"الحج عرفة" هكذا بين الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم فضل هذا اليوم العظيم فقد ربطه بصحة أداء الركن الخامس من أركان الإسلام.. وكما أن لهذا اليوم أهمية كبري في أداء المناسك لحجاج بيت الله الحرام فإن أهميته بالنسبة للمسلمين في سائر بقاع الأرض لا تقل عن ضيوف الرحمن ويكفي أن صيامه يمحو سيئات وذنوب سنتين ليهب الله بذلك الجزاء والثواب في هذا اليوم ليس للحجاج فحسب وإنما للمسلمين كافة. ناقشنا العلماء فيما يجب فعله في هذا اليوم حتي يستفيد منه المسلمون جميعاً. يقول د.عبدالحكم الصعيدي الاستاذ بجامعة الأزهر: لعلنا بهذه المناسبة نرجع بالذاكرة إلي ما أرشدنا إليه النبي صلي الله عليه وسلم حيث قال في حديثه الشريف "الحج عرفة".. هذا الحديث علي وجازته يدلنا علي أن فريضة حج بيت الله الحرام تهدف إلي التعارف الإنساني والتآلف البشري فقد بين الرسول صلي الله عليه وسلم أن الوقوف بعرفة هو الركن الأساسي في أداء هذه الفريضة بمعني أن الحاج لو أدي كل الأركان والواجبات وفاته الوقوف بعرفة فقد بطل حجه وعليه أن يتحلل بعمرة علي أن يعيد هذه الفريضة في العام التالي أو حينما ييسر الله له ذلك. وايضا نتذكر التعارف البشري الذي أرشدنا إليه النبي صلي الله عليه وسلم حيث أوضح ذلك في أحاديث صحيحة وهي أن الله سبحانه وتعالي أخذ من ظهر آدم ذريته وهم في عالم الذر وكان ذلك بعرفة وقال لهم:"ألست بربكم قالوا بلي شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون". كما أنه حينما أهبط الله آدم وحواء من الجنة إلي الأرض تفرقا وضل كل منهما عن صاحبه وشاءت إرادة الله أن يجتمع شمل تعارفهما في صعيد عرفة. وكذلك خليل الرحمن إبراهيم حينما رأي في منامه أنه قد أمر بذبح ولده وكان ذلك في ليلة الثامن من ذي الحجة فلما أصبح تروي أي أعطي نفسه فرصة للتفكير فسمي بهذا اليوم بيوم التروية وفي ليلة التاسع من ذي الحجة تكررت نفس الرؤيا فعرف أنها أمر من الله سبحانه وتعالي.. ولذلك سمي هذا اليوم بيوم عرفة. أضاف د.الصعيدي أن يوم عرفة يشكل المؤتمر السنوي الأكبر للأمة الإسلامية حيث يأتي ممثلون عنها من كل صوب وحدب ليجددوا صيغة التعارف ويرسموا خريطة التآلف علي ضوء ما تشهده الدنيا من أحداث وعلي أساس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتي يضربوا للدنيا في كل عصر أن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس. وكيف لا يكون يوم عرفة بهذه المثابة وقد أتم الله فيه النعمة وأكمل المنة في حجة الوداع والتي حدثت في السنة العاشرة من الهجرة حيث أنزل الله علي رسوله قوله الكريم "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا". وقد بين النبي صلي الله عليه وسلم في خطبة الوداع حقوق الانسان وما ينبغي علي البشر به أن تحافظ عليه حتي تحسن الخلافة عن الله سبحانه وتعالي وذكرنا ايضا في هذه اللحظة بأن كل ما يثور بين الناس من خلافات وإن كانت يسيرة فإن مردها يرجع إلي الشيطان الرجيم الذي أقسم بعزة الله في حضرة الله وقال "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين"..فقد بين النبي صلي الله عليه وسلم أنه ما رؤي الشيطان في يوم أحقر ولا أغيظ ولا أدحر منه في يوم عرفة حينما تتنزل رحمات الله سبحانه وتعالي علي وفود الحجاج فما يكون منه أي إبليس إلا أن يصرخ صرخة رهيبة ويحثو التراب علي رأسه فتجتمع إليه شياطين وأعوان من كل بقاع الأرض ويقولون له ما الذي دهاك فيقول لهم انظروا هؤلاء قوم أضللتهم وأغويتهم منذ كذا وكذا سنة غفر الله لهم في طرفة عين ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فيستحب للمؤمن أن يكثر من الدعاء والضراعة إلي الله في هذا اليوم امتثالا لأمر النبي صلي الله عليه وسلم. إذ يقول "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له". ويستحب ايضا صيام هذا اليوم لغير الحاج لما ورد من أن صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والسنة الباقية وما إلي ذلك من أعمال البر والإحسان إلي الفقراء وإصلاح ذات البين والتواصي بالحق والتواصي بالصبر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاستعداد ليوم العيد بإحياء ليلته فقد ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال "من أحيا ليلتي العيد الفطر والأضحي محتسبا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". لذلك نتضرع إلي الله أن يجمع شمل أمتنا ووطنا وأن يوحد كلمتها علي الحق ببركة الطائفين والساعين والوقوف بعرفة في هذا اليوم. أفضل أيام الدنيا يقول الشيخ حاتم عبدالخالق من أئمة وزارة الأوقاف بالمنوفية إن أيام العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل أيام الدنيا حيث أقسم بها سبحانه فقال تعالي "والفجر وليال العشر" كما جاء في أحاديث كثيرة منها قوله صلي الله عليه وسلم:" ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلي الله من هذه الأيام العشر". فقالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟..فقال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال "أفضل أيام الدنيا أيام العشر" لذلك يجب علي كل مسلم استغلال هذه الأيام والإكثار من الأعمال الصالحة منها التوبة الصادقة والإقلاع عن المعاصي وكثرة الذكر لله والصلاة علي رسول الله صلي الله عليه وسلم وقال تعالي "ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات". كما يستحب الصيام فعن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "أربع لم يكن يدعهن النبي صلي الله عليه وسلم صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر والركعتين قبل الغداة".. فصيام عرفة والإكثار فيه من الذكر والدعاء يكفر سنتين ماضية ومستقبلة.. وصوم عاشوراء يكفر سنة ماضية..وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم"خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبين من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير". أشار الشيخ حاتم إلي أن معظم أعمال الحج تقع في هذه الأيام منها يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة وفيه يتوجه الحاج إلي مني ويستحب الإكثار من الذكر والدعاء والتلبية ويوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذي الحجة فإذا ما طلعت شمسه يسن التوجه من مني إلي عرفات مع التهليل والتكبير والتلبية.. ويستحب الإكثار في هذا اليوم من الدعاء والذكر.. فإذا ما غربت شمس هذا اليوم المبارك بدأ الحجاج استعدادهم للإفاضة إلي المزدلفة بسكينة وخشوع قال تعالي: "فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام".. أما يوم النحر فهو اليوم العاشر من ذي الحجة وهو يوم عيد الأضحي المبارك وأعمال هذا اليوم بالنسبة للحاج هي رمي جمرة العقبة الأولي وذبح الهدي والحلق أو التقصير ثم طواف الافاضة الذي هو ركن من أركان الحج باتفاق العلماء. أما في يوم العيد فيستحب للمسلمين جميعاً في بقاع الأرض الخروج للصلاة حتي النساء والصبيان من غير فرق بين البكر والشابة والعجوز حتي الحائض والنفساء يشهدن الفرحة ولكن لا يصلين.. ويجوز أن تؤدي في المسجد ولكن أداءها في المصلي خارج البلد أفضل مالم يكن هناك عذر لمطر أو غيره.