«حكومة أولاند» ترفض سيناريو «عمل إرهابي» وتروج لخلل فني خوفًا على «يورو2016» لم ينه الإعلان عن وصول سفينة فرنسية مزودة بأجهزة متخصصة في التقاط إشارات الصندوقين الأسودين للطائرة المصرية المنكوبة في مياه المتوسط إلى شواطئ الإسكندرية، حالة التوتر التي تشوب العلاقات المصرية الفرنسية حاليًا. وبعد مرور أسبوع على سقوط طائرة "مصر للطيران" - وهي من طراز إيرباص إيه 320 - في البحر وعلى متنها 66 شخصًا، بينهم 30 مصريًا و15 فرنسيًا ليس لدى المحققين صورة واضحة بعد عما دار في اللحظات الأخيرة قبل سقوطها. وتستبعد فرنسا فرضية العمل الإرهابي بشكل واضح، وتروج لسيناريو أن الكارثة حدثت لسببين: الأول أن يكون ناجمًا عن خلل فني، أو أن يكون قائد الطائرة المصرية قد تعمد إسقاطها أو انتحر على الأقل وهو الموقف الذي تبنته وسائل إعلامية دولية، من بينها شبكة "CNN" الأمريكية. إلى ذلك، قال مصدر بلجنة التحقيق في حادث سقوط الطائرة، الجمعة، إن سفينة فرنسية مزودة بأجهزة متخصصة في التقاط إشارات صناديق الطائرات السوداء وصلت إلى المنطقة التي يعتقد أن الطائرة سقطت بها. وذكر موقع شركة "ألسيمار" الفرنسية على الإنترنت أن "ألسيمار" - وهي وحدة تابعة لمجموعة "ألسين" الصناعية الفرنسية - توفر أجهزة تشمل ثلاثة أنظمة رصد من نوع (ديتكتور-6000) المصممة لالتقاط إشارات الصناديق السوداء على مسافة تصل إلى خمسة كيلومترات. وقال المصدر: "الشركة الفرنسية ستتولى البحث في أعماق المتوسط في أربع أو خمس مناطق داخل نطاق خمسة كيلومترات يتوقع وجود الصندوقين الأسودين فيها مع توسعة المساحة في حالة عدم التقاط الإشارات الصادرة من الصندوقين". وتروج فرنسا لفرضية العطل الفني، مدفوعة برغبة محمومة بالنأي بنفسها عن وجود خلل أمني سمح لإرهابيين بزرع قنبلة داخل الطائرة، حتى لاتضع سمعتها كدولة آمنة على المحك، لاسيما أن عام 2015 وفي بداية العام الحالي شهد العديد من العمليات والتفجيرات، منها اقتحام مجلة "شارل إبيدو"، وتفجيرات ملعب الأمراء بباريس التي خلفت عشرات القتلى، وعملية نوعية في أحد المسارح، ما دفع الرأي العام الفرنسي إلى وصف ما حدث في باريس في نهاية العام الماضي ب "11سبتمبر أوروبية". وتستعد فرنسا لتنظيم كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم "يورو 2016"، الأمر الذي تخشى معه من كارثة أمنية متى ثبت نجاح إرهابي في اختراق كل التدابير في مطار "شارل ديجول"، وزرع قنبلة في الطائرة المصرية، ما قد يفتح الباب أمام تشكيك واسع النطاق في قدرتها على ضبط أمنها وتأمين سلامة ملايين الأوروبيين القادمين لمشاهدة البطولة، فضلاً عن الأضرار الفادحة لهذه الفرضية على صناعة السياحة في فرنسا في وقت يشكو الاقتصاد الفرنسي من حالة انكماش ملحوظة منذ عدة سنوات. إلى ذلك، يجري الجانبان المصري والفرنسي اتصالات مكثفة لتطويق التداعيات السلبية لحادث سقوط الطائرة، وسط محاولات من باريس لإقناع القاهرة بالكف عن الحديث عن عمل إرهابي، ما قد يكلفها مئات الملايين من الدولارات كتعويضات للضحايا، ويضر بسمعتها الدولة، مقابل تقديم للقاهرة في ملفات عدة، منها الملف الليبي، والتدخل لإنهاء أزمة الشاب الإيطالي جوليو ريجيني. واستقبل الرئيس عبدالفتاح السيسي الثلاثاء الماضي، وفدًا من البرلمان الفرنسي برئاسة النائب فيليب فوليو الرئيس التنفيذي لتحالف الوسط، ورئيس مجموعة الصداقة المصرية الفرنسية بالجمعية الوطنية. واعتبر محللون زيارة الوفد الفرنسي، محاولة لقطع الطريق على أي تحركات مصرية من جانب واحد قد توجه تحقيقات سقوط الطائرة وجهة معينة تضر بفرنسا، في الوقت الذي ترجح فيه القاهرة وحتى قبل انتهاء التحقيقات سيناريو العمل الإرهابي. ويراهن الطرفان على عامل الوقت وتعقيدات حادث سقوط الطائرة للوصول لصفقة تحول دون تصاعد الأزمة، كما يؤكد الدكتور عاطف سعداوي الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية ب "الأهرام". إذ قال إن "أزمة طائرة مصر للطيران لازالت تراوح مكانها بين سيناريوهين أولها مصري يرجح فرضية العمل الإرهابي، مقابل محاولة قفز فرنسا إلى فرضية الخلل الفني دون انتظار نتيجة التحقيقات، وحتى قبل العثور على الصندوقين الأسودين بشكل يؤكد أن الأزمة مرشحة للتصاعد والاستمرار لفترة شأنها شأن الطائرة الروسية التي تحطمت في أجواء شرم الشيخ". ولم يستبعد إمكانية وصول الطرفين لتسوية وسط يتم بموجبه استبعاد فرضية العمل الإرهابي، مقابل انحياز باريس للقاهرة في عدد من الملفات، منها الملف الليبي وأزمة "ريجيني" مع إيطاليا، أو أن تستخدم فرنسا ثقلها لدى نادي باريس وصندوق النقد الدولي لمنح القاهرة قرضا بشروط ميسرة لإقالة الاقتصاد المصري من عثرته، فضلاً عن دعم فرنسي مفتوح للحرب المصرية علي الإرهاب. من جانبه، قال السفير عبدالله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن العلاقات المصرية –الفرنسية تمر بحالة من البرود غير المسبوق في ظل تضارب المصالح فيما بينهما، فيما يتعلق بسقوط الطائرة، ففرضية تعرض الطائرة لعمل إرهابي يضر بشدة بمصالح فرنسا، ويقدمها للعالم على أنها دولة عاجزة عن مواجهة الإرهاب، لذا ستكثف باريس ضغوطها على القاهرة لاستبعاد هذه الفرضية مع القبول بأي تسوية قد تحفظ للقاهرة ماء وجهها. وقلل الأشعل من أهمية زيارة وفد جمعية الصداقة المصرية الفرنسية، قائلاً: "هذا الوفد غير رسمي ولا يجب أن نحمله ما لا يحتمل وقد تكون زيارته للقاهرة وفق دعوة سابقة لسقوط الطائرة بشكل لا ينبغي التعويل على هذه الزيارة كثيرًا، رغم التأكيد على حرص القاهرة على الإبقاء على شعرة معاوية بين البلدين في ظل الحاجة الماسة لدورهم في قضايا مصيرية تهم البلدين".