(القرض) كلمة تذكرك بالفأر وبالقوارض كلها ويقال عن الشىء إنه (مقروض) بما يعنى أنه ناقص أو أن أحدًا أكل من أطرافها ويقال عن الطفل قليل النمو إنه ولد (مقروض) بما يعنى أن تلك الكلمة تشير إلى النقص من الشىء ومع ذلك فلم يرد على مصر نظام سياسى إلا ولجأ إلى القروض فقد قامت الثورة المصرية ومصر دائنة لبريطانيا بمئات الآلاف من الجنيهات الذهب وجاء النظام العسكرى برئاسة الرئيس جمال عبد الناصر ليعلن أن مصر سوف تعتمد على نفسها وأنها سوف تتخلى عن سياسة القروض وأخذ الشعب المصرى يهتف ترحيبًا بتلك السياسة واندفعت الإذاعة المصرية ترحب بالتخلص من الاستعمار الاقتصادى والاحتكار الدولى (وقلنا هنبنى وآدى إحنا بنينا السد العالى) ومع ذلك فقد ترك عبد الناصر البلد وهو غارق فى الديون وكانت ديونه أكثر من ديون ذلك الخديوى الذى أقام احتفالًا تاريخيًا لقناة السويس وكنا ندرس ديونه على أنها جريمة فى حق مصر فلما ظهرت ديون عبد الناصر أدركنا أن مصر لم تكن مديونة من قبل ثم جاء وريثه السادات الذى شن حربًا على القروض وخطب خطابًا تاريخيًا فى تحرير الاقتصاد المصرى وعاهد الشعب على ألا تمتد يد مصر إلى القروض من جديد ونادى بالانفتاح الاقتصادى ورحب الشعب بذلك وأخذ يحلم بالغد السعيد ولكن الغد أبى أن يأتى إلا وعلى ظهره مئات الملايين من القروض ثم جاء مبارك والذى افتتح عصره بكلمات عن اليد الطاهرة واستقلال القرار الوطنى ولكن مبارك فعل مثلما فعل الفنان الراحل عبد الفتاح القصرى وقال (تنزل المرة دى) وبدأ يقترض بشراهة والديون بعضها فوق بعض والفوائد تزداد حتى فرض البنك الدولى وصايته على الشعب المصرى وألزمنا بسياسة الخصخصة فقام حسنى مبارك ببيع المصانع المصرية والأراضى المصرية والنفوس المصرية أيضًا واشتركت مصر فى حرب ضروس وكانت بالتحالف مع الجيش الأمريكى ضد الجيش العراقى وكان الثمن هو تنازل الدول الغربية عن أكثر من نصف ديونها لمصر ولكن سرعان ما عادت الديون أضعافًا مضاعفة بقروض فتح أبوابها الغرب وبفوائد مركبة وضعت مصر فى العشرين دولة الأخيرة من دول العالم اقتصاديًا وتنمويًا ثم قامت الثورة فى 25 يناير 2011 وتبارى السياسيون فى انتقاد سياسة القروض وفى الهجوم عليها وقبل أن تشكل الحكومة الأخيرة وقف كل خطيب وإعلامى على منبره يتحدى أمريكا ويطالب بإنهاء المعونة الأمريكية والقروض الأمريكية وسرعان ما مرت الأيام وأتت الحكومة القنديلية لتبحث فى أول قراراتها القرض المقدم من البنك الدولى بالمليارات الأمريكية وعلى رأى الست دى أمى (وكأنك يأبو زيد ما غزيت) فالناس كانوا يتوقعون شيئًا جديدًا فلأن الساسة قد صوروا له أن خلاصهم من الفقر سيكون على يدى أول حكومة تكون وليدة الثورة فإذا بأول حكومة تعيد إليهم الضريبة العقارية وتبحث رفع الدعم عن البترول وكأنها تنذر الناس بارتفاع جميع الأسعار التى هى قد ارتفعت أصلًا لأكثر من سبع مرات فى عام واحد ثم أكملت المصائب بمصيبة مناقشة العرض المقدم من البنك الدولى ليضاف إلى مئات المليارات من القروض مليارات جديدة وأنا أنبه الدكتور مرسى وأطالبه بألا يسمح لهذه الحكومة أن تكون صورة كربونية من حكومات الفشل السابقة وألا يسمح لها بتكرار الأخطاء وتكرار الديون وبهذه المناسبة فيروى أن رجلًا ذهب إلى الطبيب ليعالج خده الأيمن من حرق شديد فلما سأله الطبيب عن سبب الحرق روى له الرجل أنه كان يقوم بكى ملابسه فلما سمع صوت الهاتف أخطأ فوضع المكواة على خده ولكن الطبيب استفسر منه أيضًا عن سبب حرق الخد الأيسر أيضًا فأجابه الرجل (أصل التليفون ضرب تانى). وعجبى مختار نوح [email protected]