اعتبرت مجلة "إيكونوميست" البريطانية أن افتقار الهند إلى ثقافة استراتجية يقف حجر عثرة في طريق طموحها بأن تصبح قوة عالمية. واستهلت المجلة تعليقا -بثته على موقعها الإلكتروني السبت- بالتنويه عن أنه لا يكاد يرد ذكر الصين حتى يتم ذكر الهند على أثرها، قائلة إنه مما لا شك فيه أن الصين لحقت بركاب القوى العظمى، حتى أن البعض بات يتحدث عن سباق بينها بين الولاياتالمتحدة، رغم أن هذا الحديث فيه نظر. وأشارت المجلة إلى أن السبب في هذا الاقتران بين اسمي الصين والهند ربما يعود إلى تشابه الدولتين في العديد من المحاور؛ كالتعداد السكاني الذي تجاوز في كل منهما المليار نسمة، وكذلك المستقبل الاقتصادي الواعد في كل، وكذلك في قيمة كل منهما كشريك تجاري، بالإضافة إلى تنامي القدرات العسكرية لكلتا الدولتين. ولفتت المجلة -في سياق هذه المقارنة- إلى تأييد الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ولو على مضض، لمطلب الهند للانضمام إليهم. لكن، "إيكونوميست"، تقول:يبقى ثمة فارق بين الدولتين وهو أن سطوع نجم الصين بات حقيقة واقعية، فيما لا يزال الكثيرون ينظرون إلى الهند باعتبارها "شبه قوة". ورأت المجلة البريطانية أنه على الهند عمل الكثير لكي تدخل في مصاف القوى العظمي، مشيرة إلى التميز الذي أحرزته في مضمار البرمجيات على الرغم من أنها أكثر فقرا من الصين كما أن اقتصادها أقل ديناميكية منها. ورصدت المجلة تبني الهند للعديد من القيم الغربية مع الحفاظ على هويتها الثقافية الغنية محل اعتزاز وباعثا على الثقة، مشيرة إلى سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان في الهند بما يضمن نزاهة موقفها ووضوحه ضد الأنظمة الوحشية حال تمكنها من الحصول على مقعد دائم بمجلس الأمن، على عكس الصين وروسيا اللتين تخفيان القليل من الخروقات على صعيدي سيادة القانون وحقوق الإنسان، بحسب المجلة. ورجحت "إيكونوميست"استطاعة الهند -حال حصولها على مقعد دائم- إحلال الأمن في جزء حساس من العالم لا سيما بما تمتلك من سواحل شاسعة وأسطول محترم يرقى إلى معايير حلف شمال الأطلسي "ناتو"، بحسب تقييم الولاياتالمتحدة التي تجري معها العديد من المناورات العسكرية.لكنها أضافت أنه على الرغم من المقومات الهائلة التي تمتلكها الهند بما يؤهلها لكي تصبح قوة داعمة للاستقرار ولنظام دولي قائم على احترام القانون، إلا أن هذا الأمر صعب التحقق على أرض الواقع. وساقت المجلة أحد أهم الأسباب التي تحول دون ذلك؛ وهو افتقار الهند لثقافة استراتيجية تمكنها من الاضطلاع بمثل هذا الدور الإقليمي. وعلى الرغم من ارتفاع حجم ميزانية الدفاع الهندية -وسط توقعات بأن تأتي في المرتبة الرابعة عالميا بحلول 2020- إلا أن الساسة والمسئولين في الدولة الهندية لا يولون مثل هذه الاستراتيجية الأمنية اهتماما كبيرا، إضافة إلى ما تعانيه وزارة الدفاع الهندية من قصور مزمن في الخبرة العسكرية. ونوهت المجلة في هذا الصدد عن تخلي الهند إبان التسعينيات في القرن الماضي عن النظرية الاقتصادية الفابية، لكن على الصعيد الدبلوماسي، أشارت "ذي إيكونوميست" إلى استمرار تشبث الهند -بعد 66 عاما من رحيل المستعمر البريطاني- بأيديولوجيات مثل "عدم الانحياز": حيث الغرب ليس أهلا للثقة. ولفتت المجلة إلى جنوح الهند دائما إلى السلم وهو ما يصب غالبا في مصلحتها؛ حيث عادة ما يتسم ردها على الاستفزازات بالتحفظ، مشيرة إلى عزوف الهند عن تصعيد نزاعاتها الإقليمية مع جارتيها الكبريين الصين وباكستان. وأردفت "إيكونوميست" بالقول إن الهند تستطيع البدء في رسم ملامح دورها المستقبلي إقليميا عبر تبني استراتيجية أكثر جدية وتدشين سلك دبلوماسي أكثر ملاءمة لقوة عظمى، سلك تتجاوز قوته ثلاثة أمثال السلك الدبلوماسي الحالي على الأقل. كما تحتاج الهند إلى وزارة دفاع أكثر حرفية واتحادا من الموجودة حاليا بحيث تستطيع التعاطي مع القيادة السياسية للبلاد، وقبل كل ذلك تحتاج الهند إلى التخلي عن أيديولوجية "عدم الانحياز" البالية، بحسب المجلة البريطانية. وخلصت المجلة إلى القول إن إمكانية أن تصبح الهند دولة عظمى ليس هو السؤال، إنما السؤال الحقيقي يكمن فيما إذا كانت الهند تريد ذلك بالفعل أم لا.