ذهبنا للنوم مساء الأحد على حزن جديد بمقتل 36 معتقلاً خلال ترحيلهم إلى سجن أبو زعبل، أو، وهم موجودن في سيارة الترحيلات، فالروايات متضاربة، واستيقظنا صباح الاثنين على حزن آخر بمقتل 24 من جنود الأمن المركزي في سيناء على أيدي مجهولين. كلا الحادثين مدانان، ومرفوضان، فالضحايا وعددهم 60 مدنيًا، وشرطيًا، هم مواطنون مصريون، ودمهم غالٍ، ونتعاطف مع أسرهم، ومع أسر كل الضحايا الذين يسقطون في المحرقة التي تلف الوطن كله. متى تتوقف محرقة جنودنا، وضباطنا، في سيناء، أو في أي مكان، فاستهدافهم يجعل المؤسسة الأمنية في موقف صعب، بين ضبط الجناة، والثأر للضحايا، وحفظ الأمن، وتعقب من يتربصون بأحد رموز هيبة الدولة، ولا أحد يمكن أن يعترض على ذلك، فمن يُقتلون يؤدون واجبهم في فترة شديدة الصعوبة في حياة البلاد، والاعتداء عليهم هو اعتداء على سلطة الدولة، وعلى كل مصري، ونخشى مع استمرار عمليات الاستهداف في سيناء أن تُقدم أجهزة الأمن على مزيد من الإجراءات الاستثنائية، بل القمع، لمواجهة ذلك العنف المتصاعد، أو قل الإرهاب، خصوصًا مع الربط بين ما يحدث في سيناء، وبين الأزمة السياسية المعقدة في القاهرة، وتداعياتها الخطيرة، ومنها بحار الدماء التي تسيل منذ عزل مرسي. أيضًا متى تتوقف محرقة القتل المرتبط بأزمة هي سياسية بالأساس، وحلها لن يكون إلا سياسيًا، مهما امتد العنف المقرون بها، ومهما كان عدد الضحايا، فالتظاهر، والاعتصام السلمي، حق مشروع كرسته ثورة 25 يناير، وهناك حتى اليوم اعتصام في التحرير لا يقترب أحد منه، ولم تقل الحكومة إنه يهدد الأمن القومي للدولة، ويزعج السكان، ويعطل مصالح الناس، ولا أدري هل ما زال باقيًا شيء من تلك الثورة نتحدث عنه، ونتشبث به، ونعتبره حائط صد؟ أتصور أنه لم يبق منها غير معانٍ جميلة، في خيال الثوار، والشعراء فقط. تلك المحرقة، متى تتوقف، وكيف، فالخاسر هو الشعب المصري، وقبله تماسك، ووحدة، وسلام، واستقرار الوطن، وانظروا إلى صورة مصر في الخارج منذ بدأ نزيف الدماء بعد 3 يوليو، فقد تضررت كثيرًا، فلم نكن نتوقع يومًا أن تكون أزمة داخلية مصرية على طاولة اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، أما في الداخل فإن العداء والكراهية يدمران السلم الأهلي، والعلاقات الاجتماعية، واللحمة الوطنية بين أبناء الشعب الواحد، وتسمع اليوم من يقول: اقتلوا هؤلاء حتى يتطهر البلد منهم، وهؤلاء ليسوا شخصًا، ولا ألفًا، إنما قد يكونون بالملايين، وأصحاب الأيدلوجيات والأفكار لا ينفع القهر والإقصاء في مجابهتهم، والتجربة في مصر نفسها مريرة، فلم يتحقق الهدف من اعتماد خيار القوة وحده في مرات سابقة، إنما لا بد من الحوار مع من ينبذ العنف، ولا يصر على انتهاجه، والحروب بين الدول وهي أعلى مراحل الصراع هدفها في النهاية الجلوس على طاولة التفاوض، وليس استمرار القتال. وهيبة الدولة ضرورية، وتثبيتها أكثر ضرورة، بعد الفوضى التي تعم البلاد منذ 25 يناير، ومن الجيد أن تستعيد الدولة هيبتها، لكن ليس بمنطق القوة غير المقيدة بالقانون، بل بتطبيق القانون بانضباط وحزم، وألا يكون القتل عشوائيًا، أو على الشبهة، أو على الهوية، فالقتل خلال الأيام الأخيرة خارج عن السيطرة، وهو قتل مقلق للغاية، يجعل كل إنسان يخاف أن يكون هدفًا سهلاً للرصاص من دون سبب، هذا لا يليق بالدولة، ولا بالنظام الحاكم الذي يريد استعادة الهيبة، وبث الأمن في نفوس المصريين. هيبة الدولة تتحقق بالعدل بين كل أبنائها، فهذا أجدى من فرضها بقوة مفرطة، العدل يعمق ولاء وانتماء الأفراد لبلدهم، ويدفعهم لاحترام سلطتهم العادلة التي لا تظلمهم، ولا تجحف بحقوقهم، ولا تفرق بينهم، أما الإطلاق السريع للرصاص على من لا يحملون سلاحًا، أو يتظاهرون بسلمية، ولا يخربون ويدمرون، فهو خطر عظيم يجعل المحرقة تدور من دون توقف. حياة كل مصري، حتى المعتقل، والمتهم، والمدان منهم، هو مسئولية السلطة التي يجب أن تكون مؤتمنة عليهم، لكن القتل المنفلت يثير الغضب، ويدفع للثأر، والعنف يولد العنف. مصر اليوم هي حديث العالم، لكنه حديث سلبي، وهذا ليس في صالح مصر، ولا يليق بمن يحكمونها، ولا بتطلعاتهم لتحقيق ديمقراطية، وعيش كريم للمصريين، ونأمل منهم أن يرمموا الصورة، ويفتحوا الباب للمصالحة الجدية حتى ينطلق قطار حل مشاكل وأزمات المواطنين، ولا شك أن السلطة تدرك أنه لا يمكن لجماعة مهما كانت، هزيمة أو تركيع الدولة، فلتكن السلطة وهي الأمينة على كل المصريين المعارض قبل المؤيد، حريصة على احتضان الجميع وحل الأزمة بالحوار والسلمية، فهذا مسعى تاريخي نبيل تحتاج له مصر اليوم بشدة وأكثر من أي وقت مضى. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.