كان يفترض أن تستضيف اسطنبول هذه الأيام أكبر مؤتمر دولي يضم باحثين ومتخصصين في العلوم السياسية World Congress of Political Science، الى أن وصلتنا رسالة اعتذار قبل أربعة شهور ( 11 مارس) من إدارة الجمعية العالمية للعلوم السياسية IPSA (الجهة المنظمة للقاء) بالاعتذار لأسباب أمنية، وأن المؤتمر سينقل لمدينة أوروبية، وتحددت في مدينة بوزنان/بولندا حيث يعقد المؤتمر حالياً. قرار نقل مكان المؤتمر هو الأول بتاريخ مؤتمرات المنظمة التي انطلقت من عام 1950، وكان يشكل صدمة بعد أن بذل الأكاديميون الأتراك وجمعيتهم المتخصصة في العلوم السياسية جهوداً كبيرة لا ينكرها أحد بالتجهيز لهذا اللقاء منذ أكثر من عام لاستضافة ما يقرب من ثلاثة آلاف مشارك من مختلف دول العالم. تنوعت ردود الأفعال لهذا القرار بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا بمنتصف شهر يوليو/ تموز بين من أثنى على بعد نظر الجهة المنظمة، والحس المستقبلي لدى القائمين عليها، وبين من شكك بوجود ارتباطات أمنية لمثل هذه الجهات. شخصياً، لم أر غرابة في هذا القرار فالجمعية تضم بالطبع أساتذة متخصصون متابعون للأحداث الدولية، وأن عدم استقرار سياسي كان يلح بالأفق في تركيا منذ أكثر من عام! التقيت في المؤتمر السكرتير العام للجمعية الكندي Guy Lachapelle، وربما صاحب أكبر تأثير في قرار النقل، فسألته عن ما وراء الكواليس، ولا سيما أن انتقال المؤتمر من اسطنبول قلص من عدد الحضور و هو ما ليس بمصلحة الجمعية المنظمة لهذا التجمع! كان السكرتير العام صريحاً أنه منذ الإعلان عن استضافة تركيا اللقاء وصلتهم ردود أفعال سلبية رافضة من عدة مشاركين، زادت مع بعض الأحداث مثل التفجير الانتحاري مطلع عام 2016 بحي السلطان أحمد السياحي باسطنبول مما أدى لمقتل عشرة معظمهم من الألمان، وثم تفجير انقرة في فبراير/شباط 2016 الذي ذهب ضحيته 28 شخصاً، وكل هذا جعل بعض المشاركين الالمان ومؤسساتهم بالإعلان صراحة بالاعتذار عن المشاركة بالمؤتمر في حال تم عقدة باسطنبول كما هو مقرر! وكما أضاف انه عادة ما يتم وضع خطة بديلة، ولا سيما أنه يدّرس مادة "إدارة المخاطر" Risk Management، وكما أن أحد الباحثين لديه كان يتابع الشأن التركي، والأماكن البديلة وتقديم ملخصات له، والتركيز على الجانب الأمني لضمان انعقاد المؤتمر، وحفظ سلامة المشاركين. مع بدء انطلاق المؤتمر الذي يستمر خمسة أيام، برز الحديث مجدداً عن انتقال المؤتمر، ولكن الحديث الأكثر تكراراً وإثارة خارج سياق البحوث وأوراق العمل هو منع أكثر من مائة أكاديمي تركي من السفر والمشاركة في المؤتمر، وهو ما كان يثير المستمعين على الحكومة التركية، وربما شخصية الرئيس أردغان تحديداً! حسب الاعلان الرسمي للمنظمة، فقد تم الانفراج قليلاً، والسماح لبعض الاكاديميين بالسفر، وهو ما قدرته المنظمة في بيانها مع التذكير بالحريات الاكاديمية. http://www.ipsa.org/news/news/ipsa-statement-academic-freedoms-turkey لم يكن تفهم منع السفر وضرورة استكمال التحقيقات تبعا للظروف التي تشهدها تركيا بعد محاولة الانقلاب الفاشل مقنعاً لشريحة واسعة هنا أو على الأقل ذات الصوت العالي، والتي تنتمي أغلبها لجنسيات دول وإعلام معاد للتجربة التركية، وشيطنة كل ما له علاقة بالإسلام السياسي. مع أهمية وضرورة ما يجري بتركيا من تطهير شامل بعد محاولة الانقلاب الفاشل، إلا أني أتمنى أن لا تستمر الحكومة التركية بهذا المنع ليشمل مجموعة كبيرة من غير العسكريين كعلماء سياسية واساتذة جامعات ومتخصصين، وأن تسير هذه الإجراءات جنباً الى جنب مع تكتيكيات معاصرة في اقناع الرأي العام المحلي والعالمي بها، ولا سيما مع مواجهة اعلام وسياسات دول كشفت عن الازدواجية بصمتهم عن محاولة الانقلاب.