لم يعد الحديث عن موقف الإسلاميين من الدستور الجديد مثار خلاف في تقدير ردات الفعل ، فهي واضحة بشكل كاف ، وهناك ما يشبه الإجماع على رفض الدستور الجديد من قبل القواعد الرئيسية في التيار الإسلامي ، باستثناء حزب النور وموقفه المعلن عن تأييد الدستور ، وهو موقف لا ينبغي أن يكون مثار اتهامات غير لائقة أو مهووسة ، من يعمل في السياسة لا بد أن يحترم اجتهادات الآخرين إن جاءت على غير هواه أو غير مصالحه السياسية ، ويمكنك أن تخالفه وأن تثبت خطأ موقفه ، هذا حقك ، لكن ليس من حقك التشهير به أو سباب قادته ورموزه أو الاستهتار بمحددات أخلاقية أساسية للتيار الإسلامي لا ينبغي استباحتها مهما كان الخلاف ، وفي تقديري أن الحزب سيعاني كثيرا في إقناع قواعده بالتصويت مع الدستور لأن هناك حالة تمرد ليست قليلة داخله أتصور أنها ستمتد إلى الاستحقاق الدستوري ، وإنما الخلاف الحقيقي بين الإسلاميين الآن هو في السؤال الثاني : هل يشاركون ويصوتون ضده أم يقاطعون ، هذه هي الأزمة التي يعاني منها هؤلاء الرافضون للدستور حاليا ، فهناك تباين واسع في الرأي ووجهات النظر ، ولكل فريق وجهة نظره ، من يدعون للمقاطعة يعتبرون ذلك سحبا للشرعية من "الفيلم" كله ، وإظهار إفلاس "الانقلابيين" في الحشد الشعبي ، وأن المشاركة في حد ذاتها حتى لو صوتوا ضده هي اعتراف ضمني بشرعية النظام القائم ، الفريق الآخر الذي يرى أن المشاركة أوجب مع التصويت بلا يرون أن المشاركة القوية تمنع التزوير أو تقلل مساحة الحركة والفراغات أمام المزورين ، بينما المقاطعة وما تصنعه من فراغات في التصويت تغري من يريد أن يزور . والحقيقة أن بعض سلوكيات السلطة القائمة تساعد هؤلاء على تبين مواطئ أقدامهم وترجيح الخطوة الأنسب ، مثل تصريحات وزير التنمية المحلية عن أن موظفي اللجان الانتخابية تم اختيارهم على "الفرازة" ، حسب نص كلامه ، وهي فرازة محل اتهام أساسا ، أيضا تصريحات محمد سلماوي المتحدث باسم لجنة الخمسين عن أن الاتجاه الآن هو نحو السماح بتصويت الناخب في أي لجنة تصويت على مستوى الجمهورية يعني تمهيدا واضحا للتزوير ، وأن هناك قلقا حقيقيا في أوساط اللجنة ومن شكلوها من خسارة الاستحقاق الخطير فبدأوا يمهدون للتلاعب ، وذلك أن منح الناخب حق التصويت في أي لجنة ، دون التقيد بلجنته الانتخابية المسجلة ، سواء في محل إقامته أو محل مولده ، يعني إتاحة الفرصة لظاهرة "الناخب الدوار" لأنه يمكنه التصويت في لجنة والذهاب بعد ذلك إلى لجنة أخرى للتصويت فيها خاصة في محافظة أخرى ، وهذا أصبح سهلا جدا بعد الإعلان عن أن التصويت سيكون على يومين أو ثلاثة ، كافية جدا لمسح الحبر الفسفوري ، كما أن عملية إزالة الحبر لم تعد مشكلة الآن ، وبالتالي فكل مليون مواطن يمكن أن يضعوا ثلاثة ملايين صوت أو أكثر في الصندوق ، وإن كنت أتصور أن الخطوة الحاسمة للتزوير ستكون في أي تحرك باتجاه تعديل القانون لحصر الفرز وإعلان النتائج على اللجنة العامة ، عند هذه النقطة سيكون هذا إعلانا صريحا وقاطعا وحاسما على تزوير الدستور ، لأن أهم وأخطر ضمانة لسلامة الانتخابات أو الاستفتاءات كانت في إجراء عمليات الفرز وإعلان النتائج لكل لجنة على حدة ، فهذا يمنع التلاعب عند نقل الصناديق أو فساد ذمم البعض في اللجنة العامة . وبشكل عام لا أميل إلى المقاطعة للاستحقاقات الدستورية أو الانتخابية ، وليس هناك رابط حتمي وسياسي بين المشاركة للتصويت بلا في نفس الوقت الذي تتمسك فيه بموقف رافض لشرعية ما هو قائم من سلطة ، كما أن المشاركة والتصويت بلا تعطي صاحبها فرصتين ، فرصة إسقاط الدستور بهزيمته في الصندوق ، أو فرصة إضعاف نسبة الموافقة إذا تم تمريره ، بينما المقاطعة تعطيه فرصة واحدة وهي إضعاف نسبة المشاركة الإجمالية ، وهي مخاطرة غير مضمونة النتائج السياسية ، كما أنها بالفعل تصنع فراغات تساعد على التلاعب ، ويبقى أن نتابع ونرصد ما تسفر عنه تلك الحوارات بين الإسلاميين في الموقف من عملية التصويت .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته. twitter: @GamalSultan1