«مستقبل وطن».. أمانة الشباب تناقش الملفات التنظيمية والحزبية مع قيادات المحافظات    تفاصيل حفل توزيع جوائز "صور القاهرة التي التقطها المصورون الأتراك" في السفارة التركية بالقاهرة    200 يوم.. قرار عاجل من التعليم لصرف مكافأة امتحانات صفوف النقل والشهادة الإعدادية 2025 (مستند)    سعر الذهب اليوم الإثنين 28 أبريل محليا وعالميا.. عيار 21 الآن بعد الانخفاض الأخير    فيتنام: زيارة رئيس الوزراء الياباني تفتح مرحلة جديدة في الشراكة الشاملة بين البلدين    محافظ الدقهلية في جولة ليلية:يتفقد مساكن الجلاء ويؤكد على الانتهاء من تشغيل المصاعد وتوصيل الغاز ومستوى النظافة    شارك صحافة من وإلى المواطن    رسميا بعد التحرك الجديد.. سعر الدولار اليوم مقابل الجنيه المصري اليوم الإثنين 28 أبريل 2025    لن نكشف تفاصيل ما فعلناه أو ما سنفعله، الجيش الأمريكي: ضرب 800 هدف حوثي منذ بدء العملية العسكرية    الإمارت ترحب بتوقيع إعلان المبادئ بين الكونغو الديمقراطية ورواندا    استشهاد 14 فلسطينيًا جراء قصف الاحتلال مقهى ومنزلًا وسط وجنوب قطاع غزة    رئيس الشاباك: إفادة نتنياهو المليئة بالمغالطات هدفها إخراج الأمور عن سياقها وتغيير الواقع    'الفجر' تنعى والد الزميلة يارا أحمد    خدم المدينة أكثر من الحكومة، مطالب بتدشين تمثال لمحمد صلاح في ليفربول    في أقل من 15 يومًا | "المتحدة للرياضة" تنجح في تنظيم افتتاح مبهر لبطولة أمم إفريقيا    وزير الرياضة وأبو ريدة يهنئان المنتخب الوطني تحت 20 عامًا بالفوز على جنوب أفريقيا    مواعيد أهم مباريات اليوم الإثنين 28- 4- 2025 في جميع البطولات والقنوات الناقلة    جوميز يرد على أنباء مفاوضات الأهلي: تركيزي بالكامل مع الفتح السعودي    «بدون إذن كولر».. إعلامي يكشف مفاجأة بشأن مشاركة أفشة أمام صن داونز    مأساة في كفر الشيخ| مريض نفسي يطعن والدته حتى الموت    اليوم| استكمال محاكمة نقيب المعلمين بتهمة تقاضي رشوة    بالصور| السيطرة على حريق مخلفات وحشائش بمحطة السكة الحديد بطنطا    بالصور.. السفير التركي يكرم الفائز بأجمل صورة لمعالم القاهرة بحضور 100 مصور تركي    بعد بلال سرور.. تامر حسين يعلن استقالته من جمعية المؤلفين والملحنين المصرية    حالة من الحساسية الزائدة والقلق.. حظ برج القوس اليوم 28 أبريل    امنح نفسك فرصة.. نصائح وحظ برج الدلو اليوم 28 أبريل    أول ظهور لبطل فيلم «الساحر» بعد اعتزاله منذ 2003.. تغير شكله تماما    حقيقة انتشار الجدري المائي بين تلاميذ المدارس.. مستشار الرئيس للصحة يكشف (فيديو)    نيابة أمن الدولة تخلي سبيل أحمد طنطاوي في قضيتي تحريض على التظاهر والإرهاب    إحالة أوراق متهم بقتل تاجر مسن بالشرقية إلى المفتي    إنقاذ طفلة من الغرق في مجرى مائي بالفيوم    إنفوجراف| أرقام استثنائية تزين مسيرة صلاح بعد لقب البريميرليج الثاني في ليفربول    رياضة ½ الليل| فوز فرعوني.. صلاح بطل.. صفقة للأهلي.. أزمة جديدة.. مرموش بالنهائي    دمار وهلع ونزوح كثيف ..قصف صهيونى عنيف على الضاحية الجنوبية لبيروت    نتنياهو يواصل عدوانه على غزة: إقامة دولة فلسطينية هي فكرة "عبثية"    أهم أخبار العالم والعرب حتى منتصف الليل.. غارات أمريكية تستهدف مديرية بصنعاء وأخرى بعمران.. استشهاد 9 فلسطينيين في قصف للاحتلال على خان يونس ومدينة غزة.. نتنياهو: 7 أكتوبر أعظم فشل استخباراتى فى تاريخ إسرائيل    29 مايو، موعد عرض فيلم ريستارت بجميع دور العرض داخل مصر وخارجها    الملحن مدين يشارك ليلى أحمد زاهر وهشام جمال فرحتهما بحفل زفافهما    خبير لإكسترا نيوز: صندوق النقد الدولى خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكى    «عبث فكري يهدد العقول».. سعاد صالح ترد على سعد الدين الهلالي بسبب المواريث (فيديو)    اليوم| جنايات الزقازيق تستكمل محاكمة المتهم بقتل شقيقه ونجليه بالشرقية    نائب «القومي للمرأة» تستعرض المحاور الاستراتيجية لتمكين المرأة المصرية 2023    محافظ القليوبية يبحث مع رئيس شركة جنوب الدلتا للكهرباء دعم وتطوير البنية التحتية    خطوات استخراج رقم جلوس الثانوية العامة 2025 من مواقع الوزارة بالتفصيل    البترول: 3 فئات لتكلفة توصيل الغاز الطبيعي للمنازل.. وإحداها تُدفَع كاملة    نجاح فريق طبي في استئصال طحال متضخم يزن 2 كجم من مريضة بمستشفى أسيوط العام    حقوق عين شمس تستضيف مؤتمر "صياغة العقود وآثارها على التحكيم" مايو المقبل    "بيت الزكاة والصدقات": وصول حملة دعم حفظة القرآن الكريم للقرى الأكثر احتياجًا بأسوان    علي جمعة: تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم أمرٌ إلهي.. وما عظّمنا محمدًا إلا بأمر من الله    تكريم وقسم وكلمة الخريجين.. «طب بنها» تحتفل بتخريج الدفعة السابعة والثلاثين (صور)    صحة الدقهلية تناقش بروتوكول التحويل للحالات الطارئة بين مستشفيات المحافظة    الإفتاء تحسم الجدل حول مسألة سفر المرأة للحج بدون محرم    ماذا يحدث للجسم عند تناول تفاحة خضراء يوميًا؟    هيئة كبار العلماء السعودية: من حج بدون تصريح «آثم»    كارثة صحية أم توفير.. معايير إعادة استخدام زيت الطهي    سعر الحديد اليوم الأحد 27 -4-2025.. الطن ب40 ألف جنيه    خلال جلسة اليوم .. المحكمة التأديبية تقرر وقف طبيبة كفر الدوار عن العمل 6 أشهر وخصم نصف المرتب    البابا تواضروس يصلي قداس «أحد توما» في كنيسة أبو سيفين ببولندا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التنجيم الأمريكي .. وآفاق حزب العدالة والتنمية المغربي سنة 2007
نشر في المصريون يوم 24 - 04 - 2006

اندلعت، فجأة، ضجة إعلامية، سلطت كثيرا من الضوء على حزب العدالة والتنمية بالمغرب، وصورته للرأي العام، في مظهر الحزب القوي، الذي سينجلي عنه غبار استحقاقات 2007 المرتقبة، وقد تداعت هذه الضجة، على إثر ما نشرته إحدى المؤسسات الأمريكية ذات الاهتمام باستطلاعات الرأي وتقديم المشورة لإستراتيجيي البيت الأبيض، وهو المعهد الجمهوري الدولي، حول النتيجة الانتخابية المتوقع تحقيقها من طرف الحزب، وأنها على درجة متقدمة من الأهمية. وقد ركز الاهتمام الإعلامي الدولي، على هذا الموضوع، استحضارا لواقع الهيمنة على المسرح السياسي، الذي شهدته بعض أقطار العالم العربي والإسلامي، من طرف الأحزاب والحركات الإسلامية، فتقلدت بموجبه مقاليد الحكم والسلطة، مثلما وقع في تركيا مع تجربة حزب العدالة والتنمية، وفلسطين بعيد زلزال حماس، وقبلهما في السودان والانقلاب العسكري لعمر حسن البشير ذي الخلفية الإسلامية والمساند آنذاك من طرف الحركة الإسلامية السودانية، أو ما شهدته أقطار أخرى غيرها، تنفذت فيها هاته الحركات في توجيه الأحداث وإثارة الهواجس، مثلما وقع في الجزائر مع جبهة الإنقاذ الإسلامية، أو في تونس مع حزب النهضة، أو في مصر مع جماعة الإخوان المسلمين وغيرها. وعلى اعتبار أن حزب العدالة والتنمية المغربي، يمثل طرفا من الحركة الإسلامية بالمغرب، هذه الحركة التي تستقطب منذ زمن بعيد، انشغال الغرب، نظرا لما يمثله وجودها من حساسية حيال طبيعة النظام السياسي المغربي، الذي يعتمد جانبا من التراث السياسي الديني، مصدر سلطة وشرعية، وإيديولوجية خطاب. ونظرا لما كشفته بعض الأحداث الدولية، من ضلوع مهم، لبعض المغاربة المنتسبين للحركة الإسلامية، في قضايا التوتر خارج حدود بلادهم، مثل أفغانستان، والعراق والشيشان والسعودية والجزائر، ناهيك عن وجودهم في قلب الأحداث التي مست الأمن في إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا وهولندا وأمريكا الحادي عشر من سبتمبر. ويبقى السؤال، فيما إذا كان استطلاع الرأي المنجز من قبل المؤسسة الأمريكية المقربة من دوائر القرار، حقيقيا، أو مصطنعا، وفق ما عودتنا عليه فصيلة نفس المؤسسات، التي توظفها القوى الكبرى، توجيها وتدخلا في شؤون المجتمعات المتخلفة، وتلاعبا وعبثا بمصائر الشعوب، أو تستخدمها بعض الأنظمة، بشراء منتوجها لدعم شرعيتها، وأيضا فيما إذا كانت هذه الصورة المستنتجة والمروجة متطابقة مع الواقع. ولتقويم الواقع، يستدعي الأمر الرجوع إلى حدث استحقاقات 2002، وما شهدته من صعود موسع لحزب العدالة والتنمية إلى كراسي البرلمان، فأبهر البعض، وأقلق البعض، وأرعب بعضا آخرين، ممن يخاصمون كل ما ينتسب إلى الإسلام، فكرا وحركة أو مشاركة سياسية. يمثل حزب العدالة والتنمية المغربي، مكونا من مكونات الحركة الإسلامية، ضمن فسيفساء أطرافها المتعددة والمتنوعة، قد تشكل بعد اندماج فصيلين من فصائل العمل الإسلامي بالمغرب، وهما رابطة المستقبل الإسلامي، وحركة الإصلاح والتجديد، تحت مظلة لافتة حزبية، لوعاء حزبي فارغ ومتهالك، هو الحركة الشعبية الدستورية، قبلت السلطة المركزية أن تسمح به وعاء انتقاليا، للتحكم في الوافدين الجدد على اللعبة السياسية، وصاية ورعاية، واختبارا للنوايا، وتطهيرا من ماض للمفاصلة والرفض، وصياغة جديدة لعقولهم بثقافة الإدماج والموالاة، وترويضا لهم على التقاليد السياسية المرعية. وبالرغم من مواقف باقي الفصائل الإسلامية، من هذا المسلك الإدماجي في اللعبة السياسية، والتي تراوحت ما بين التحفظ، والرفض، والاستنكاف، والاستهجان، والمعاداة، فإن هذه الفصائل التي تربو على الأربعين فصيلا، ما بين جماعات منشقة عن الحركة الأم: الشبيبة الإسلامية، وجماعات سلفية، وإخوانية، وطرقية، وتبليغية، ظلت سندا في الخفاء حينا، وفي الظاهر حينا آخر، لصنويها المندمجين في التجربة السياسية الجديدة، ومعاركها التي تثير الحمية الدينية، والعصبية التي تناجز الأعداء الإيديولوجيين في صراع الهوية والثقافة ونمط المجتمع. ومن ثم، فإن انتزاع نخبة حزب العدالة والتنمية، لحيز هام من المقاعد البرلمانية، خلال انتخابات 2، ليس مرده إلى الإمكانات البشرية والتنظيمية للحزب، بقدر ما يعود إلى التراكم العاطفي، الذي أنتجه اصطفاف الفصائل الإسلامية في خندق مواجهة التهجمات العلمانية. والمعركة التي احتدمت، فجأة، وبشكل مريب، حول ما سمي آنذاك بالخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، كانت الأرضية التي أسعفت الحزب الوليد، إذ حشدت مدا هائلا من تكاتف الإسلاميين، من غالبية الفصائل، تحت دافع الغضبة من الاستفزاز العقائدي، والاستنفار حول شعار: الإسلام في خطر. والمظلة الرسمية التي غطت خندق المواجهة للطرح العلماني، إذ لم يخف آنذاك التحرك الواسع لوزارة الأوقاف، في الدفع بالجماهير المسجدية، لدعم الموقف المضاد، والتظاهر من أجله، في خروج شاركت فيه حتى الأحزاب والجمعيات ذات الارتباطات الإدارية، هذه المظلة هيأت الأجواء المواتية لتخصيب القاعدة الاقتراعية، التي أثمرت التصويت المكثف، لفائدة نواب الحزب المناهض لما اعتبر خططا ماسة بالهوية الإسلامية. فالتيارات السلفية، بشقيها الراديكالي والمهادن، وهي الأكثر امتدادا وعددا، في تركيبة الحركة الإسلامية، وبالرغم من موقفها النافر من مسلكية المشاركة السياسية، ومن آليات اللعبة السياسية، كان لها حضور فاعل في تزكية التصويت لفائدة مرشحي الحزب، باعتبارهم مرشحي حزب إسلامي رغم كل التحفظات. وجماعة العدل والإحسان، ذات القاعدة الأكثر تنظيما، وانصياعا لقيادتها الروحية، وبالرغم من موقفها الممانع ضد المشاركة السياسية، ونهجها الأشد نقدا للأوضاع السياسية في البلاد، سلطة سياسية، ولعبة سياسية، وأحزابا سياسية، فإنها لم تعق، ولم تعرقل، التفاعل الفردي لجماهيرها في اتجاه ضخ الأصوات في مجرى حزب العدالة والتنمية، ترجيحا منها لمصلحة النصرة الدينية، وتفعيلا غير معلن، لموقف التنسيق بين الطرفين في جبهة مواجهة العلمانية الزاحفة نحو الانتقاص من الملامح الإسلامية للمجتمع المغربي. والجماهير المسجدية التقليدية، التي يؤطرها الموظفون الخاضعون لوزارة الأوقاف، دفعت لتكون سندا انتخابيا للحزب، ما دام قادته يعلنون أنفسهم حرسا إيديولوجيا جديدا في المنافحة عن مؤسسة إمارة المؤمنين، ضد من يروم تقليص دورها في الحياة السياسية، باسم الحداثة والتطور وفصل الدين عن الدولة. في الوقت نفسه، الذي شكل فيه العزوف العام عن الاقتراب من صناديق الاقتراع، وخصوصا في أوساط المثقفين الجامعيين، والشباب المتعلم، وجحافل العاطلين، الذين نفضوا أيديهم من وعود الأحزاب، ولم يعودوا يثقون في نخبها وقياداتها السياسية التي راحت تستحوذ على الثروات وتستأثر بالمناصب والامتيازات، في مجتمع يعيش سواده الأعظم في غيابات الفقر المدقع، هذا العزوف شكل عنصرا مفيدا لمصلحة حزب العدالة والتنمية، إذ ضيق من هامش المنافسة ضدهم، وهيأ لهم المناخ للاستئثار بمحتوى الصناديق الشبه فارغة. فيما لم تعد أحزاب الكتلة "الديمقراطية" قادرة على تجذير نفوذها، للتضعضع التي اعترى مسارها، وللصراع والتراشق الذي استفحل بين طرفيها الرئيسين، حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، بما أحبط كل الأحلام التي بنيت على مشروع حكومة التناوب. وفيما لم تتخلص قوى اليسار أيضا، من جمود حركتها، ومن عقال اختلافاتها، ومن سجنها الكبير، في الشتات والتمزق، بالرغم من انفكاكها من السجون والمعتقلات. لكن هذه الرياح، التي قادت سفينة حزب العدالة والتنمية إلى مرفأ الفوز، خلال 2002، لم تعد على نفس الوتيرة من الهبوب، بما يوشك أن يضيق الآفاق التي رحبت من قبل. فقد استدرج الحزب إلى منحدر التنازلات، والتراجعات المبدئية، مؤثرا تلطيف نظرة الآخر، ومسايرة الإملاءات الفوقية، ودفع الهواجس، على الاحتراس من الوقوع في مغبة مخاصمة الذات، والانسلاخ من الماضي، وتخييب آمال الجماهير. وهكذا تحول الحزب الإسلامي، كما وفد إلى الساحة السياسية بهذه الصفة بادئ الأمر، أو حزب الحركة الإسلامية، إلى الحزب السياسي "ذي المرجعية الإسلامية" فقط!، كما يحلو لقادته أن يرددوه بنشوة بالغة على الأسماع وعلى رؤوس الأشهاد، دونما توقف، ودونما احتياط من وقعه الصادم على القاعدة العريضة من الإسلاميين، التي راحت تتبدد، منفضة من حول الدعاة السياسيين الجدد، المتنكبين عن صعود العقبة الكؤود للمواقف المبدئية. وتسللت الأمراض الحزبية إلى الذات الغضة للحزب الإسلامي الوليد، بعد أن حل الصراع على المواقع، ومغانم الانتخابات، وامتيازات التألق السياسي، ومناصب الصدارة، محل الطهرانية النضالية، والتواري عن الأضواء، والجندية المجهولة، والزهد في المكاسب والألقاب، التي كانت أخلاق الحركة الإسلامية، المتأسية بالجيل القرآني الفريد، جيل الصحابة الكرام، وفي حمأة هذا الصراع، تخلف كثير من المريدين المخلصين، عن المضي، تجنبا لمساكنة مرضى التسلق والانتهازية، واستبراء لدينهم وأعراضهم. وأخفق "الحزب الإسلامي" الذي هو ثمرة عطاء أجيال متلاحقة، بدءا من القادة المؤسسين، والرواد الأوائل للحركة الإسلامية بالمغرب، وثمرة نضالات وتضحيات عشرات من الدعاة الشباب الذين قضوا عشرات السنين من زهرة أعمارهم في السجون والمعتقلات، دفاعا عن مشروع الحركة الإسلامية، أخفق "الحزب الإسلامي" في التواصل مع هذه الفئات، ذات الرصيد المعنوي، ومن ثم أخفق في دفق مددها الروحي والرمزي في شرايين هياكله، وانتهى إلى جزيرة معزولة، مبتوتة الصلة مع الجذور التاريخية ممثلة في القادة المؤسسين وعلى رأسهم الشيخ إبراهيم كمال المرجع الروحي الأول في تأسيس الحركة الإسلامية بالمغرب، والشيخ عبد الكريم مطيع مهندس مشروعها التنظيمي، وكذا الدعاة الأوائل أمثال الشيخ محمد زحل، والدكتور القاضي برهون، والدكتور الشاهد البوشيخي، والدكتور إدريس الكتاني، وممثلة من جهة أخرى في المعتقلين الإسلاميين، وهم الوقود الذي احترق لدفع قاطرة مشروع "الحزب الإسلامي". وبعد أن استتب للقيادات الشابة، أمر التمكن من تسنم ذروة الأمانة العامة للحزب، وفي غياب الرمزية القيادية، لافتقاد هؤلاء سلطان "الكاريزما" السياسية، أو نفوذ الزعامة التاريخية، أو وهج الإشعاع الفكري والإرشاد الروحي، تحولت صناعة القرار إلى صراع الأجنحة، وسباق الظهور الإعلامي على الرأي العام، ونتج عن هذا التنازع، إقصاء بعض الوجوه الوازنة إلى الهامش دون الفعل والمبادرة، من أمثال الدكتور أحمد الريسوني، عالم الحركة الإسلامية، الذي كان بإمكان تقليده مقاليد الحزب أن يغطي فراغ الرمزية القيادية، وأن يملأ شغور المرجعية التاريخية، لما له من سبق التأسيس والانتساب منذ جنينية الحركة، ومن أمثال المحامي مصطفى الرميد، الأقدر على إدارة مشرفة وفاعلة لأداء الفريق النيابي الحزبي، لما اكتسبه من تمرس في تدبير السجال البرلماني، والتدافع الحزبي، وضبط التوازن بين السلطة والحزب، ولاحترافيته القانونية، الكفيلة بضمان إنتاجية تشريعية، تحسب في سجل المشاركة السياسية للحزب، وتمثيليته للأمة. وفي الوقت الذي شب فيه عود حزب الحركة الإسلامية، عن الوصاية عليه من طرف حزب الحركة الشعبية الدستورية، وهيأت الظروف السياسية المستجدة، تخليصه من حجر الشفيع السياسي، واعتباره بالغا سن الرشد السياسي، عاد من جديد إما لقصر نظر، أو قصور تجربة في تدبير التحالفات السياسية، وإما استجابة لإملاء مفروض إلى اعتقال نفسه، ورهن مصيره وسمعته بين يدي شفعاء سياسيين جدد، بتنسيقه وإعداد تحالفه مع بعض القوى والأشخاص المحسوبين على الماضي السياسي البائد، المتورطين إلى الأذقان في الاستغلال الطبقي، والاستحواذ على ثروات الشعب، وفساد مرحلة، مما لا يتلاءم وتطلعات القاعدة العريضة للحزب، التي تنتمي إلى الطبقات الفقيرة والكادحة والمعدمة. وبهذا الارتهان، يسقط الحزب في جريرة التبييض السياسي، لرهط الانتهازية السياسية، النازحين من ماضي الفساد السياسي إلى بحبوحة جنة الاستوزار الحكومي، المعقودة على نواصي "الحزب الإسلامي" في آفاق سنة 7. ووسط مشاعر الاحتقان والغضب المتنامية في العالم الإسلامي تجاه سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وتدخلها العسكري الفتاك في أفغانستان، واحتلالها للعراق، وما أعقبه من مجازر، تركت مئات الآلاف من القتلى، وتأييدها
المطلق واللامشروط للكيان الصهيوني في الذبح اليومي للشعب الفلسطيني، وسط تلك المشاعر التي تنحو بالنخب الفكرية والسياسية العربية والإسلامية، إلى بلورة موقف شامل للممانعة، راق للأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن تستمرئ الرحلات المكوكية إلى أمريكا، في توجه متعارض مع قرار القواعد الحزبية، قد رآه البعض نشدانا للود الأمريكي، ومغازلة للالتفات الأمريكي إلى الأحزاب "الإسلامية" بالعالم العربي والإسلامي، قصد نيل الحظوة، وتلقف النصيب المغربي مما تغدقه السياسة الأمريكية على هذه الأحزاب، من اهتمام وارتضاء محفوف بالكرم والسخاء، في إطار إستراتيجيتها الرامية إلى مخطط الشرق الأوسط الكبير، أو ما تعده أمريكا للعالم العربي والإسلامي من زلزال جغرافي وسياسي. وقد أبان حزب العدالة والتنمية عن عجز فاضح تجاه الأحداث التي ألمت بالمغرب ليلة 16 مايو 3، وشلل في المبادرة إلى تطويق تداعيات الأحداث التي حولت البلاد إلى مسرح لحملات الاعتقال الواسعة، لاستئصال جزء من التيارات السلفية، باعتبارها الرحم التي أنجبت المتورطين في الأحداث. وبالرغم من كون هذه التيارات السلفية بكل أطرافها، ساندت البروز السياسي للحزب، إلا أن الحزب لم يكن في مستوى مسؤوليته التمثيلية، سواء من حيث تعميق الفهم والتحليل لما جرى والعوامل المؤثرة، أو سواء من حيث توجيه البلاد إلى تغليب المعالجة الفكرية والاجتماعية، على المعالجة الأمنية والزجرية ذات العقوبات الأشد، وذات الآثار الاجتماعية الوخيمة، أو من حيث الاضطلاع بوظيفة رأب الصدع الحاصل في جدار النسيج المجتمعي في البلاد، بوضع حلول ومقاربات، واقتراح مبادرات، تحتوي من جهة ظاهرة النزوع إلى العنف والمساس بالأمن العام، ومن جهة أخرى توقف سيل اعتقالات الأفراد، والمحاكمات التي لم ينقطع صبيبها في المحاكم على مدار الثلاث سنوات التي خلت، وصولا إلى تفريغ السجون، وتجنيب البلاد كوارث التصدع، ناهيك عن الآثار السلبية التي خلفها تصويت برلمانيي الحزب على قانون الإرهاب في تراجع مرتبك عن ما سلف لهم من موقف معارض. والدعم المعنوي لجماعة العدل والإحسان، الذي استفاد منه الحزب خلال الاستحقاقات السابقة، لم يعد في حكم الوارد، لما يستقبل من المحطات، بالنظر إلى تفاقم اتساع الهوة بين الطرفين، وبالنظر إلى تجذير جماعة العدل والإحسان موقفها الرافض من النسق السياسي العام، ومن المشاركة السياسية، واستهجانها لمواقف حزب العدالة والتنمية، وأيضا إلى التنافس المحموم بين الطرفين، والتنازع على موطئ قدم لدى المؤسسات الأمريكية. إضافة إلى أن الميلاد الفجائي لأحزاب أخرى تتخذ لها عناوين إسلامية، من شأنه أن يهيأ الملاذ المحتضن لانشقاقات فردية أو جماعية عن الحزب، حينما تستعر حمى الترشيح للانتخابات، وتندلع معها حرب التزكيات والتزكيات المضادة، مما ينتقص من القاعدة الانتخابية، ويقلص من حظوظ الفوز. وإذا ما استحضرنا إلى جانب هذه العوامل، حالة العقم والجمود التي منيت بها الحياة السياسية بالمغرب، واستحكام هذه الحالة إلى الدرجة التي لم يستطع معها حزب العدالة والتنمية الخلاص من تيارها الجارف، فلم يلمس الرأي العام قيمة مضافة، أو تجديدا يتحدى الرتابة السياسية، مما يعمق من جديد النكوص الشعبي عن الأحزاب بما فيها "الحزب الإسلامي" الموعود. إذا ما استحضرنا ذلك، فإن الواقع العنيد المعاكس للتيار، يكشف بأن قراءة المنجم الأمريكي لكف حزب العدالة والتنمية، "الحزب الإسلامي" المغربي، لا يثير سوى زوبعة في فنجان. المصدر : العصر

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.