الإسكان تتابع الموقف التنفيذى لمشروعات حياة كريمة لتطوير قرى الريف    ترامب: لا أحتاج إلى القانون الدولي والقيد الوحيد على سلطتي كرئيس عقلي وأخلاقي الخاصة    الجيش الروسي يطلق صواريخ باليستية وفرط صوتية وكروز تجاه أوكرانيا    وزير الزراعة: أسعار الدواجن أقل بكثير من العام الماضي.. ولا 8 جنيهات ولا ال 35 سعر مقبول للكتاكيت    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    سر وجوده في مسجد قبل معركة عبرا ومواجهة مرتقبة مع الأسير، تفاصيل جلسة محاكمة فضل شاكر    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    دومينيك حوراني تنضم إلى «السرايا الصفرا»... خطوة مفاجئة تشعل سباق رمضان 2026    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    أمطار غزيرة تواصل ضرب الإسكندرية والمحافظة ترفع درجة الاستعدادات القصوى (صور)    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    بنك القاهرة يحصد جائزة الأفضل في مجال ائتمان الشركات من World Economic    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    نيويورك تايمز عن ترامب: الصين وروسيا لن تستخدم منطق إدارتي وفنزويلا تهديد مختلف عن تايوان    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإسلام حرية
نشر في المصريون يوم 19 - 07 - 2011

تواطأتْ هذه الأيام أقوالُ فئةٍ تحاول بثَّ الرُّعب والفزع في قلوب أهل مصر خاصة، والعالم بأسره عامة، مِن صحوة أهلنا في مصر المحروسة عندما أفصحتْ ألسنتُهم وقلوبهم عن حبِّهم للإسلام، ورغبتهم في العودة إليه، والتحاكم إلى نصوصه، فقامتْ فئةٌ تصف الإسلام بالحجْر على الحرِّيات، وكذبوا فيما قالوا.
فالحرية في الإسلام تختلف عن تلك الحريات الزائفة التي يتنادى بها أولئك «المنفلتين من عِقالهم»، إِذ الحرية لا يمكن أن تكون خرابا للعمران، ولا مشاكسة مع فطرة الإنسان التي فطره الله عز وجل عليها، إنما يجب أن تتناغم الحرية مع قيمة الإنسان وطبيعته البشرية وما خَلَقَه الله عز وجل فيه مِن خصالٍ، وما أولاه مِن تكريمٍ عظيمٍ عندما قال سبحانه وتعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء: 70) .
وإذا كانت الحرية إحدى المبادئ العظيمة التي تنادي بها كثيرٌ من الدول أو الأفكار والأطروحات الأرضية؛ فإنها ليست كذلك في الإسلام؛ لأنها ليست شيئًا خارجًا عن الإسلام بحيثُ يحتاج للمناداة به؛ فهي ليست شيئًا منفصلًا يضطر لاستحضاره أو استجدائه مِن أحدٍ؛ بل هي كامنةٌ في طبيعته وحقيقته، وليست شيئًا منفصلًا عنه، وهذا ما يجعل الإسلام متميزًا بطبيعته.
ويمكن لنا أنْ نستجلي هذه الطبيعة الإسلامية الأصيلة، التي تنطوي على الحرية بأسمى معانيها؛ من خلال نصوص الإسلام نفسه، حيثُ تشمل الحرية الإسلامية سائر البشر وسائر الناس، ولا يخصُّها الإسلام بأتباعه فقط، وهذا مظهرٌ آخر لعظمة الإسلام وشموليته لجميع الخَلْق، مسلمهم وكافرهم.
فهو يمدُّ يده لجميع البشر، يقول لهم: «أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ» (نوح: 3)، وهو بهذا يُحَرِّرهم مِن عبادة البشر أو المخلوقات التي كانوا يعبدونها، ويسمو بهم جهة السماء، ليعبدوا إلهًا واحدًا لا شريك له سبحانه وتعالى.
ثم هو يمدُّ يده للناس بقوله سبحانه وتعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ» (آل عمران: 19). نعم؛ مَن آثَرَ الكفر على الإيمان فإنَّ الله سريعُ الحساب؛ غير أنَّ الإسلام لا يُكْرِه أحدًا على الدخول فيه كما قال سبحانه: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» (البقرة: 256) . فلم يُكْرِه الإسلام أحدًا على الدخول فيه، وإنما عرضَ منهجَه على الناس، وترك لهم حرية الدخول فيه طواعية، عن رغبةٍ وقناعةٍ، لكنه في الوقت نفسه يُنْذر أولئك المعرضين ويحذرهم مِن جزاء إعراضهم، حتى يكون البلاغ واضحًا صريحًا، «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (الأنفال: 42)، ولأجل هذا جاءت الآيات مُفَصَّلَةً واضحةً ليميز الله الخبيث مِن الطيب، وليظهر الحق مِن الباطل، وتتمايز الصفوف ويقف الناس على هذا وذاك، كما قال سبحانه: «وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ» (الأنعام: 55).
وإذا كانت طبيعة الإسلام قد كفلت الحرية عند اختيار الدين؛ فلم تتوقف الحرية الممنوحة عند هذا الحدِّ؛ بل تجاوزت ذلك ببعيد، فكفلت احترام توابع حق الاختيار، فجعلت المسلم الذي اختار الإسلام أخًا لجميع المسلمين، كما قال سبحانه وتعالى: «إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» (الحجرات: 10)، ولم تمنع مِن البِرِّ بأولئك المسالمين مِن غير المسلمين؛ كما قال سبحانه وتعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ» (الممتحنة: 8).
وتمتد هذه الطبيعة الإسلامية، لتتشعب في أمور الإسلام، فإذا هي تلمع في سماء العدل والحرية واحترام الإنسان وتكريمه، وتُحَقِّق له سعادة تغمره في شتى مناحي حياته؛ فإذا به يتقلَّب في الدنيا حُرًّا سعيدًا آمنًا في ظل الإسلام العظيم.
وليس الأمر مقصورًا على الرجل دون المرأة؛ بل تشاركه الحياة والشعور بهذه الطبيعة الإسلامية القائمة على الحرية في الاختيار؛ فهي لا تتزوج بغير رضاها، بل إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه طلقةً ثم تراضتْ على الرجوع إليه مرة أخرى فلا يجوز عَضْلها أو الحيلولة بينها وبين هذه الرغبة كما قال سبحانه و تعالى: «وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (البقرة: 232). أي: «لا تَمْنَعُوهُنَّ أَنْ يَرْجِعْنَ إلى أزواجهنَّ بنكاحٍ جديدٍ (إذا تَرَاضَوْا بينهم بالمعروف) إذا رَضِيتِ الْمَرْأَةُ وأرادَتْ أَنْ تُرَاجِعَ زوجَها بنكاحٍ جديدٍ»([1]).
فالحرية كما نرى أحدَ أعمدة البيت المسلم الذي هو نواة الأمة المسلمة.
وبما أَنَّ الحرية طبيعة في الإسلام وليست منفصلة عنه؛ فإِنَّها لا تتوقف عند هذه التشريعات السابقة؛ بل تتعداها لغيرها مِن تشريعات الإسلام، لتشمل الأموال والممتلكات التي يمتلكها الشخص فلا يجوز التعدِّي عليها ولا المساس بها مِن غير أصحابها، فهم وحدهم أصحاب الحرية والحق في التصرُّف فيها دون سواهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في البلد الحرام، وفي خطبة الوداع: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»([2]).
ولأَنَّ الحرية في الإسلام طبيعة فيه؛ فهي تستمد قوتها وانضباطها منه، فإذا بها وسطٌ لا إفراط ولا تفريط، فلا تُضَيِّق على صاحبها ولا تُجحف على حقِّ الآخرين، وإِنما ينعم بها الجميع مِن غير اعتداءٍ على حقوق أحدٍ.
وتلك هي الحرية الحقيقية، بل والتعبير الحقيقي عن الحرية، خلافًا لتلك اللافتات الزائفة التي تُرَوِّج لأكذوبة الحرية المطلقة؛ إِذ الحرية المطلقة مجرد خرافة لا حقيقة لها في واقع الناس، والواقع خيرُ شاهدٍ على هذا.
فكلّ إنسانٍ في داخل دولته مُقَيَّدٌ بقيود القوانين والتشريعات واللوائح التي تنظم له قواعد الحياة المختلفة، فهو مقيَّدٌ في سَيْره بقوانين المرور، وفي عمله ووظيفته بقواعد قانون العمل، إلى آخر القوانين والنظم التي يتقيَّد بها الإنسان في داخل دولته، فإذا خرج من دولته إلى أخرى فهو مقيَّد محكومٌ في سفره بقيود قوانين تحكم تنقُّلاته وإقامته في الخارج.
ونشير إلى مثالٍ آخر يعرفه رجال القانون الوضعي في أيامنا هذه: حيثُ قَيَّد القانون الوضعي سلطة القاضي في مواطن عديدة، ووضع له حدًّا أدنى وحدًّا أقصى من الأحكام، ثم ترك له فسحةً يتحرَّك فيها بين هذين الحدَّين، نعم؛ ثمة حالاتٍ أطلق فيها القانون الوضعي يدَ القاضي لتكوين قناعاته والحكم بها في موضوع الدعوى، وجعله سيّد قراره، ومع ذلك فهو في هذه الحالات مُقَيَّدٌ بالإجازة القانونية التي أجازتْ له هذا الإطلاق هنا، ومنعتْه منه في موطنٍ آخر، فهو لم يتصرَّف هنا بناء على مطلق حريته وإنما بناء على إجازة القانون له ذلك، فهو في تصرُّفه مقيَّدٌ محكومٌ بهذه الإجازة القانونية.
ومثالٌ آخر: في المجال السياسي وحرية إنشاء الأحزاب في الدول التي تأخذ بنظام التعددية الحزبية؛ فإِنَّ هذه الأحزاب وإِنْ أُتِيح لها البروز إلى النور؛ غير أنها تبقى مُقَيَّدة بقوانين وإجراءات إنشاء الأحزاب، وليس الأمر متروكًا بلا ضوابط.
فهذه الأمثلة وغيرها مِن الشواهد الواقعية يدلُّ على عدم وجود حرية مطلقة في الحقيقة؛ وإنما هي حرية مُقَيَّدة بناء على ضوابط محددة، قد تجور على أصل الحرية، وقد تقلبها إلى فوضى عارمة، ومِن هنا جاءت أهمية تصحيح هذه الضوابط، وقد أَبْدَع الإسلام في هذا الباب أيضًا، كما أبدعَ في غيره مِن الأبواب.
فالحرية في الإسلام تسير في إطاره العام الذي يحقق للعباد مصالحهم ويدفع عنهم الشرور، بحيثُ لا تتحول إلى فوضى شاملة، كما لا تتقيَّد بما يُخرجها عن مضمونها؛ بل هي طبيعة في تصرفاته وتشريعاته، بما يعني ذلك مِن انسحاب ضوابط وأنظمة هذه التشريعات على هذه الحرية المصاحبة لها، فهي على هذا الأساس حريةٌ منضبطةٌ بضابط الشرع الذي لا يميل على أحدٍ لصالح أحدٍ مهما كان، وهي حريةٌ نافعةٌ للفرد وللأمة، شاملة عميقة تضرب بجذورها في كل مناحي الحياة، تستقيم معها البلاد، ويسكُن إليها العباد، فلا حجْر ولا فوضى.
فمثلًا: نرى الإسلام وقد أطلق يدَ الناس في أملاكهم يتصرَّفون فيها، ثم قَيَّدَ هذا التَّصرُّف بقيود تعود بالمصلحة والنفع على أصحابها وعلى غيرهم، فلم يُبح لأحدٍ أن يأكل مال يتيمٍ، كما منع اليتيم مِن التصرُّف في ماله حتى يبلغ رُشْدَه ويعرف مصلحته وما ينفعه، فهنا يُدْفع إليه ماله، يتصرَّف فيه، بعد أنْ ضَمِنَ الإسلامُ رُشْدَ ذاك اليتيم، كما قال سبحانه وتعالى: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الكَيْلَ وَالمِيزَانَ بِالقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (الأنعام: 152)، وقال سبحانه: «وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا» (الإسراء: 34).
ومثلًا: إذا كان الإسلام قد ضمن حرية الرأي والتعبير؛ إِلَّا أَنَّه قد قَيَّد اللسان ولم يطلق له العنان ليُفسِد، فطالَبَ بضرورة التحرِّي والمصداقية عند الكلام، فقال سبحانه وتعالى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» (الإسراء: 36)، وقال سبحانه: «وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ» (النحل: 116).
فليست الكلمة كلأَ مباحًا يرتع فيه الإنسان في كل وقتٍ وحينٍ وبغير ضابطٍ، وإنما يُطلق الإسلام العنان لها بشرط أنْ لا تخرج عن ضوابط الشريعة فيها، مِن حيثُ مصداقية هذه الكلمة، وعدم إضرارها بحريات وأعراض الآخرين المصونة شرعًا، أو النَّيْل مِن الأبرياء بغير ما اكتسبوا.
والحقيقة أنَّ الإسلام قد عالج الأمر وضبطه بناء على معالجته لمجموع الأمة، وبالنظر إليها كلِّها، فأطلَق الحرية للجميع بما لا يُجحف بحقوق الآخرين التي صانها الشرع.
وفي هذا الإطار نقرأ حديثَ النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا»([3]). فهؤلاء الذين أرادوا أن يخرقوا في السفينة خَرْقًا ما أضمروا شَرًّا لأحدٍ، غير أَنَّهم لو نفذوا ما أرادوه لغرقتِ السفينة بجميع مَن فيها، مما يدلُّ على أَنَّ تقييد الحرية ليس مختصًّا بما إذا أضمر الفاعل شَرًّا في داخله فقط، وإنما يمتد الأمر إلى حقيقة الفعل وتأثيره وما ينتج عنه.
وهذه الصورة الواردة في حديث النبي الذي أُوتِي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم؛ هي في حقيقتها تلخيص عميق لما يمكن أنْ يُقال في هذا الباب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارك على عبدك ونبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وارضَ اللهمَّ عن آله وصحبه أجمعين.. آمين.
([1]) تضمين من «تفسير الطبري» (4/193).
([2]) رواه البخاري (67)، ومسلم (1679).
([3]) رواه البخاري (3493).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.