وزير الكهرباء يتابع خطة التشغيل لتأمين الشبكة الموحدة وضمان استقرار التغذية    عراقجى: لا مفاوضات مع الطرف الأمريكى وهو يرسل رسائل عبر وسطاء مختلفين    CNN: إيران تنشر تعزيزات إضافية في جزيرة خارك استعدادا لأي عملية أمريكية    تغيير تاريخي.. الخطيب ينهي إشرافه على ملف الكرة بالأهلي ويسلمه لمنصور وعبد الحفيظ    توجيهات عاجلة من محافظ جنوب سيناء بشأن تداعيات الطقس السيء وإزالة تجمعات المياه    حبس الإعلامي أحمد رجب 6 أشهر بتهمة سب وقذف الفنانة بدرية طلبة    توو ليت يحيي حفله الأول في الإسكندرية بهذا الموعد    أول «كافيه دمج».. «الأخبار» تشاركهم فرحة المشروع بعد تقديم «قهوة الرئيس» | فيديو    وزيرا الصحة والتعليم العالي يبحثان استراتيجية وطنية لتدريب وتأهيل الكوادر الطبية    للعب مع ميسي.. إنتر ميامي يدخل سباق التعاقد مع محمد صلاح    العاصمة الجديدة: بدء قبول طلبات الالتحاق بمدرسة النيل الدولية في الحي السكني الثالث    محاضرات فيديو مكثفة لمنتخب مصر 2009 استعداداً لمواجهة تونس بتصفيات شمال أفريقيا    بعد 12 مباراة دون هزيمة.. بلوزداد يخسر أمام مولودية الجزائر قبل صدامه مع الزمالك    فينيسيوس: البرازيل ليست مرشحة للفوز بكأس العالم    مدرب موريتانيا ل في الجول: مباراة الأرجنتين صعبة لكنها لحظة تاريخية    أبرزهم شوبير والجارحي.. نجوم الأهلي يؤدون واجب العزاء في شقيق خالد مرتجى.. شاهد    أڤيڤا تستعرض حلول الذكاء الاصطناعي لدعم تحول قطاع الطاقة في إيجبس 2026    الأحد 29 مارس 2026.. إطلاق المنظومة الرقمية للتأمينات الاجتماعية في مصر ب40 خدمة إلكترونية وخطة للوصول إلى 95 خدمة خلال 6 أشهر    لسرقة دراجة بخارية.. مصرع طفل وإصابة صديقه على يد 3 أشخاص بالإسكندرية    جامعة سفنكس تنظم أول حفل تخرج لطلاب الكليات الطبية الأحد المقبل    بالمستندات.. ننشر مواد قرار حظر تشغيل وتدريب الأطفال الجديدة    ضمن حملة «وعي».. مدير شؤون القرآن بقطاع المعاهد يرد على شبهة اختفاء خطب النبي    إسرائيل تمدد إغلاق مطار بن جوريون حتى 16 أبريل    طريقة عمل شوربة الحريرة لتدفئة أسرتك في الطقس البارد    رئيس مجلس النواب يعقد سلسلة اجتماعات مع رؤساء الهيئات البرلمانية    حزب المصريين: كلمة الرئيس بيوم المرأة وثيقة رسمية وإنسانية تعكس فلسفة الدولة    آخر تطورات الحالة الصحية لهاني شاكر    تسريب إشعاع نووي، مصر محروسة من تشيرنوبل إقليمية حال تدمير المفاعلات الذرية    وزارة الري: استقرار حالة الجسور والمناسيب وأداء شبكة الترع والمصارف    الترسانة الصاروخية الإيرانية.. بين قوة السمعة وحدود التأثير    مصر تقود جهود التهدئة وترسل مساعدات ضخمة إلى لبنان    «برشامة» يسجل أعلى افتتاحية في تاريخ السينما المصرية ب 800 ألف تذكرة في أسبوعه الأول    آس: تطبيق الحد الأدني من العقوبة.. رفض استئناف ريال مدريد ضد طرد فالفيردي    أدعية النبي عند المطر والرعد والريح    "كاس" تعلن قبول استئناف السنغال ضد قرار منح المغرب لقب أمم إفريقيا    محافظ الإسماعيلية يعقد اللقاء الأسبوعى لخدمة المواطنين    وزيرا الصحة والتعليم العالي يبحثان الاستراتيجية الوطنية لتدريب وتأهيل الكوادر الطبية    الليلة.. البابا تواضروس يلقي عظته الأسبوعية من كنيسة الملاك ميخائيل بالعباسية    تأييد حكم الحبس بحق متهمة قذف الفنان محمد نور    المذيعة سالي عبد السلام تُرزق بمولدها الأول    شراكات دولية.. خطة طموحة لتطوير جامعة المنصورة الأهلية    الأردن يفتح باب استيراد العجل المبرد من مصر لتعزيز المعروض الغذائي    أستاذة اقتصاد: كشف غاز بجنوب كلابشة يعزز أمن الطاقة المصري    وزارة التضامن: فرق التدخل السريع تكثف تواجدها الميداني لمواجهة تداعيات المطر    تعرف على آخر تطورات الحالة الصحية للفنان هاني شاكر    سقوط عصابة «عقود الوهم» والنصب على مسافرى الخارج بالبحيرة    مجموعة كونتكت المالية تحقق 2.8 مليار جنيه إجمالي دخل تشغيلي خلال 2025    هل تتغير مواعيد المواصلات يوم السبت مع تعديل وقت إغلاق المحال؟    مصر تُرسل نحو 1000 طن من المساعدات الإغاثية العاجلة إلى لبنان الشقيق    وزير النقل يتابع انتظام حركة المرافق تزامناً مع موجة الطقس السيىء    إسعاف قنا: استقرار الأوضاع على الطرق الصحراوية والزراعية واستعدادات كاملة لمواجهة الطقس السيء    مهرجان العودة السينمائي يكرّم المخرج الراحل داوود عبد السيد    نصائح لكبار السن والأطفال للوقاية من مضاعفات تقلبات الطقس    مصطفى بكري: غياب دول الخليج عن مفاوضات أمريكا وإيران عبث واستهانة    "البحوث الزراعية" يفتتح يوم حقلي لحصاد وتقييم أصناف بنجر السكر بمحافظة كفر الشيخ    تفعيل غرف الأزمات بمحافظات التأمين الصحي الشامل لمتابعة تداعيات التقلبات الجوية    دعاء المطر الشديد.. ماذا تقول عند نزول أمطار غزيرة وخوف الضرر    وزير العمل والمنظمة الدولية يبحثان تعزيز التعاون وإطلاق العمل اللائق في مصر    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام حرية
نشر في المصريون يوم 19 - 07 - 2011

تواطأتْ هذه الأيام أقوالُ فئةٍ تحاول بثَّ الرُّعب والفزع في قلوب أهل مصر خاصة، والعالم بأسره عامة، مِن صحوة أهلنا في مصر المحروسة عندما أفصحتْ ألسنتُهم وقلوبهم عن حبِّهم للإسلام، ورغبتهم في العودة إليه، والتحاكم إلى نصوصه، فقامتْ فئةٌ تصف الإسلام بالحجْر على الحرِّيات، وكذبوا فيما قالوا.
فالحرية في الإسلام تختلف عن تلك الحريات الزائفة التي يتنادى بها أولئك «المنفلتين من عِقالهم»، إِذ الحرية لا يمكن أن تكون خرابا للعمران، ولا مشاكسة مع فطرة الإنسان التي فطره الله عز وجل عليها، إنما يجب أن تتناغم الحرية مع قيمة الإنسان وطبيعته البشرية وما خَلَقَه الله عز وجل فيه مِن خصالٍ، وما أولاه مِن تكريمٍ عظيمٍ عندما قال سبحانه وتعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء: 70) .
وإذا كانت الحرية إحدى المبادئ العظيمة التي تنادي بها كثيرٌ من الدول أو الأفكار والأطروحات الأرضية؛ فإنها ليست كذلك في الإسلام؛ لأنها ليست شيئًا خارجًا عن الإسلام بحيثُ يحتاج للمناداة به؛ فهي ليست شيئًا منفصلًا يضطر لاستحضاره أو استجدائه مِن أحدٍ؛ بل هي كامنةٌ في طبيعته وحقيقته، وليست شيئًا منفصلًا عنه، وهذا ما يجعل الإسلام متميزًا بطبيعته.
ويمكن لنا أنْ نستجلي هذه الطبيعة الإسلامية الأصيلة، التي تنطوي على الحرية بأسمى معانيها؛ من خلال نصوص الإسلام نفسه، حيثُ تشمل الحرية الإسلامية سائر البشر وسائر الناس، ولا يخصُّها الإسلام بأتباعه فقط، وهذا مظهرٌ آخر لعظمة الإسلام وشموليته لجميع الخَلْق، مسلمهم وكافرهم.
فهو يمدُّ يده لجميع البشر، يقول لهم: «أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ» (نوح: 3)، وهو بهذا يُحَرِّرهم مِن عبادة البشر أو المخلوقات التي كانوا يعبدونها، ويسمو بهم جهة السماء، ليعبدوا إلهًا واحدًا لا شريك له سبحانه وتعالى.
ثم هو يمدُّ يده للناس بقوله سبحانه وتعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ» (آل عمران: 19). نعم؛ مَن آثَرَ الكفر على الإيمان فإنَّ الله سريعُ الحساب؛ غير أنَّ الإسلام لا يُكْرِه أحدًا على الدخول فيه كما قال سبحانه: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (البقرة: 256) . فلم يُكْرِه الإسلام أحدًا على الدخول فيه، وإنما عرضَ منهجَه على الناس، وترك لهم حرية الدخول فيه طواعية، عن رغبةٍ وقناعةٍ، لكنه في الوقت نفسه يُنْذر أولئك المعرضين ويحذرهم مِن جزاء إعراضهم، حتى يكون البلاغ واضحًا صريحًا، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (الأنفال: 42)، ولأجل هذا جاءت الآيات مُفَصَّلَةً واضحةً ليميز الله الخبيث مِن الطيب، وليظهر الحق مِن الباطل، وتتمايز الصفوف ويقف الناس على هذا وذاك، كما قال سبحانه: «وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ» (الأنعام: 55).
وإذا كانت طبيعة الإسلام قد كفلت الحرية عند اختيار الدين؛ فلم تتوقف الحرية الممنوحة عند هذا الحدِّ؛ بل تجاوزت ذلك ببعيد، فكفلت احترام توابع حق الاختيار، فجعلت المسلم الذي اختار الإسلام أخًا لجميع المسلمين، كما قال سبحانه وتعالى: «إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات: 10)، ولم تمنع مِن البِرِّ بأولئك المسالمين مِن غير المسلمين؛ كما قال سبحانه وتعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ» (الممتحنة: 8).
وتمتد هذه الطبيعة الإسلامية، لتتشعب في أمور الإسلام، فإذا هي تلمع في سماء العدل والحرية واحترام الإنسان وتكريمه، وتُحَقِّق له سعادة تغمره في شتى مناحي حياته؛ فإذا به يتقلَّب في الدنيا حُرًّا سعيدًا آمنًا في ظل الإسلام العظيم.
وليس الأمر مقصورًا على الرجل دون المرأة؛ بل تشاركه الحياة والشعور بهذه الطبيعة الإسلامية القائمة على الحرية في الاختيار؛ فهي لا تتزوج بغير رضاها، بل إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه طلقةً ثم تراضتْ على الرجوع إليه مرة أخرى فلا يجوز عَضْلها أو الحيلولة بينها وبين هذه الرغبة كما قال سبحانه و تعالى: «وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة: 232). أي: «لا تَمْنَعُوهُنَّ أَنْ يَرْجِعْنَ إلى أزواجهنَّ بنكاحٍ جديدٍ (إذا تَرَاضَوْا بينهم بالمعروف) إذا رَضِيتِ الْمَرْأَةُ وأرادَتْ أَنْ تُرَاجِعَ زوجَها بنكاحٍ جديدٍ»([1]).
فالحرية كما نرى أحدَ أعمدة البيت المسلم الذي هو نواة الأمة المسلمة.
وبما أَنَّ الحرية طبيعة في الإسلام وليست منفصلة عنه؛ فإِنَّها لا تتوقف عند هذه التشريعات السابقة؛ بل تتعداها لغيرها مِن تشريعات الإسلام، لتشمل الأموال والممتلكات التي يمتلكها الشخص فلا يجوز التعدِّي عليها ولا المساس بها مِن غير أصحابها، فهم وحدهم أصحاب الحرية والحق في التصرُّف فيها دون سواهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في البلد الحرام، وفي خطبة الوداع: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»([2]).
ولأَنَّ الحرية في الإسلام طبيعة فيه؛ فهي تستمد قوتها وانضباطها منه، فإذا بها وسطٌ لا إفراط ولا تفريط، فلا تُضَيِّق على صاحبها ولا تُجحف على حقِّ الآخرين، وإِنما ينعم بها الجميع مِن غير اعتداءٍ على حقوق أحدٍ.
وتلك هي الحرية الحقيقية، بل والتعبير الحقيقي عن الحرية، خلافًا لتلك اللافتات الزائفة التي تُرَوِّج لأكذوبة الحرية المطلقة؛ إِذ الحرية المطلقة مجرد خرافة لا حقيقة لها في واقع الناس، والواقع خيرُ شاهدٍ على هذا.
فكلّ إنسانٍ في داخل دولته مُقَيَّدٌ بقيود القوانين والتشريعات واللوائح التي تنظم له قواعد الحياة المختلفة، فهو مقيَّدٌ في سَيْره بقوانين المرور، وفي عمله ووظيفته بقواعد قانون العمل، إلى آخر القوانين والنظم التي يتقيَّد بها الإنسان في داخل دولته، فإذا خرج من دولته إلى أخرى فهو مقيَّد محكومٌ في سفره بقيود قوانين تحكم تنقُّلاته وإقامته في الخارج.
ونشير إلى مثالٍ آخر يعرفه رجال القانون الوضعي في أيامنا هذه: حيثُ قَيَّد القانون الوضعي سلطة القاضي في مواطن عديدة، ووضع له حدًّا أدنى وحدًّا أقصى من الأحكام، ثم ترك له فسحةً يتحرَّك فيها بين هذين الحدَّين، نعم؛ ثمة حالاتٍ أطلق فيها القانون الوضعي يدَ القاضي لتكوين قناعاته والحكم بها في موضوع الدعوى، وجعله سيّد قراره، ومع ذلك فهو في هذه الحالات مُقَيَّدٌ بالإجازة القانونية التي أجازتْ له هذا الإطلاق هنا، ومنعتْه منه في موطنٍ آخر، فهو لم يتصرَّف هنا بناء على مطلق حريته وإنما بناء على إجازة القانون له ذلك، فهو في تصرُّفه مقيَّدٌ محكومٌ بهذه الإجازة القانونية.
ومثالٌ آخر: في المجال السياسي وحرية إنشاء الأحزاب في الدول التي تأخذ بنظام التعددية الحزبية؛ فإِنَّ هذه الأحزاب وإِنْ أُتِيح لها البروز إلى النور؛ غير أنها تبقى مُقَيَّدة بقوانين وإجراءات إنشاء الأحزاب، وليس الأمر متروكًا بلا ضوابط.
فهذه الأمثلة وغيرها مِن الشواهد الواقعية يدلُّ على عدم وجود حرية مطلقة في الحقيقة؛ وإنما هي حرية مُقَيَّدة بناء على ضوابط محددة، قد تجور على أصل الحرية، وقد تقلبها إلى فوضى عارمة، ومِن هنا جاءت أهمية تصحيح هذه الضوابط، وقد أَبْدَع الإسلام في هذا الباب أيضًا، كما أبدعَ في غيره مِن الأبواب.
فالحرية في الإسلام تسير في إطاره العام الذي يحقق للعباد مصالحهم ويدفع عنهم الشرور، بحيثُ لا تتحول إلى فوضى شاملة، كما لا تتقيَّد بما يُخرجها عن مضمونها؛ بل هي طبيعة في تصرفاته وتشريعاته، بما يعني ذلك مِن انسحاب ضوابط وأنظمة هذه التشريعات على هذه الحرية المصاحبة لها، فهي على هذا الأساس حريةٌ منضبطةٌ بضابط الشرع الذي لا يميل على أحدٍ لصالح أحدٍ مهما كان، وهي حريةٌ نافعةٌ للفرد وللأمة، شاملة عميقة تضرب بجذورها في كل مناحي الحياة، تستقيم معها البلاد، ويسكُن إليها العباد، فلا حجْر ولا فوضى.
فمثلًا: نرى الإسلام وقد أطلق يدَ الناس في أملاكهم يتصرَّفون فيها، ثم قَيَّدَ هذا التَّصرُّف بقيود تعود بالمصلحة والنفع على أصحابها وعلى غيرهم، فلم يُبح لأحدٍ أن يأكل مال يتيمٍ، كما منع اليتيم مِن التصرُّف في ماله حتى يبلغ رُشْدَه ويعرف مصلحته وما ينفعه، فهنا يُدْفع إليه ماله، يتصرَّف فيه، بعد أنْ ضَمِنَ الإسلامُ رُشْدَ ذاك اليتيم، كما قال سبحانه وتعالى: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (الأنعام: 152)، وقال سبحانه: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا» (الإسراء: 34).
ومثلًا: إذا كان الإسلام قد ضمن حرية الرأي والتعبير؛ إِلَّا أَنَّه قد قَيَّد اللسان ولم يطلق له العنان ليُفسِد، فطالَبَ بضرورة التحرِّي والمصداقية عند الكلام، فقال سبحانه وتعالى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» (الإسراء: 36)، وقال سبحانه: «وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ» (النحل: 116).
فليست الكلمة كلأَ مباحًا يرتع فيه الإنسان في كل وقتٍ وحينٍ وبغير ضابطٍ، وإنما يُطلق الإسلام العنان لها بشرط أنْ لا تخرج عن ضوابط الشريعة فيها، مِن حيثُ مصداقية هذه الكلمة، وعدم إضرارها بحريات وأعراض الآخرين المصونة شرعًا، أو النَّيْل مِن الأبرياء بغير ما اكتسبوا.
والحقيقة أنَّ الإسلام قد عالج الأمر وضبطه بناء على معالجته لمجموع الأمة، وبالنظر إليها كلِّها، فأطلَق الحرية للجميع بما لا يُجحف بحقوق الآخرين التي صانها الشرع.
وفي هذا الإطار نقرأ حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا»([3]). فهؤلاء الذين أرادوا أن يخرقوا في السفينة خَرْقًا ما أضمروا شَرًّا لأحدٍ، غير أَنَّهم لو نفذوا ما أرادوه لغرقتِ السفينة بجميع مَن فيها، مما يدلُّ على أَنَّ تقييد الحرية ليس مختصًّا بما إذا أضمر الفاعل شَرًّا في داخله فقط، وإنما يمتد الأمر إلى حقيقة الفعل وتأثيره وما ينتج عنه.
وهذه الصورة الواردة في حديث النبي الذي أُوتِي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم؛ هي في حقيقتها تلخيص عميق لما يمكن أنْ يُقال في هذا الباب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارك على عبدك ونبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وارضَ اللهمَّ عن آله وصحبه أجمعين.. آمين.
([1]) تضمين من «تفسير الطبري» (4/193).
([2]) رواه البخاري (67)، ومسلم (1679).
([3]) رواه البخاري (3493).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.