كما كشف في الجول.. سيراميكا كليوباترا يتعاقد مع الزامبي ديفيد سيموكوندا    نابولي يعود لتحقيق الانتصارات على حساب فيورنتينا    توروب: أعلم مدى وحجم شعبية الأهلي في كل مكان.. وكل المباريات مهمة    رئيس خارجية الشيوخ: الغموض يسيطر على نوايا واشنطن العسكرية تجاه إيران والضربة قد تتجاوز النووي    خطوة مصرية فى قلب أوروبا |جامعة «نيو إيجيبت»    ننشر صورة ضحية انهيار منزل بدشنا في قنا    هدى الإتربي: سعيدة بوجودي بمسلسلين في دراما رمضان 2026 | صور    مسؤول أمريكي: الحل الدبلوماسي مع إيران لا يزال بعيدا    محافظ الإسماعيلية يتفقد شوارع منطقة المحطة الجديدة (فيديو وصور)    الأمن يسقط أكبر شبكة دولية لتجارة وترويج مخدر"الكابتجون" بالدقهلية    قيادي في فتح عن خروقات إسرائيل: تأكيد على رفض الاحتلال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة    نتائج حاسمة في «دولة التلاوة»، تعادل في القمة وخروج محمود السيد    أعمال تُقرأ وتُعاش |سفير كندا: «محفوظ» عرفنى بالأدب العربى    بزشكيان: الحرب ليست فى صالح إيران أو أمريكا ولم نسع إليها قط    استجابة للمواطنين| محافظ قنا يوجه بصيانة إنارة بطريق في نجع حمادي    انتهاء المرحلة الثانية من المشروع القومي لتطوير صناعة الغزل والنسيج    فتح باب التقدم للدورة العاشرة لجوائز مؤسسة هيكل للصحافة العربية عن عام 2025    خبير استراتيجي: توقعات بضربات تستهدف مؤسسات سيادية داخل إيران واغتيالات    محافظ القاهرة: تحويل منطقة السيدة عائشة إلى منطقة سياحية بعد إزالة الكوبرى    الأمن السوري يعتقل أبناء شقيق رستم الغزالي ضمن عملية أمنية واسعة    نجوم منتخب مصر يزينون التشكيل المثالي لبطولة أفريقيا لليد    رئيس وزراء سلوفاكيا يقبل استقالة مسؤول مذكور في ملف إيبستين    جامعة أسيوط تبحث شراكة استراتيجية مع شركة القناة للسكر    من «حلايب وشلاتين» إلى «التفوق».. محطات في مسيرة مسعود شومان    هل يتغير نصاب زكاة الذهب بعد ارتفاع أسعاره؟.. أمين الفتوى يوضح    طبيب تغذية يُحذر من الإفراط في تناول مكملات الحديد: يؤدي إلى جلطات    "الجبهة الوطنية" يهنئ السيد البدوي بفوزه برئاسة حزب الوفد    موعد منتصف شعبان وفضله.. وأفضل الأعمال    عاجل- مدبولي يفتتح أول فندق بجامعة المنيا لدعم السياحة وزيادة الطاقة الفندقية بالمحافظة    الإسكندرية تجهز وسائل النقل البديلة استعدادًا لتطوير ترام الرمل    جامعة المنيا تنشئ 3 فنادق بطاقة 900 سريرًا    النواب يعود للانعقاد الثلاثاء والأربعاء، وتعديل قانون نقابة المهن الرياضية بجدول الأعمال    خبراء يناقشون دور الشمول المالي في تحقيق العدالة والمساواة بمعرض القاهرة للكتاب    نتيجة الشهادة الإعدادية فى مطروح برقم الجلوس.. استعلم عنها الآن    رئيس الوزراء يتفقد المستشفى الثلاثي الجامعي بالمنيا بعد بدء تشغيله تجريبيًا    قوات الاحتلال تغلق منطقة باب الزاوية بالخليل لتأمين اقتحام المستوطنين.. تفاصيل    بمناسبة شهر رمضان.. شيخ الأزهر يوجه بصرف 500 جنيه من بيت الزكاة لمستحقي الإعانة    "سيرة النور والصمت".. صرخة حضارية في معرض الكتاب لترميم "الذاكرة المصرية"    برلمانيون: خطاب الرئيس كشف عن معركة صمود للدولة أمام العواصف الاقتصادية العالمية    الصحة: إنهاء قوائم الانتظار بإجراء 3.77 مليون عملية جراحية ضمن المبادرة الرئاسية    مشاهدة مباراة الأهلي ويانج أفريكانز بث مباشر اليوم في دوري أبطال إفريقيا    ندوة في معرض الكتاب تبرز جهود مبادرة «طريق مضيء لطفلي» لرعاية المكفوفين    قائد الجيش الإيراني يحذر الولايات المتحدة وإسرائيل من شن هجوم ويؤكد جاهزية قواته    الكاثوليكية تشارك في يوم الشباب ضمن أسبوع الصلاة من أجل وحدة الكنائس    طريقة عمل شوربة البطاطا الحلوة بالزنجبيل، وصفة دافئة وصحية    وزير «الخارجية» يبحث مع نظيره الأنجولي سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين    مدرب ليفربول: نعرف ما ينتظرنا أمام نيوكاسل يونايتد    السياحة والآثار ووزارة الحج والعمرة السعودية تطلقان حملة توعوية مشتركة للمعتمرين المصريين    محافظ قنا يوجه بسرعة إصلاح كسر ماسورة مياه فى المنشية البحرية    افتتاح النسخة التاسعة من مسابقة بورسعيد الدولية للقرآن الكريم    أنفيلد يشتعل.. بث مباشر مباراة ليفربول ضد نيوكاسل يونايتد بالدوري الإنجليزي الممتاز    ضبط مصنع عصائر غير مرخص بمنفلوط فى أسيوط    صافرة البداية تقترب.. بث مباشر مباراة تشيلسي ووست هام في الدوري الإنجليزي    أستاذ علم نفس تربوي: تقمّص الطفل للسلوكيات مؤشر صحي لدعم نموه النفسي والمعرفي    طب قصر العيني تواصل حضورها العلمي الدولي عبر إصدار مرجعي عالمي.. تفاصيل    حكم حضور «الحائض» عقد قران في المسجد    مصرع طفل سقطت عليه عارضة مرمى داخل نادى في طنطا    مصرع شاب وإصابة 3 آخرين في تصادم دراجتين ناريتين أثناء سباق بالقليوبية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



على حافة الهاوية ... مصر بين العلمانيين والمتدينين
نشر في الشعب يوم 25 - 09 - 2013

تناولت في مقالي المنشور في هذه الجريدة الغراء بتاريخ 10-6-2013 - تحت عنوان "مهلا أيها السادة ... الوطن يتمزق" - الأزمة الطاحنة الحالية التي يعيشها وطننا بالتشخيص والتحليل، وخلصت حينها إلى أن أزمتنا تتمثل بشكل أساس في الانقسام المجتمعي الحاد بين أبناء وطننا حيث يتنازعه اتجاهان رئيسان هما ما يعرف بالاتجاه العلماني؛ وما يطلق عليه التيار الديني، وأشرت إلى الصراع الدائر بينهما حول هوية المجتمع ولونه، وتوجه الدولة بوجه عام؛ وأن ما شهدته، ولا زالت تشهده، الساحة المصرية من صراعات سياسية أو دستورية وغيرها ليست في واقع الأمر إلا أعراضا لهذا الانقسام المجتمعي الصارخ. كما أشرت إلى وجود نسخة كربونية من هذا الصراع في سائر المجتمعات الإسلامية المعاصرة. فكيف نشأت العلمانية؟ وكيف دخلت إلى بلانا؟ ولماذا لا ينقطع اصطدامها بالتيار الديني؟ ثم، وهذا هو الأهم، ما هو السبيل للقضاء على هذا التناحر الدائر بين كلا التيارين؟ فيما يلي محاولة للإجابة على هذه التساؤلات علّنا ننجوا بأمتنا من هذا الكابوس المرعب.
في تصوري أن أي مجتمع يحوي دينا حقيقيا، أكرر دينا حقيقيا، وتدينا حقيقيا؛ إسلاميا كان أو غيره، لابد له من أن يشهد مثل هذا الصراع أو التجاذب - إذا أردنا تهوين الأمر - مع تباعد المسافة الزمنية بين الأمة ومصدر ضوئها متلقي وحيها؛ وذلك لأن الأديان لها تعاليم وتكاليف وتفرض سلوكيات، بل نمط حياة بأكمله على أتباعها. بينما على الطرف الآخر ثمة أناس لا يتمالكون أنفسهم أمام زخرف الحياة ومباهجها؛ فنراهم يندفعون بكل قوة للانغماس في هذا البحر اللجيّ بما يتعدى حدود الدين ونواهيه.
ثم إن هؤلاء "المنغمسون" لابد لهم من انسجام ما مع ذواتهم ومجتمعاتهم كونهم ينتمون إلى دين له تكاليف وأوامر ونواه فيركنون غالبا إلى تفسير ذاتي للدين يتسم بالرخاوة والمطاطية وفضفاضي إلى أقصى حد؛ بحيث يصنعون لأنفسهم انسجاما زائفا مع ثوابت دينهم ومجتمعهم؛ وبعد أن يتأصل هذا المعنى ويتجذر في نفوسهم مع مرور الزمن وتراكم الحالات المتشابهة ينظرون إلى كل من يدعو إلى مجرد التمسك بصحيح دينه وثوابته على أنه "متشدد، متطرف"؛ رغم أن هؤلاء "المنغمسين" لايعادون الدين في معظمهم.
هذه واحدة، أما الثانية فتتمحور حول ما يمكن أن نطلق عليه الجدلية العلمية حول طبيعة الدين ودوره في المجتمع والدولة؛ وقد ظهرت هذه الجدلية في العصر الحديث فهناك - مثلما ذكرت في مقالي السابق المُشار إليه آنفا - من ينظر إلى الدين على أنه مجموعة من الطقوس والقيم الإنسانية والروحانية السامية لا أكثر؛ وأن الله جل في علاه لم يُنزل الدين لكي يقود المجتمع الإنساني في شتى مجالاته من سياسة واقتصاد وقانون ... الخ، وقد اصطُلح على تسمية هذا الفريق بالعلمانيين. وأؤكد هنا على أنني أصف الواقع على علاته فقط دونما معاضدة أو معارضة.
وعلى النقيض من هذا هناك من يرى وجوب حاكمية الدين في كل كبيرة وصغيرة؛ وأن الدين لم يأت فقط من أجل الصلاة والصيام، والحث على الصدق والأمانة ... الخ؛ وإنما يحوي في طياته نظرية أو صيغة بإمكانها أن تقود المجتمع والدولة وتنظم، بل تحكم الحياة بكل تفاصيلها.
ثم ... ثم مع تشدد بعضا من أبناء ورموز كلا الاتجاهين وتطرفهم في منحاهم وفيما يذهبون إليه اتسع الفتق وزادت الهوة بينهما وتحول الأمر إلى صراع رهيب موضوعه المجتمع بكل أركانه، ومحوره الدولة وسلطة الحكم مدفوعا بخوف كل طرف من الآخر.
حدث هذا في أوربا في عصورها المظلمة؛ وإن اتخذ شكلا مختلفا أكثر دراماتيكية حيث كانت الكنيسة متسلطة مستبدة تتحكم في كل شيء؛ إلى حد أنها كانت تُصْدر النظريات إصدارا في مجالات علمية بحتة بأمر القساوسة؛ بل ويُتهم كل من يخالف تلك النظريات بالهرطقة والكفر. وحينما أعلن العالم الإيطالي "جاليليو" عن نظريته حول كروية الأرض ودورانها أعدمته السلطة الدينية لأن نظريته تلك تخالف ما كانوا يدّعون بوجوده لديهم في الإنجيل. وبطبيعة الحال فقد أفرز ت هذه البيئة نظما سياسية تتشح برداء الدين فالحاكم هو ظل الله في الأرض، وهو يسوس الرعية والبلاد بموجب تفويض إلهي؛ وبذلك فلا راد لحكمه لأنه ليس سوى صدى لإرادة الرب.
وقد أنهت أوربا هذه المرحلة الصعبة من تاريخها بأن همّشت الدين تماما، وأبعدته عن مكامن التأثير في مجتمعاتها ودولها؛ وبذلك تم تنميط المجتمع واصطباغه تلقائيا بصبغة دنيوية بحتة ولكنها موحدة، ويكمن السر في هذه الكلمة الأخيرة "موحدة" إذ لم تشهد أوربا من وقتها أية صورة من صور الانقسام المجتمعي بين ما هو ديني وما هو علماني، بغض النظر عن اتفاقنا مع هذا الذي فعلته المجتمعات الأوربية أو اختلافنا معه، وأُذكّر مرة أخرى أنني فقط أفسر، لا أبرر.
هذا الصراع بين العلمانية والتدين حدث في اليهودية أكثر من مرة على مدار تاريخها - دعك من صورته حاليا فهو يتخذ شكلا كوميديا، وهو حادث الآن بين مسيحي مصر وإن كان صوته خافتا بعض الشيء لملابسات ليس هذا مجال الحديث عنها. إنه صراع شبه حتمي داخل كل مجتمع به دين حقيقي؛ أما المجتمعات التي تنتشر فيها الديانات التاريخية فلم تعاني قط من هذه الإشكالية المعقدة؛ أمامك المجتمعات التي يدين غالبية أهلها بالبوذية، على سبيل المثال، كالصين وما حولها من دول ومجتمعات، وكذلك الهندوسية في الهند ... الخ لم نسمع يوما عن مثل هذه الجدلية في هاتيك المجتمعات. ومردّ ذلك في نظري إلى أن هذه الديانات ليست لها القداسة الكاملة والاعتقاد الراسخ في نفوس معتنقيها ومن ثم ليس هناك التزام شديد بتعاليمها؛ هذا فضلا عن عدم شموليتها وإحاطتها بمختلف جوانب الحياة البشرية، مع احترامنا الكامل لاختيارات هذه الشعوب ولدياناتها بالطبع، إلا أننا نقرر واقعا حيا وملموسا.
أما في مجتمعاتنا الإسلامية فعلى الرغم من أنها لم تشهد ما شهدته أوربا من تغول القائمين على أمر الدين، إذ لم تكن ثمة سلطة دينية أصلا؛ إلا أنه يبدو أن بعض المفكرين والمثقفين المسلمين قد تأثروا، أو ربما أعجبوا بهذا الوضع الذي آلت إليه أوربا في علاقتها بالدين؛ هؤلاء هم من يُطلق عليم الآن مصطلح "العلمانيون". وفي اعتقادي أن ما ساعد أو شجع هؤلاء المثقفين على تبني النظرة العلمانية هو ربطهم بين التقدم المادي العلمي الذي تعيشه أوربا وبين علمانية مجتمعاتها من ناحية ، وبين أوضاع المسلمين وتدينهم من ناحية أخرى وهو قياس خاطئ في نظري.
والحاصل أن الصراع بين "المنغمسين" و "العلمانيين" من ناحية، و "المتدينين" من ناحية أخرى قائم اليوم على أشده في ربوع المجتمعات الإسلامية كافة؛ فلو اتجهت صوب المشرق فهناك بنجلاديش والباكستان وإندونيسيا وحتى أفغانستان؛ أما إذا يمّمنا وجوهنا غربا ف "المعركة" حامية الوطيس في تونس والجزائر والمغرب وإرهاصاتها في ليبيا واضحة جلية؛ ثم أمامك السودان جنوبا وتركيا شمالا. حتى أن هذا الصراع يتخذ شكل العنف المسلح في أحيان كثيرة والخوف الآن أن يتحول إلى حروب أهلية طاحنة تورد هذه المجتمعات موارد الهلاك وهو ما نستعيذ بالله منه ونرجو أن تُكتب له نهاية مختلفة.
وربما يرى البعض في شيء مما عرضته آنفا تكرارا لحقائق تاريخية معروفة، وهذا صحيح، إلا أنني أردت أن أعود بهذا الصراع إلى جذوره الأولى، بالإضافة إلى وضعه في سياقه الإنساني بوجه عام. أما عن السبيل للخروج بمجتمعاتنا الإسلامية وعلى رأسها وطننا الحبيب مصر من هذا النفق المظلم فإنني أطرح التصور التالي مجملا إياه في محورين رئيسين.
1- وجوب بناء الثقة وتغيير النظرة المتبادلة بين أصحاب الاتجاهين؛ فلا بد أن ينظر كل منهما للآخر على أنه صاحب رأي أوصله إليه اجتهاده؛ وأنه إن كان يراه على خطأ فيما ذهب إليه فهو خطأ في التقدير والاجتهاد وليس عن سوء قصد. فليكفّ بعض المتدينين إذا عن أن يرموا العلمانيين ومن حذا حذوهم بالزيغ والضلال ومعاداة دين الله في الأرض؛ وأشهد بأنني أعرف أناسا علمانيين لا يكرهون دين الله، إلا أنهم يرون ضرورة عدم خلط الدين بمجالات الحياة الأخرى لا لشيء إلا أنهم ينزهون الدين عن الدخول فيما يرون أنها ساحات تشهد كثيرا من صراعات بعض البشر ودناءاتهم، فضلا أن الدين، في رأيهم، لم يُنزّل لشيء من هذا. كما يجب على بعض العلمانيين الكف عن اتهام أبناء التيارات الدينية بالجمود والتخلف وعدم القدرة على مجاراة الواقع والتكيف مع متغيرات الحياة الدائمة؛ ولست في حاجة إلى أدنى جهد لإثبات أن هناك من المتدينين، بل هذا هو حال معظمهم، من يمتلك المرونة والفطنة والقدرة على استيعاب ضرورات الصيرورة وآثارها، وأنه يختلف مع العلمانية إلا أنه يعذر أصحابها أو المنادين بها في رأيهم ويرى أنه خطأ في الاجتهاد ليس إلا.
2- إنني، ومن منطلق اعتزازي بالأزهر الشريف ودوره أحمله القدر الأكبر من مسئولية ما آلت إليه الأوضاع في بلادنا الإسلامية جراء هذا الصراع الشرس؛ وبالتالي فالآمال معلقة عليه أيضا في سرعة تدارك الوضع قبل الانفجار المرتقب الذي من شأنه أن يقوض أركان المجتمعات الإسلامية كافة. وما نطلبه من الأزهر هنا هو الاضطلاع بدوره والتدخل لفض هذا "الاشتباك" الديني وإنهاء حالة الجدل اللامحمود والتنازع الذي يُفضي شيئا فشيئا إلى الاقتتال والتناحر بين أبناء الوطن الواحد، بل والملة الواحدة. وفي هذا المقام ثمة مسائل جوهرية عديدة تنتظر دور الأزهر، ممثلا بشكل أساس في هيئة كبار علمائه، لحسمها وإنهاء الجدل والاقتتال بسببها منها على سبيل المثال ما يلي:
أ‌- هل هناك ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي حقا؟ وهل يتضمن الإسلام أحكاما ومبادئا ترقى فعلا إلى تكوين بناء أو نظام اقتصادي متكامل؟ ثم هل توجد في الإسلام نظرية أو صيغة سياسية لقيادة الدول والشعوب وإدارة شؤونها الداخلية والخارجية حربا وسلما؟ إنني لا أريد التطرق إلى مصطلحات من قبيل الدولة الدينية أو المدنية إلى آخره؛ فلست أرى شيئا يعقد الأمور في مجتمعنا أكثر من المصطلحات، إنني أوجه أسئلة ذات مضمون واضح ومباشر. أليس من العجيب أن تثار مثل هذه الجدليات منذ عقود طويلة، ليس أولها ما جرى مع "الشيخ علي عبد الرازق" جراء الأفكار التي ضمّنها كتابه "الإسلام وأصول الحكم" قبل أكثر من سبعين عاما، ثم ينقسم الوطن، لا بل الأوطان الإسلامية كافة، حولها إلى فريقين يأكل بعضهما بعضا دون أن يضطلع الأزهر بدوره فيخرج على الأمة الإسلامية بمجموعة من الفتاوى الواضحة القاطعة في دلالاتها للإجابة على مثل هذه المسائل المصيرية؟ ثم أنه إذا كانت الإجابة على هذه التساؤلات بالإيجاب فلماذا لم يشرع الأزهر حتى يومنا هذا في وضع تصور شامل أو مشروع اقتصادي وسياسي إسلامي شامل بشروح مستفيضة وأمثلة واضحة مستقاة من وعاء عصرنا ومُسقَطَة أيضا على مفردات هذا العصر بشكل واضح لا لبس فيه ؟!!! وعلى من يُعوّل المسلمون في أصقاع الأرض إذا لم يعولوا على الأزهر في مثل هذه الأمور الخطيرة بوصفه أعلى مرجعية دينية لأهل السنة في العالم قاطبة ؟!!! وفي أي شيء يُعوَّل على الأزهر إذا لم يعول عليه هنا؟ إنني واحد من أبناء هذا الصرح العظيم أفتخر وأعتز بانتمائي له وغيرتي على أزهرنا وعلى أمتنا الإسلامية من قبله هي ما تدعوني إلى هذا الكلام فهو عتاب وصرخة استغاثة، ليس إلا.
ب‌- هل تطبيق الشريعة الإسلامية فريضة أم لا؟ وإذا كانت الأولى فهل هي مطبقة في مصر أم غير مطبقة أم مطبقة بشكل جزئي؟ إن هناك لغط شديد حول هذه المسألة فهناك من يقول بأن الشريعة الإسلامية مطبقة بنسبة 90% في مصر فهل هذا صحيح؟ وإذا كان صحيحا فما هي المجالات أو الجزئيات التي لم يُبسط عليها سلطان شرع الله حتى اليوم بعينها وليست النسب المئوية ما أعني. وأخص في هذا الإطار قضية الحدود فهناك من يرى أن هذه الحدود لا تناسب إنسان اليوم وأنه يجب استبدالها بعقوبات وضعية أخرى أكثر اتساقا مع طبيعة العصر فما هو الرأي في هذا القول؟ هل هذه من الأمور الفرعية التي يجوز تركها دون رابط من أهل العلم يحفظ لها حدودها ويحفظ للمجتمع وحدته ولُحمته وأمنه الداخلي ؟!!!
ت‌- هل حجاب المرأة - عن الحجاب أتحدث وليس النقاب - فرض أم واجب أم عادة عربية قديمة؟ فحينما نسمع أناسا لهم تواجدهم وتأثيرهم الإعلامي يقررون أن القرآن الكريم لا يتضمن حكما بوجوب الحجاب؛ وحينما نقرأ لكاتبة صحفية معروفة تقول بأن الحجاب ليس من الدين في شيء، وأن نساء العرب كن يستعملنه قديما فقط للوقاية من لهيب الصحراء في جزيرة العرب حينما كن يذهبن لقضاء الحاجة في الخلاء، أقول حينما نقرأ هذا ونسمع ذاك فالأمر جد لا هزل. بل إنني قد سمعت بنفسي من أحد الأساتذة في جامعة الأزهر أنه يرفض الحجاب رفضا باتا، وهو الآن ضمن الهيئة الاستشارية لشيخ الأزهر. أنا لا أتهم هؤلاء أو غيرهم بشيء، حاشاهم وحاشاني، فهم أصحاب رأي واجتهاد إلا أنني كنت أنتظر من هيئة كبار العلماء أن تسارع بالإفتاء، أو بتجديد الفتوى الشرعية في هذا الخصوص وإعلان أمر الله فيه أيا كان مضمونه.
ث‌- هل يتفق مظهر الممثلات والمطربات في معظمهن مع ما تقره الشريعة الإسلامية في هذا الصدد؟ وهل تتفق طبيعة الأداء التمثيلي، في معظمه أيضا، مع شريعتنا الغراء؟ أساتذتي الأجلاء في هيئة كبار العلماء إن معظم الممثلين والمخرجين وغيرهم في هذا المجال لايرون بأسا في أن يحتضن الممثل زميلته التي هي امرأة أجنبية عنه بملابس شبه عارية لكليهما ويقبلها ملتصقا بها على الفراش في مشهد تمثيلي - وألتمس المعذرة من القراء الأعزاء عن هذا الوصف إلا أن الأمر لم يعد يحتمل المواربة - باعتبار أن من فعلا هذا هما شخصيات العمل الفني وأن هذا الفعل لم يصدر من الممثلين أنفسهم؛ أو باعتبار ذلك ضرورة فنية فهل هذا مما يوافق الشرع؟ ولو كان الأمر فرديا أو نادر الحدوث لربما سكتنا عنه، ولكن هذا اللون هو الغالب اليوم في مجال التمثيل، ثم هل يقر الإسلام ما يُعرف في مجتمعنا بالرقص الشرقي، بما هو معروف عنه من طبيعة أدائه وأزياء الراقصات، باعتباره أحد الفنون التي من شأنها أن ترتقى بالمجتمع؟ ألا يسمع ويرى ويعرف علماؤنا ما يدور في مجتمعهم؟ وإذا كانوا يسمعون ويعرفون فلماذا الصمت إذا؟ إنني لا أطلب من علمائنا أن يفتوا في اتجاه بعينه، بل أطالبهم أن يعلنوا رأي الدين أيا كان ومع من كان.
وقد يقول قائل بأنني أسأل في بعض ما سبق عن بديهيات؛ لا ورب الكعبة فثمة بديهيات كثيرة لم تعد محل إجماع بين مسلمي عصرنا، ثم إنني لا أريد للأزهر الشريف أن ينتقد أحدا أو يدخل في خصومة مع أحد؛ فقط أدعوه أن يراقب "الحالة" الدينية في العالم الإسلامي وأن يسارع بالتدخل عند الضرورة للفصل بين المتجادلين المختلفين حول المسائل الرئيسة على الأقل وذلك بأن يصدع بأمر الله في كل أمر من هذه الأموربصوت عال مسموع وبنبرة حاسمة، حتى وإن كان هذا الأمر محل إجماع من الأمة في وقت سابق فلا ضير من تجديد الفتوى بل والإلحاح عليها درءا للمفاسد. أطالب الأزهر الشريف أن يفعل هذا دون تقريع لهذا الطرف أو توبيخ لذاك، فقط أريد منه أن يبين حكم الله في هذه المسائل وغيرها؛ حتى لا نترك أصحاب الرأي الخطأ - أيا كان هذا الرأي وأيا من كان صاحبه - على خطإهم كما أننا بهذا نعصم غيرهم من الاقتداء بهم، وبعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
أيها السادة العلماء إن مجتمعاتنا الإسلامية مهددة بالفناء، كمجتمعات؛ انظروا إلى الحرب الشعواء بين العلمانيين والمتدينين اليوم في مصر وتركيا وبنجلاديش وتونس والجزائر والمغرب ... الخ؛ وإن جزءا كبيرا من مسؤولية تدارك الخطر يقع على عاتقكم فلتضطلعوا بمسؤولياتكم دونما إبطاء يرحمنا ويرحمكم الله، ونسأل الله السلامة.
*كلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.