رغم أني لست من حفاظ النكت ولا من رواتها إلا فيما ندر، بل أنساها فور سماعها، ولا أتذكرها إلا حين أسمعها ثانية، إلا أن نكتة قديمة تلح على ذاكرتي هذه الأيام، ولا أدري لماذا؟ تلك النكتة التي تروي أن مواطنا مصريا – قبل الثورة بالطبع – ذهب إلى أمريكا، فوجد أمريكيا يقف عند البيت الأبيض، ويهتف وهو معتزٌّ بالحرية التي تظلل بلاده: يسقط بوش. أيام كان بوش هو رئيس أمريكا. فقال المصري للأمريكي: حتى أنا أستطيع أن أفعل في القاهرة ما فعلته أنت في أمريكا. وسافرا إلى القاهرة، ووقف المواطن المصري ليهتف أمام قصر عابدين: يسقط بوش. تلحُّ عليَّ هذه النكتة، وأنا أسمع تصريحات أغلب ساسة الدول العربية والإسلامية: أنهم يحترمون خيار الشعب المصري، ومن قبله التونسي، ومن بعدهما الليبي واليمني، وما يستجد من شعوب. بينما هم في الحقيقة لا يحترمون إرادة أي شعب في الدنيا، لا المصري ولا غيره، وإلا فأولى بهم أن يحترموا إرادة شعوبهم التي يحكمونها. فالشعوب في نظر أغلبهم قطيع، له أن يأكل ويشرب، ويعمل ويكدح، ويلهو يلعب، على ألا ينزع يدا من طاعة، وألا ينازع الأمر أهله، لا سيما والحكام في نظر أنفسهم والمحيطين بهم والمنتفعين من وجودهم مبعوثو العناية الإلهية لقيادة هذه الشعوب، التي لم تبلغ سن الرشد بعد لتشارك في الحكم، فضلا عن أن تحكم بنفسها. أين هي حرية الإنسان الحقيقية في البلاد العربية والإسلامية، حرية الإنسان في التعبير عن رأيه كائنا ما كان؟ وصحف العالم العربي في الدولة الواحدة كأنها نسخ منقولة عن أصل واحد، تسبح بحمد الحاكم وتقدس له. أين مجالس الشعب المنتخبة انتخابا حرا والتي تقوم بدورها في سن القوانين والرقابة على الحكومة؟ أين الحكومات المشكلة من الكتل التي حازت الأغلبية في مجلس النواب، والتي تعبر تعبيرا حقيقيا عن إرادة الجماهير التي حازت ثقتها؟ أين المساءلة والمحاسبة لأي مسؤول؟ هل سمعت عن رئيس مؤسسة أو وكيل وزارة أو وزير أو رئيس وزراء فما فوق يحال للمحاكمة في غير البلاد التي قامت فيها الثورات؟ أين تفعيل قانون: من أين لك هذا؟ والمسؤولون قبل المسؤولية مستوري الحال أو من الطبقة الوسطى، وبعد المسؤولية من أغنى أغنياء البلد. أين التوزيع العادل للثروة، حتى ولو كان البلد غنيا، لا يشكو أهله من الفاقة؟ أليس في كل بلد عربي أو إسلامي تلال من قضايا الفساد، لو فتحت لزكمت رائحتها أنوف العالمين؟ أليس في كل بلد عربي أو إسلامي جهاز يراقب الناس مراقبة المَلَكين، ويسجل عليهم مكالماتهم، ويتجسَّس على عوراتهم، أو على الأقل يفعل ذلك مع المغضوب عليهم والضالين من الشعب، الذين تعتريهم هلوسات الحرية، ووسوسات التغيير؟ يتكلمون عن ثروة زين العابدين وحسني مبارك وعلي عبد الله صالح ومعمر القذافي، وأنها بلغت مليارات، وعشرات المليارات، ومئات المليارات، فهل تقل ثروة بقية القادة العظام - الذين عبروا عن احترامهم لإرادة الشعوب الثائرة - عن ثروة هؤلاء؟ يتحدثون عن وحشية القذافي في التنكيل بشعبه، ولو فكرت بعض الشعوب مجرد تفكير أن ترفع رأسها لتطالب بعشر معشار حقوقها الضائعة لوجدنا أكثر من قذافي، وربما من هو أشد وحشية ودموية منه. يصدق فيكم قول المسيح: مَن كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بحجر. أيام الثورة المصرية خرج المسؤولون الإيرانيون بمختلف مستوياتهم، من المرشد الأعلى فمَن هو دونه، يحيُّون الثورة المصرية ويرحِّبون بها، وما هي إلا أيام حتى كانوا يقمعون المتظاهرين في شوارع طهران كما قمعهم مبارك في شوارع القاهرة. يا أيها السادة المسؤولون، والقادة المبجلون، والساسة الملهمون: إن شعوبكم لا تريد منكم احتراما لخيار الشعب المصري، ولا التونسي، ولا اليمني، ولا الليبي، ولا إرادة أي شعب في العالم. فقط احترموا إرادة شعب واحد في العالم، هو الشعب الذي تحكمونه. وإلا فلنهتف جميعا: يسقط بوش.