونانية كانت لحماية المسلمين من خزعبلاتها
ابن حزم وابن خلدون يدافعان عن قيمة الفلسفة وينكران على المتفلسفة المسلمين سوء استخدام المناهج الفلسفية
أبو حامد الغزالى يدرس منطق أرسطو ويدرّسه ويعتبره فرضًا كفائيًّا على المسلمين ثم يستخدمه فى الرد على الفلاسفة
- ودرس المنطق واستخدمه فى مواجهة الفلاسفة ليدحض النتائج التى وصل إليها فلاسفة اليونان وأتباعهم
- مفاهيم الغزالى عن الوجود والحركة والزمان والمكان متميزة وعميقة، بدليل تتوائم مع أحدث النظريات العلمية.
- المحاكمات العقلية المعقدة للفلاسفة أوصلتهم إلى نتائج تخالف عقائد المسلمين، لكن الفقهاء فندوها بالمناقشات العقلية العميقة
- أنصارسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو، تصنّعوا الكفر كى يتميزوا عن سواء الناس الغالب، ظنا منهم أن الكفر من أمارات الفطنة والعلم»
- هل الاشتغال بالفقه أو الحديث يعصم المرء من الخطأ أو التهور؟!


بدأنا هذه الدراسة بما يزعمه علمانيونا من أن التراث الإسلامى عبر عن عدائه للعقل عندما رفض أئمة السلف الفلسفة الإغريقية، ثم عرضنا فى الحلقة الثانية أهم مقولات فلاسفة الإغريق ومن شايعهم من المسلمين فى الإلهيات. ونبدأ من هذه الحلقة عرض الموقف الحقيقى لفقهائنا فى مواجهة هذه المقولات وطريقتهم فى التعامل معها.
يمكنك بالفعل أن تجد فى كتابات بعض علماء السلف كلاما ضد الفلسفة هو أقرب إلى الشتم والهجاء من النقد الموضوعى، وهو أقرب إلى تحريض العوام ضد الفلاسفة من تفنيد آرائهم ودحضها بالعقل. نعم، مثل هذه الكتابات موجودة، ولكن لماذا اختيار هذه الكتابات وحدها دون غيرها لتمثيل أفكار الفقهاء؟! هل يخلو هذا الاختيار من الغرض؟! وبعض الغرض -كما نعرف- مرض.

الجانب التحريضى بين الطائفتين

قبل أن نعرض للحوار العقلى الذى دار بين الطائفتين، من المناسب أن نقف قليلا عند هذا الجانب التحريضى؛ فنحن لا نريد أن نتجاهل تلك الكتابات الخطابية الموجهة إلى وجدان الجماهير وقلوبهم لا إلى عقولهم؛ فنحن نراها طبيعية، ولا تخلو منها كل الصراعات الفكرية فى كل الحضارات والثقافات، حتى فى عصرنا الحديث الرشيد المتسامح المؤمن بالتعددية، لم يكتف قادة أى اتجاه فكرى بالنقاش الهادئ لخصومه. هل اكتفى ماركس بهذا؟! وهل اكتفى به لينين فى مواجهة مخالفيه داخل معسكر الاشتراكية -ولا نقول: خصومه العقائديون من المعسكر الآخر-؟! أم راح يصف الاشتراكيين الماركسيين من غير البلاشفة أنصاره بالانتهازية والجبن والردة عن الاشتراكية وخيانة نضال الجماهير... إلخ؟ وهل اكتفى المعسكر الآخر بدحض الماركسية وبيان عوارها الفكرى؟! أم ركزوا جهودهم على التنفير منها بالحق وبالباطل؟!


ليس غريبا إذن أن يسعى مثقفو الأمة إلى تعبئة الجماهير وشحنها عاطفيا ضد أى فكر يرون فيه خطرا على أصولها الثقافية. ولا يزال هذا يحدث فى كل الثقافات حتى الآن. المهم أن تستند هذه التعبئة إلى مواقف فكرية وصلوا إليها بعد بحث ودراسة، لا أن تكون مجرد رفض لجديد لأنهم لا يعرفونه.
ولا نريد أن نضع رءوسنا فى الرمال. نعم، بعض هذه الكتابات العاطفية -وهى قليلة جدا والحمد لله- نتمنى لو أنها لم تكن كتبت، ولكن هل الاشتغال بالفقه أو الحديث يعصم المرء من الخطأ أو التهور؟! هل نستغرب الغضب والانفعال على بعضهم عندما يقرءون كلاما كالذى نقلناه عن ابن سينا؟! وهو كلام يتهم نبيهم بالكذب وينتقص من الكتاب الذى يعتبرونه كلام ربهم.

ما الذى رفضوه؟
لكن هذا الرفض لم يكن للفلسفة نفسها من حيث إنها نشاط عقلى كما يريد مثقفونا العلمانيون أن يقنعوا الناس؛ فها هو ابن حزم إمام المذهب الظاهرى وآخر من كنا نتصور أن يقبل التفلسف، يقول بالنص فى كتابه «الفصل فى الملل والأهواء والنحل»: «إن الفلسفة على الحقيقة -أى معناها وثمرتها والغرض المقصود نحوه بتعلمها- ليس هو شيئا غير إصلاح النفوس، وهذا نفسه لا غيره هو الغرض فى الشريعة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من العلماء بالشريعة، اللهم إلا لمن انتمى إلى الفلسفة بزعمه وهو ينكر الشريعة بجهله على الحقيقة بمعانى الفلسفة وبعد عن الوقوف على غرضها ومعناها».. هل تتصور هذا؟! ابن حزم نفسه ينكر على متفلسفة المسلمين جهلهم بحقيقة الفلسفة.

ابن خلدون...و علم ما وراء الطبيعة

وانظر إلى فقيهنا عبد الرحمن بن خلدون صاحب «المقدمة» وإمام أهل السنة فى عصره، يصوغ موقفه الراقى فى عبارة من الكلام النفيس: «أما ما كان منها [يقصد البراهين الفلسفية] فى الموجودات التى وراء الحس، وهى الروحانية، ويسمونه العلم الإلهى أو علم ما وراء الطبيعة [الميتافيزيقا]، فإن ذواتها مجهولة رأسا، ولا يمكن التوصل إليها ولا البرهان عليها؛ لأن تجريد المعقولات من الموجودات الخارجية الشخصية إنما هو ممكن فيما هو مُدرَك لنا، ونحن لا ندرك الذوات الروحانية. لعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأن مدركاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس، والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقا من ذلك [...] وليس ذلك بقادح فى العقل ومداركه؛ فالعقل ميزان صحيح؛ فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره [أى العقل]؛ فإن ذلك طمع فى محال».

ميزان صحيح وأحكامه يقينية

العقل عنده -عندما يعمل مستقلا- لا يمكنه إدراك ما وراء الطبيعة؛ لأنه لم يخلق للعمل فى هذا المجال، ولكنه «ميزان صحيح وأحكامه يقينية لا كذب فيها» إذا استُخدم فى مجاله. هذا هو تعليق ابن خلدون المفكر العبقرى، على تشويشات الأفلاطونية الحديثة فى مسألة الفيض والعقول والنفوس... إلخ؛ ذلك أن ابن خلدون لم يكن واقعا تحت تأثير خرافة العقل الفعال، لكنك لو كنت مقتنعا –كالفلاسفة- بأنك تستطيع الاتصال بالعقل الفعال، الذى هو عقل العالم كله، لاعتبرت أن التفكير المجرد -الذى هو قبس من هذا العقل الأزلى بزعمهم- يمكن أن يقودك لمعرفة كل شىء.
بالطبع لم تكن كل اعتراضات الفقهاء موجهة إلى مزاعم قدمها الفلاسفة عارية من أى دليل، أو إلى أوهام وخيالات لا عقلانية؛ فقد كانت للفلاسفة محاكمات عقلية معقدة وصلوا بها إلى نتائج تخالف عقائد المسلمين، وهذه فندها الفقهاء بالمناقشات العقلية العميقة. وتميزت هنا مدرستان: مدرسة الغزالى الذى ناقش مقولات الفلاسفة بالمنطق، واستخدم مناهجهم الفلسفية ذاتها لإثبات أنهم أخطئوا النظر، دون أن يعترض على المناهج نفسها، ومدرسة ابن تيمية الذى عمل على البرهنة على أن هناك عيوبا فى المنهج نفسه لا فى طريقة استخدامهم له فقط.

الغزالى يتبنى منطق أرسطو
مر أبو حامد الغزالى بمرحلة من الشك ولج فيها طريق الفلسفة، لكنه فى النهاية رفض مقولات الفلاسفة ونقدها نقدا شديدا، دون أن يخرج عن منهجهم فى التفكير؛ فقد التزم بمنطق أرسطو، حتى إنه رأى فى دراسة المنطق فرضا كفائيا على المسلمين، ينبغى أن يوجد بينهم على الدوام العالم المتمكن منه، وإلا باءت الأمة كلها بالإثم؛ ففى مقدمة كتابه «المستصفى فى علم الأصول» -وهو من أعمدة هذا العلم- يقول: «نذكر فى هذه المقدمة مدارك العقول، وانحصارها فى الحد والبرهان [الحد والبرهان هما الأدوات الرئيسية فى المنطق - ع] [...] وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هى مقدمة العلوم كلها. ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلا»، ويقول فى كتابه «القسطاس» عن قوانين المنطق: «لا أدعى أنى أزن بها المعارف الدينية فقط، بل أزن بها العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والفقهية والكلامية، وكل علم حقيقى غير وضعى». وقد درس الغزالى المنطق ودرّسه، واستخدمه فى مواجهة الفلاسفة؛ لا ليدحض طرقهم فى البحث، ولكن ليدحض النتائج التى وصل إليها فلاسفة اليونان ومن تابعهم؛ فمقولات الغزالى كانت فى الواقع مباحث فلسفية.

مسألة ثبوت المعجزة للنبى

ويجدر بنا أن نذكر أولا وجهة نظر الغزالى فى أنك إذا اكتفيت بالنظر فى مسألة ثبوت المعجزة للنبى، حتى إذا تأكدت لك وقوعها وقام عندك الدليل على أنه نبى ينقل فعلا عن الله، فقبلت كل ما جاءك منه دون حاجة لإقامة دليل خاص على كل جزئية- فإنك فى الحقيقة إنما تسلك سبيلا عقليا صحيحا لا غضاضة عليك فيه، وأنك إذا أعرضت عن المناقشات العقلية والفلسفية واكتفيت بفهم القرآن، فستجد فيه ما يقنع عقلك ويشبع وجدانك ويرضى ذوقك الأدبى. أما كتابه «القسطاس» فقد ألفه لبيان الأدلة العقلية فى القرآن.

العقول المنكوسة والآراء المعكوسة

ويشرح الغزالى فى كتابه «تهافت الفلاسفة» السبب الذى دعاه إلى الخوض فى المسائل الفلسفية.. وهو ما رآه من «انصراف طائفة من النُظّار [أى أصحاب النظر العقلى] عن وظائف الإسلام [تكاليفه وفرائضه]، وإعراضهم عن الدين جملة، مقلدين فى ذلك شرذمة يسيرة من ذوى العقول المنكوسة والآراء المعكوسة، ممن هالهم سماع أسماء ضخمة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطو، فتصنّعوا الكفر كى يتميزوا عن سواء الناس الغالب، ظنا منهم أن الكفر من أمارات الفطنة والعلم» (هل لاحظ القارئ أنه لا جديد تحت الشمس؟!).

التفنيد بالمنطق
وقد فند الغزالى آراء الفلاسفة التى وجد أنها تخالف ما جاء به الوحى فى مواضيع عديدة، مثل قولهم بعدم علم الله بالجزئيات، وبأن النفوس يستحيل عليها العدم بعد وجودها، وأن الملائكة المقربين هى العقول المجردة التى هى جواهر قائمة بذاتها، وإنكارهم بعث الأجساد ورد الأرواح إليها يوم القيامة... إلخ. وقد استخدم فى كل ذلك حججا عقلية صرفة، ولم يحتج عليهم قط بالنص الإلهى؛ ففى رده مثلا على فكرة أن الله لم يصدر عنه إلا العقل الأول فقط لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد، يقول: «يلزم من قولكم ألا يكون هناك شىء واحد مركب من أفراد، بل تكون الموجودات كلها آحادا؛ فكيف إذن وجدت هذه المركبات التى نراها فى العالم؟ أمن علة واحدة؟ فيبطل قولكم: لا يصدر عن الواحد إلا واحد.. أو من علة مركبة؟ فيتوجه السؤال نفسه عن تركيب هذه العلة [أى من أين جاءت العلة المركبة؟!.. لابد أن نصل إذا رجعنا فى سلسلة الأسباب إلى شىء مركب صدر عن واحد– ع]»،

العقل الأول

ويقول فى قولهم إن المبدأ الأول (الله) لم يفض عنه إلا العقل الأول، وبتعقل العقل الأول لعلته صدر عنه عقل ثان وثالث وأفلاك ونفوس... إلخ، يقول: «ما ذكرتموه تحكمات، لو حكاه إنسان عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه، وعلى رأيكم يكون المعلول أشرف من العلة، من حيث إن العلة ما فاض عنها إلا واحد وقد فاض عن هذا ثلاث: عقل ونفس وفلك، ومن حيث إن الأول ما عقل إلا نفسه، والثانى عقل نفسه ونفس المبدأ ونفس المعلولات.. ومن قنع أن يكون قوله فى الله تعالى راجعا إلى هذه الرتبة، فقد جعله أحقر من موجود يعقل نفسه ويعقل غيره»، وهى كما ترى مناقشات عقلية لا أثر فيها للاحتجاج بالنصوص، (لعل القارئ لا يزال يذكر إصرار الدكتور فؤاد زكريا على أن العلماء [رجال الدين كما يسميهم] لا يستطيعون السير فى البراهين العقلية حتى النهاية، وأنهم دائما ما يصلون إلى نقطة يضطرون فيها إلى اللجوء إلى سلطة النص، وإصرارنا فى المقابل على أن هذه الفكرة لا يمكن أن يكون قد وصل إليها من دراسة فكر المسلمين).

العالم ليس أزليا
ونحن نعطى أهمية خاصة لكلام الغزالى فى دحض مقولتهم بأن الله لم يخلق العالم من العدم، وأنه قديم وأزلى ليس له بداية كالله تماما. وسيوافقنا القارئ على هذه الأهمية إذا كان يعلم أن العلم الحديث لم يعد يقبل فكرة أزلية العالم. وسنرى كم كانت مفاهيم الغزالى عن الوجود والحركة والزمان والمكان ثاقبة وعميقة، حتى إنها لا تزال ملائمة لأحدث مفاهيمنا العلمية. وهاك ملخص ما قاله الغزالى:
إن رأى جماهير الفلاسفة، متقدمهم ومتأخرهم، هو القول بقدم العالم، وأنه لم يزل موجودا مع الله تعالى.. وغير متأخر بالزمان، مساوقا له مساوقة النور للشمس، وأن تقدُّم البارى هو كتقدُّم العلة على المعلول، وهو تقدم بالذات والرتبة لا بالزمان، ولم يشذ عنهم إلا جالينوس الذى توقف فى المسألة- يستدلون على ذلك بأدلة ثلاثة:
الأول- أنه يستحيل صدور حادث عن قديم [القديم هو الذى لا بداية له]؛ إذ إن حدوث العالم بعد أن لم يكن يستلزم وجود مرجح طرأ على القديم (الله) استدعى منه الإحداث، ولكن إذا لم يستجد هذا المرجح فسيبقى العالم فى نطاق الممكن، ولكنه لن يحدث فعلا. أما إذا استجد المرجح فمن الذى أحدث هذا المرجح ولم يكن هناك شىء مع القديم؟ ولم حدث المرجح فى هذا التوقيت ولم يحدث من قبل؟

حدوث العالم عن القديم

الثانى- أن حدوث العالم عن القديم يبرز مشكلة مدة الترك [وهى المدة التى انتظرها الخالق قبل أن يبدأ عملية الخلق]؛ فالزمان قبل الحدوث إذا كان متناهيا له مدة محددة، يكون للقديم بداية قبل الحدوث تسبقه بهذه المدة، ولا يكون بذلك قديما لا بداية له. أما إذا كان الزمن قبل الحدوث لا متناه فمعنى ذلك أن الحدوث لا يكون قد حدث حتى الآن. لأن اللا متناهى –حسب تعريفنا للا متناهى- لا ينتهى أبدا. إذن وجب ألا تكون هناك مدة ترك، ويكون الموجد متقدما بالرتبة لا بالزمان.
الثالث- أن وجود العالم قبل حدوثه ممكن دائما، فلا توجد حالة من الأحوال يمكن أن يوصف فيها العالم بأنه كان مستحيل الوجود ثم أصبح بعدها ممكنا؛ فإذا كان ممكنا وجوده منذ الأزل، وهو موجود الآن، فهو موجود منذ الأزل.

انكار وجود العالم

يقول الغزالى: «بم تنكرون على من يقول إن العالم حدث بإرادة أزلية قديمة لكنها اقتضت وجوده فى الوقت الذى وجد فيه، وإنها اقتضت أن يستمر العدم إلى الغاية التى استمر فيها، وأن يبدأ الوجود حيث ابتدأ، وإن الوجود قبله لم يكن مرادا فلم يحدث؟.. إن قلتم إن العقل يحكم بالضرورة باستحالة إرادة قديمة يحدث بها شىء متأخر عنها بدون مرجح، فإن ادعيتم معرفة هذا بضرورة العقل، فكيف لم يشارككم مخالفوكم فى هذه الضرورة العقلية؟ [أى إن مقولة الفلاسفة التى اعتبروها مقدمة تحتاج هى نفسها لإثبات، فهى ليست من البديهيات التى تقبلها العقول بغير برهان؛ فلو كانت بديهية لسلّم بها المخالفون كما يسلّم كل الناس بالبديهيات التى هى من ضرورات العقل، مثل أن الكل أكبر من الجزء، وأن النقيضان لا يجتمعان... إلخ. لكن هذه المقدمة ليست بديهية وتحتاج إلى برهان لم يقدموه- ع]، والفرقة المعتقدة بحدوث العالم بإرادة قديمة سابقة على حدوثه لا يحصرها بلد ولا يحصيها عدد -ولا شك- إنهم لا يكابرون العقول عنادا مع المعرفة.. لا بد من إقامة البرهان على استحالة ذلك؛ إذ ليس فى جميع ما ذكرتموه إلا مجرد الاستبعاد، والتمثيل بعزمنا نحن البشر وإرادتنا [ذلك أن الإنسان إذا أراد شيئا فإنه لا يتراخى عن تنفيذه إلا بسبب العجز أو وجود ما يمنعه. ولما كان الله لا يعجز عن شىء ولا يمنعه مانع، فلا بد -عند الفلاسفة- ألا يكون الخالق قد تراخى فى الخلق-ع]، وهو تمثيل فاسد، فلا يصح أن تضاهى الإرادة القديمة بإرادة المخلوقات الحادثة. والاستبعاد المجرد لا يكفى من غير برهان».

بداية الزمان
ولا يكتفى الغزالى بإثبات الفساد المنطقى لمقولتهم وافتقارها للدليل العقلى، بل يأتى بفكرته العبقرية عن الزمان، التى سبقت عصرها بألف سنة، فيقول: «إن جرم العالم متناه فى أقطاره، وتصور امتداد العالم إلى ما لا نهاية هو من أخاديع الوهم، وهذا يعنى أن المكان -وهو تابع لامتداد العالم- متناه أيضا، ولا يمكن تصور مكان خارج حدود العالم [وهذا هو تصور العلم الحديث عن الكون وبحذافيره -ع].. والزمان هو قدر الحركة، بل هو الحركة التى يستغرقها المتحرك فى اجتياز مكان معين. وإذا كان المكان متناهيا وجب أن يكون الزمان متناهيا أيضا. أضف إلى ذلك أن الزمان بدأ ببدء العالم، وحدث بحدوثه، بل أن الله خلقه بمجرد خلق العالم [يقول العلم الحديث إن الزمن قد بدأ فعلا فى لحظة معينة لم يكن قبلها زمان ولا مكان، وهذه اللحظة كانت من نحو 15 مليار سنة-ع]. وتصور زمان قبل زمان العالم خدعة من أخاديع الوهم».
هل فى هذا الكلام رفض للفلسفة منهجا فى التفكير؟ أم أنه رفض للفلسفة باعتبارها مجموعة مقولات معينة لا تتفق مع التفكير المنطقى؟ وسواء اقتنعت بكلام الغزالى أم كان فى نظرك أضعف من أن يهدم مقولات الفلاسفة الإغريق -مع أن العلم الحديث قد هدم أغلبها وانتهى الأمر- فلن يسعك إلا أن تعترف بأنه كلام عقلانى منظم لا يحتمى بسلطة النص المقدس فى أى نقطة من نقاطه، وهو بالإضافة إلى ذلك يسير على قواعد منطق أرسطو ولا يحيد عنها قيد أنملة.
***
فى الحلقة الأخيرة، سنعرض بإذن الله نقض ابن تيمية لمنطق أرسطو نفسه، وموقف ابن تيمية هذا هو الموقف الذى تبناه رواد منهج البحث العلمى التجريبى الحديث.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.