قال الكاتب البريطاني، ديفيد هيرست، إن القمة الإسلامية في إسطنبول حققت عددًا من الأهداف، حيث اتخذت قرارًا تاريخيًا بالاعتراف بالقدسالشرقية عاصمة لدولة فلسطين، مما يعرقل جهود إسرائيل الرامية إلى اعتبار المدينة المقدسة عاصمة موحدة لها. وكشف "هيرست"، في مقال له بصحيفة "ميدل ايست آي" البريطانية، عن الضغوط التي مارسها الرئيس عبد الفتاح السيسي، على نظيره الفلسطيني، محمود عباس، وملك الأردن، لعدم حضور القمة؛ للتقليل من أهميتها، وإحباط أهدافها. إسطنبول تضع الأسس لإعادة تنظيم الدول العربية وصف الكاتب، إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، القدسالشرقية عاصمة لفلسطين، ب"الكرة الدبلوماسية الثقيلة"، والتي بالتأكيد ستدور بشكل مستقل عن إرادة إسرائيل أو أمريكا، ويمكن أن تصل إلى آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، وهو ما سيصعب على الدول الأخرى أن تنقل بهدوء سفاراتها إلى المدينة. وقد وضعت القمة مرة أخرى "فلسطين" في قلب العالم الإسلامي؛ بعد سبع سنوات من الربيع العربي، وموجة الثورات الشعبية التي اجتاحت المنطقة في عام 2011، وحكم تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، ونتيجة لذلك انحسر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الأساسي عن المشهد العربي. الأهم من ذلك أن إسطنبول وضعت الأسس لإعادة تنظيم الدول العربية، وقد شهدت القمة، عملية تمرد قام بها زعيمان عربيان مؤيدان للغرب، هما الملك عبد الله الأردني ومحمود عباس الرئيس الفلسطيني ضد حلفائها التقليديين في واشنطن. فالرئيس السابق هو رئيس الدولة العربية الثانية التي تعترف بإسرائيل، وهذا الأخير هو الزعيم الفلسطيني الذي كرّس حياته للتفاوض على حل الدولتين الذي لم يعد قائمًا الآن. كيف ضغط "السيسي" على "عباس"؟ في المقابل، وإدراكًا لأهمية ما كان على وشك أن يحدث في إسطنبول، فإن مصر بذلت جهودًا مضنية لوقف "عبد الله" و"عباس" من الذهاب إلى القمة، وكما ذكر، تم استدعاء "عبد الله" و"عباس" لعقد اجتماع عاجل في القاهرة، ولكن "عباس" وحده من ذهب. وأكد الكاتب، أن مصادر مطلعة أبلغته، شريطة عدم الكشف عن هويته، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي ضغط على "عباس" حتى لا يرأس الوفد الفلسطيني إلى إسطنبول، وبالتالي يقلل من أهمية المؤتمر. ولمساعدته على رفض دعوته إلى إسطنبول، انتشرت أخبار مزيفة بأن "عباس" قد أصيب بالسكتة الدماغية، ولكن عباس تجاهل الرد على ذلك. وفي الوقت نفسه اُستدعي الملك عبد الله إلى الرياض، وهناك مرة أخرى أبلغ بعدم حضور القمة في إسطنبول، وبقي الملك عبد الله لبضع ساعات في الرياض ثم غادر إلى إسطنبول. وعلى الرغم من كل هذه المحاولات، قدّم الرجلان عرضًا عامًا لتحديهما هذه الأوامر من خلال الوقوف جنبًا إلى جنب مع الرئيس التركي الإسلامي رجب طيب أردوغان في صورة المجموعة. وقال "عبد الله"، في كلمته: "أكرر أن القدس هي خطنا الأحمر، وأن الحرم النبيل ينتمي إلى الأبد للمسلمين، ولن نتخلى أبدًا عن مطالبتنا بدولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة، ولا يمكننا أن نكون متفرجين في هذا الوضع لأنه يؤثر على كل مستقبلنا". وفي القمة، ألقى عباس أعظم خطاباته طوال فترة حكمه، بحسب الكاتب البريطاني، إذ اتهم أمريكا بإفساد الجهد الذي ظل يبذله طوال حياته في محاولة إقامة حل الدولتين، وقال إنَّ قرارها تخطى جميع الخطوط الحمراء. وكشف أنه كان يربطه اتفاق شرف مع واشنطن على عدم السعي إلى إقامة دولة مستقلة أو الانضمام إلى المنظمات الدولية قبل التوقيع على اتفاق سلام دائم، لكنَّ واشنطن أخلفت وعدها؛ وهذا يعني أن فلسطين ستكون حرة في رفع قضية ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية. وثالثاً، قال عباس إنَّه سيتقدم بشكوى ضد الولاياتالمتحدة أمام مجلس الأمن الدولي لانتهاكها أحد قراراته، وهو إجراء لا يمكن للولايات المتحدة نفسها التصويت ضده. فعل من أفعال الخيانة يعي "عباس"، حدة التنافس بينه وبين حماس جيدًا، وحاول مرارًا إخراج فتح من حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، لذا يتساءل هيرست: "ما الذي دفع كلا الرجلين إلى إسطنبول، وإلى مؤتمر يعرفان أنَّه قد يغير خريطة التحالفات في المنطقة كلها؟". ويعود ليجيب قائلاً: إن الدافع لابد أن يكون أمراً قويًا ليتغاضي كل منهما عن نفوره الطبيعي من التحالف مع الإسلاميين. ويوضح أن كلا الرجلين لجآ إلى الزعيم الأكثر شعبية في المنطقة وفقاً لاستطلاعٍ أجراه مركز بيو الأمريكي للدراسات، وإلى أن تركيا التي ينظر لها باعتبارها الفاعل الإقليمي الأكثر تأثيراً في المنطقة بعد روسيا. ولعبت السياسات المحلية دورها في هذا الموقف، فكلاهما علم أن الغضب في شوارع بلادهما كان حادًا، إذ شهدت عمان أكبر مظاهرات في شوارعها منذ عقود، وأكثر من نصف الأردنيين هم من اللاجئين الفلسطينيين، بمن فيهم النازحون من القدس عقب حرب 1967، وأغلبية المواطنين في عمّان إما لاجئون فلسطينيون أو فلسطينيون حاملون للجنسية الأردنية. ورأى كلاهما أن اعتراف "ترامب" بالقدس عاصمةً لإسرائيل هو نوع من الخيانة السياسية، بحسب الكاتب البريطاني. وبالنسبة لعباس، كانت هذه خيانة لاتفاقٍ شفهي مع واشنطن بعدم رفع قضية فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية حتى الوصول إلى تسويةٍ نهائية. أما بالنسبة للملك عبدالله فلم تكن الخيانة أقل مفاجأة من نظيره، فدور الأردن في الوصاية على الأقصى ليس وديًا، بل مكتوب في معاهدات السلام، لاسيما معاهدة وادي عربة التي وقعها الملك حسين مع إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي عام 1994. وبالمثل، حين أعلن الملك حسين في 1988 إنهاء ارتباط الضفة الغربيةبالأردن، والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً وحيداً للشعب الفلسطيني، أصر على أن تستمر الأردن في الوصاية على الأقصى. الجانب الخاسر اختيار عبد الله الموقف المعادي لواشنطن يحمل مخاطره الخاصة، قد يقول المتشككون، إنه كان بإمكانه عدم اختيار الجانب الخاسر مرة أخرى، إذ يملك التحالف المقابل الذي يضم الإمارات، وأمريكا، وإسرائيل الثروة، والسلطة العسكرية، والتطور التكنولوجي، وتشكل أطراف التحالف معًا جبهة قوية. واختتم الكاتب مقاله، معقبًا، أن أسوأ جزء من تصريح "ترامب" للأردن هو إصراره على أن الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل يعكس الواقع، لم يزعج "ترامب" الشرعية والقانون الدولي والمعاهدات وقرارات الأممالمتحدة، وكلها رفضت قبول ضم إسرائيل للقدس الشرقية. وأردف الكاتب: "للمرة الأولي، إذ إنه لم أفكر أبدا أن أكتب هذا، لكن الملك عبد الله والرئيس عباس استحق هذه المرة مكانتهم كقادة للعرب".