الأعلى للإعلام: منع ظهور ميدو بسبب تصريحاته المسيئة لإنجازات المنتخب الوطني    طلب إحاطة بشأن قرار فرض رسوم تصريح ممارسة تركيب المستحضرات الصيدلية    صندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 5.4% خلال 2026-2027    توقيع عقد إنشاء مجمع صناعي للغزل والنسيج باستثمارات 350 مليون دولار    بيسكوف: الرئيس الروسي يتلقى دعوة للانضمام إلى مجلس سلام غزة    إنفانتينو يهاجم منتخب السنغال.. ويطالب الكاف بإجراء عاجل    «الصحة»: تقديم 14.7 مليون خدمة طبية في محافظة الفيوم خلال 2025    الصحة: إجراء نحو 20 ألف عملية مياه بيضاء واستقبال أكثر من مليوني مواطن خلال 2025    وزيرا المالية والاستثمار يشهدان توقيع بروتوكول تعاون بين «الجمارك» و«التمثيل التجارى»    تطوير ورفع كفاءة مداخل مركز ساحل سليم والترعة الفاروقية    خطط توسعية ورفع طاقات محطات تحلية مياة البحر الحالية بمطروح    "الصحة الحيوانية" يستقبل 570 ألف عينة خلال العام الماضي    رئيس الشيوخ يهنئ السيسي بمناسبة ذكرى عيد الشرطة وثورة 25 يناير    "أنا ملك الغابة" .. ترامب يستعد للاستحواذ على "جرينلاند" وأوروبا تهدد ب"البازوكا"    ترامب لرئيس وزراء النرويج: لم أعد مضطرا للتفكير "بشكل حصري في السلام"    الكنائس تصلي من أجل شعوب شبه الجزيرة العربية    تذكرتي تعلن نفاد تذاكر مباراة الزمالك والمصري فى الكونفدرالية الأفريقية    خبر في الجول - الأهلي يتمم اتفاقه مع أحمد عيد.. واللاعب يجري الكشف الطبي    ضربة أمنية بالإسماعيلية.. ضبط 1.5 طن هيدرو وحشيش قبل ترويجها    طقس الإسكندرية اليوم.. انخفاض في درجات الحرارة ورياح نشطة.. فيديو    دراما لا تٌرد ولا تٌستبدل!    حسين حمودة: رواية «رحلة سمعان الخليوي» تُعيد طرح سؤال المصير عند نجيب محفوظ    في دورته 57، أكثر من 130 عنوانا لقصور الثقافة بمعرض الكتاب    «اضغط لفتح العبوة» ثاني عروض مبادرة «100 ليلة عرض» بالإسكندرية    وكيل الأزهر: الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الضمير والرحمة ويجب أن يظل أداة لخدمة الإنسان    تجديد حبس ربة منزل بتهمة الشروع في قتل سيدة بالطالبية    تقديم خدمات طبية ل 1456 مواطنًا بقرية أبو مندور في كفر الشيخ    نادي صيادلة مصر: قرار تنظيم التركيبات الصيدلانية تعامل مع الصيدليات باعتبارها وحدات تصنيع دوائي صناعي    محافظ أسيوط: قانون العمل الجديد يعزز حماية المرأة العاملة ويدعم التمكين الوظيفي والاستقرار داخل بيئة العمل    طقوس شعبية وأغاني تراثية في أعياد الغطاس بقنا    وزير الأوقاف: العمل الشريف رسالة حضارية في الإسلام وأساس لبناء العمران الإنساني    استخراج جواز سفر الأبرز.. 5 شروط حكومية لتصدير الكلاب.. إنفوجراف    ضبط 107379 مخالفة مرورية خلال 24 ساعة    موسكو وكييف تتبادلان الاتهامات بارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين    "لاستقبال الأسود".. الرئيس السنغالي يعلن يوم الإثنين إجازة رسمية مدفوعة الأجر    رابطة العالم الإسلامي ترحب باتفاق اندماج قوات قسد بالدولة السورية    انطلاق المؤتمر الدولي ال 36 للأعلى للشئون الإسلامية برعاية السيسي.. بعد قليل    ارتفاع حصيلة قتلى حادث تصادم قطار فائق السرعة بإسبانيا إلى 39 شخصا    مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 19يناير 2026 بتوقيت المنيا    اليوم إجازة من اختبارات الشهادة الإعدادية بجميع المحافظات احتفالًا بعيد الغطاس واستمرار أعمال الكنترولات    دونجا: السنغال استحق التتويج بلقب أمم أفريقيا    "الشيوخ" يستأنف نظر تقرير لجنة الشئون الاقتصادية عن مشروع قانون الضريبة على العقارات المبنية    التنظيم والإدارة والوطنية للإعلام يبحثان التكامل المؤسسي وتطوير آليات العمل    طريقة عمل فتة العدس بالعيش المحمص دون زيت.. أكلة شتوية صحية وسهلة    مصرع سيدة وإصابة 5 آخرين في حادث تصادم بطريق «القصير مرسي علم»    إطلاق «اليوبيل الفضي» للمهرجان القومي للسينما    أمن القاهرة يضبط «سايس» لفرضه إتاوات على قائدي السيارات بمدينة نصر    بدء تحرك قافلة المساعدات ال119 تمهيدا لدخولها من مصر إلى غزة    أمين الفتوى بالإفتاء: الدعاء للوطن من الإيمان.. والعبادة والاحتفال برمضان لا يكونان إلا في وطن آمن    محمد علي خير: لقمة العيش بقت هم المواطن.. ولازم نقول الحقيقة بدون بيع الوهم    أمم إفريقيا - مؤتمر الركراكي: خسارة قاسية للغاية والصورة التي قدمناها مخجلة.. وهذا ما أثر على دياز    وزير الثقافة يفتتح معرض «مسار» للفنان خالد زكي بقبة السلطان الغوري    الركراكى: كرة القدم عاقبتنا أمام السنغال.. ومنتخب المغرب سيعود أقوى    برشلونة يخسر بسلاحه المفضل أمام ريال سوسيداد في الدوري الإسباني    شاب يقتل 3 أطفال من عائلة واحدة بسبب خلافات الجيرة بالمنوفية    دعاء أول ليلة في شعبان يتصدر اهتمامات المسلمين مع اقتراب شهر رمضان    بعد تداول تريند المية المغلية.. الأوقاف تحذر: إيذاء النفس محرم.. والصداقة لا تُقاس بالألم    بث مباشر.. منتخب مصر يواجه نيجيريا اليوم لتحديد المركز الثالث في أمم إفريقيا 2025    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ونشرب ( كلنا ) كدرا وطينا د.أيمن محمد الجندي
نشر في المصريون يوم 11 - 04 - 2006


في البدء كانت الغلبة للقوة ..لم يكن للضعفاء مكان في هذه الدنيا الواسعة ..تريدون الحق ؟ ..كانت عصور خير وبركة ..على الأقل كانت الأشياء تسمى بأسمائها ..ولم يكن هناك حديث لا معنى له عن العدالة والمساواة والعقد الاجتماعي ، لم يكن هناك كذب على النفس وعلى الآخرين وكان الشاعر العربي يقولها بصراحة - نشرب إن وردنا الماء صفوا ، ويشرب غيرنا كدرا وطينا . ......................... ساعتي كانت تشير إلى الثانية عشر ظهرا حينما دلفت لشركة كمبيوتر تقع في الطابق الأول ..سألت الفتاة الشاحبة عن شيء ما ولم تكد تبدأ الإجابة حتى سمعنا ضجة عند مدخل المكتب ..تشتت تفكيرها للحظة ثم بدأت تجيب عن سؤالي .. ولكن الصراخ تزايد بشكل ينبئ أن الأمر جلل ..كانت أصوات الاستغاثة عالية جدا وثمة محاولات فاشلة لإغلاق الباب لأن هناك من يحاول دفعه في الاتجاه الآخر .. لوهلة لم أفهم ما يحدث .. تركتني الفتاة لتستطلع الأمر ثم عادت بوجه أكثر شحوبا صارخة أن هناك بلطجية يقتحمون الشركة .. ............................... راحت الفتاة تصرخ ذلك الصراخ المحطم للأعصاب ..وخرجت من الغرفة استطلع الخبر فوجدت ما يلي ..فتى غارقا بالدماء يحكي بأنفاس لاهثة أن مجموعة من البلطجية استوقفوه محاولين نزع ساعته(؟؟) والاستيلاء عليها (؟؟؟) فلما قاومهم (؟؟؟؟؟) ضربوه بالسنج والمطاوي وطاردوه إلى هنا.. هذه هي الحكاية التي سمعتها من الفتى المخضب بالدماء . الموقف كان يتغير من ثانية لأخرى مثل شلال ماء هادر ..محاولات اقتحام الباب مستمرة وفي استماتة وجدت العاملين بالشركة يحاولون إغلاقه ..فرجة صغيرة كانت تتسع باستمرار ..فرجة تذكرني بأسوأ كوابيسي حينما كنت أكتشف فجأة أن باب المنزل مفتوح وحينما أذهب لإغلاقه أجد من يدفعه في الاتجاه الآخر .. دائما كنت استيقظ من الرعب وبذلك تنتهي المشكلة..لكن هذا الكابوس صار الواقع الذي أعيشه للأسف الشديد . طلبت من الفتاة التي لم تكف عن الصراخ أن تستنجد بالشرطة ولكنها قالت في رعب أن الهاتف معطل لأنهم لم يدفعوا الفاتورة !!. ......................... الأمن مقابل الحرية ..هكذا نشأت نظرية العقد الاجتماعي ببساطة ..الإرادة المشتركة لأفراد جماعة اتفقوا على إنشاء مجتمع يخضع لسلطة عليا فرارا من الفوضى ..ثمة اختلافات بين الفقهاء في حقوق الأفراد والحاكم .. (هوبز) مثلا أعتبر أن الأفراد تنازلوا - بسبب الفوضى - للحاكم عن كل حقوقهم بدون قيد أو شرط مقابل الأمن ..( لوك )تابعه في حكاية الفوضى ولكنه خالفه في أن الأفراد لا يتنازلون عن كل حقوقهم للحاكم ، وإنما يحتفظون بالحريات والحقوق الأساسية لهم ، وبذلك يجوز عزله إذا أخل بشروط العقد .. حكاية الفوضى لم تكن مقنعة ل(روسو) طائر الحرية لأن الإنسان عاش – في اعتقاده - قبل نشأة الدولة في حرية كاملة.. ولكنه تنازل عنها للجماعة مقابل حصوله على حريات جديدة يكفلها المجتمع على أساس المساواة ، وللجماعة حق عزل الحاكم متى أرادت ذلك. الخلاصة أن الأمن كان دائما الحد الأدنى المتفق عليه . .................................................... التظاهر بالشجاعة لم يعد ممكنا الآن ..أعرف أنني سأموت يوما ما ولكني لم أتصور أن أموت بهذه الطريقة ..سأقفز من نافذة الشركة التي تقع في الطابق الأول ..ولئن كسرت ساقي فذاك خير من أن أفقد حياتي بهذه الطريقة البشعة .. سألت الفتاة عن الطريق للنافذة فقالت وهي تلطم لطما صريحا : الشبابيك مسدودة بالحديد ..كنا نخشى اللصوص... لحظتها لم أتمالك نفسي من الضحك على هذه المفارقة. ولكن.. أين الشرطة من كل هذا ؟ ......,,,,............. الشيء الذي كان ينغصني أنني سأفقد حياتي مقابل لا شيء ..الحكاية كلها فارغة وتدل على البؤس ..هذا الفتى الذي تمت مهاجمته لا يغري أحدا بالسلب ما لم يكن أشد منه بؤسا ..بالتأكيد هو لا يملك في جيبه أكثر من أجرة الميكروباس .. أما الساعة – سبب الجريمة - فلا يزيد ثمنها قطعا عن بضعة جنيهات . أترك أسدا جائعا وانظر وقتها ماذا سيفعل بك ؟ ..هؤلاء البلطجية يعرفون أن زبانية الحاكم قد استلبوهم حقهم في الحياة الكريمة لكنهم لا يستطيعون الوصول إليهم ليمزقوهم ..لذلك فهم ببساطة سيمزقونك أنت . نحن مهددون حتى النخاع ..وبقاؤنا أحياء حتى تلك اللحظة يدل فقط على مبلغ العناية الإلهية .. يقولون أن مصر من أكثر بلاد العالم أمنا وهذا صحيح باعتراف الأجانب ..ولكن السؤال المهم : إلى متى مع كل هذه البطالة والفراغ الأمني والأجساد الفتية الجائعة التي تصرخ من أجل الطعام؟ من قبل لاحظت أني أسير في الطريق ساعات طويلة دون أن أجد ما يشير إلى وجود أمني ..هذا طبعا باستثناء ما يتعلق بأمن الدولة أو السفارات أو الأشخاص المهمين ..تجد وقتها وجودا أمنيا مكثفا وباطشا .. الأمن مقابل الحرية ؟ الكارثة أننا لم نظفر بكليهما لا الحرية ولا الأمن . ...................... كان الباب يتم اقتحامه بنجاح مؤكد ..وفجأة تراجعت كل مشاعر الذعر والخوف على الحياة ..أحساس راودني أن الحياة شر يحسن الخلاص منه .والآن فورا . وفجأة وجدتني واقفا وحدي ..لم أعرف أين ذهب الجميع ولكنني خمنت .. حلاوة الروح جعلتهم يختبئون في دورة المياه أو تحت المكتب ..ترى ماذا كان سيفعل فيلسوف مثل روسو في مثل هذا الموقف ؟..سيحاول الفرار بجلده طبعا. وفجأة أنقطع الصوت تماما وشعرت أنني في عزلة مطلقة ..شيء يقارب أفكارنا عن عزلة القبر ..دقيقة واحدة مرت طويلة جدا في هذا الصمت العجيب..لا بد أن عقارب الساعة كانت تتسكع في كسل ..وفجأة سمعت أصواتا متسائلة ثم وجوه مسالمة تدخل باب الشركة تستطلع الأمر .. والذي فهمته أن البلطجية فروا حينما تجمع سكان البناية يستطلعون الأمر ودون أن يظفروا بالساعة التي كادت تكلفني حياتي ..المشكلة هنا أن أحدا لم يشرب الماء صفوا وإنما شربناه كلنا كدرا وطينا. ............... [email protected]

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.