شهر رمضان الكريم هو أحد مصانع السعادة الكبرى في حضارتنا العظيمة، وسعادة رمضان سعادة للسماء كما هي سعادة للأرض، أما في السماء فلأنه شهر التوبة، والتوبة عطر السعادة الإلهية، حتى إن الله تعالى ليفرح بها أشد الفرح، فعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض، فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" (مسلم في صحيحه).. ومن المعلوم أن الناس أشد توبة في رمضان وأسرع إنابة إلى الله وأكثر خشوعا وتعبدا لله من غيره من الشهور، فكان رمضان فرحا في السماء حتى إذا كانت ليلة القدر تهللت الملائكة ونزلوا في مواكبهم يحيطون بالذاكرين والمصلين والراكعين والساجدين ويسلمون عليهم "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ* تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" (سورة القدر: 3-5). وأما سعادة الأرض، فالغريب فيها أنها سعادة عامة للجميع... يستشعرها الأطفال في أغانيهم وملابسهم وحلواهم والإغداق عليهم، كما يستشعرها الكبار بهجة وسرورا وتآلفا ومأكلا ومشربا واجتماعا على الصلاة والتلاوة والذكر والطاعات .. بل أعجب من ذلك أن ترى هذه السعادة في وجوه غير المسلمين، وهم يهنئونك "رمضان مبارك .. رمضان كريم.. كل عام أنتم بخير" تعرف صدى هذه الفرحة في عيون التجار والصناع، مسلمين وغير مسلمين، وهم ينتظرون رواج رمضان وربح رمضان، وفي عيون الجيران، مسلمين وغير مسلمين، وهم ينتظرون مجيء الأعياد وقدوم الهدايا بل تعرف هذه السعادة البيوت والحيطان والأرصفة بنشر الزينة والإضاءة والألوان والفوانيس في البيوت والشوارع وتبادل الجارات الأحاديث الجميلة من النوافذ بعد منتصف الليل مترعة بالدعوات المباركة والأمني السعيدة... إنها سعادة رمضان تحيط بالإنسان والجماد .. وهذه بعض مظاهرها نعرفها جميعا وهي مظاهر ملموسة ومادية.. ولكن لرمضان مظهر آخر تجتمع فيه الروح والمادة، حيث تجد الناس حريصين في رمضان على إسعاد الآخرين، ومستعدين لمساعدة الآخرين، تجد الشباب على الطرق عند وقت الإفطار يهرع لتقديم العصير والماء والوجبات الخفيفة، وترى الأهل يتذكر بعضهم بعضا ويصل بعضهم بعضا، والأصدقاء يهدي بعضهم بعضا، والجميع مشغول بصناعة السعادة وما أجملها من سعادة.. والسعادة أعظم إنجاز إنساني يمكنك أن تهديه للبشرية وهي أعظم العبادات الربانية، فهي فرض ديني وواجب إنساني وخلق حضاري وصناعة رمضانية.. ترى السعادة تجري فرحا في يد الغني وهو يهمس إلى الفقراء بالإحسان وساعد الشاب وهو يكرم الشيخ بالمعونة، ومسارعة الموسرين إلى دفع الدين عن الغارمين، وتجهير اليتيمات للزواج، ومساعدة المرضى على الدواء والعلاج.. ولا تعجب عندما ترى البسمة على وجوه المحسنين ووجوه أخوتهم المحتاجين.. فرمضان.. وعلى الرغم من أن هذه الأنشطة مطلوبة طوال العام؛ فإن لها نشاطا وزخما في رمضان وكأن رمضان يمنحها من روحه الجميلة حياة وجمالا ومن سخائه وقوته قوة وسخاء.. وعلى المسلم الحقيقي أن يعلم أن المشاركة الاجتماعية والعمل التطوعي واجب ديني، وأن بناء صروح السعادة أحب الأعمال إلى الله، فعن عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجلا جاء إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم؛ تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد (مسجد النبي الذي تعدل الصلاة فيه خمسمائة صلاة) شهرا، ومن كظم غيظا، ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثبت الله تعالى قدميه يوم تزل الأقدام (الطبراني وابن أبي الدنيا).. ولا نزال ننتظر مزيدا من منتجات السعادة، نريدكم أن تنتقلوا بها إلى المستشفيات وتنشروها بين المرضى وتزوروا بها دور رعاية الأيتام والمسنين وبيوت الفقراء والعائلات المبتلية...تعلموا إهداء السعادة حتى تجدوا السعادة وامنحوها لأبنائكم وأزواجكم وأمهاتكم وآبائكم وزملائكم وأصدقائكم وجيرانكم، ولا تنسوا نصيب السائحين والغرباء واللاجئين في بلادنا، ولا تغفلوا عن نصيب البائعين في السوق، والمارة في الشوارع، والموظفين في أماكن العمل والمرافق العامة والإنسان في كل مكان... اصنعوا السعادة واستمتعوا بها، فهي من موجبات المغفرة وأحب الأعمال إلى الله.
* جامعة الأزهر. عضو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية