للصحفيين.. اعرف مكان لجنتك الانتخابية عبر ال"sms"    وزير التعليم من بورسعيد: تصنيع التابلت محلياً و إنشاء 30 مدرسة في دول حوض النيل    بطولة الأمم حدوتة مصرية!    113 مليون يورو من الوكالة الفرنسية لدعم المشروعات الصغيرة والتأمين الصحي    انطلاق مباراة الأهلي والداخلية في الدوري الممتاز    قرار وزاري بترقية درجة رئيس جهاز تعمير سيناء إلى الممتازة    محافظ الدقهلية يدشن حملة للتشجير من مدرسة أحمد زويل بالمنصورة    الصين تفتح ذراعيها لاستيراد الحاصلات المصرية    الجبير يفتتح المبنى الجديد للسفارة السعودية في الهند    الرئيس لنواب عموم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: سيادة القانون أساس الحكم.. والعدل أسمي القيم الإنسانية    بوتين: الخلافات بين موسكو وواشنطن يجب ألا تكون سببا لأزمة جديدة    التلفزيون الياباني: ترامب يزور طوكيو في مايو القادم    مؤسسات حقوقية تطالب بوقف اعتداءات الاحتلال على"الأقصى"    شاهد.. الزمالك يتعثر امام طلائع الجيش وينعش أمال الأهلي في استعادة القمة    في اجتماع مع مدبولي وصبحي السيسي يوجه بالتنسيق لخروج «الأمم الإفريقية» بالصورة المثلي    غدا.. نظر طعن المتهمين بقتل الصحفية ميادة أشرف    مياه البحر الأحمر نشارك بقوة في استعدادات بطولة العالم للتايكوندو    الإرهاب.. والشقق المفروشة!!    السجن 3 أعوام لصاحب شركة مقولات في الإسكندرية لتزوير محرر رسمي    د. معجب الزهراني مدير عام معهد العالم العربي بباريس في حوار خاص ل »الأخبار«: المعهد يخدم الثقافة العربية أكثر من أي وزارة    "فبراير الكويت" يفتح مسرحه لحفل أنغام    بالزغاريد .. هبه الطوبجي تسترجع حفلها بالقاهرة    مصر آسيوية.. أبرز المعلومات عن مهرجان شرم الشيخ للسينما الآسيوية‎    22 ألف مواطن تلقوا الخدمة الطبية بالمجان عبر 18 قافلة    محافظ القليوبية يتفقد مستشفي بهتيم للجراحات التخصصية    تحريات "قنبلة مدرسة إمبابة": ولي أمر صنع "عبوة وهمية" من عصا مكنسة    محمود عباس يرفض تسلم الرسوم العائدة للسلطة منقوصة من إسرائيل    الخرباوى: لجان إخوانية تركية وراء سرقة حساب ابنة الشهيد هشام بركات    وزير الداخلية يزور مصابي حادث الدرب الأحمر    سلمى علي تتأهل إلى نهائى بطولة إفريقيا للباراتايكوندو    27 فبراير.. علي الحجار يحيي حفله الشهري على مسرح ساقية الصاوي    "الأوقاف" تفتتح 25 مدرسة قرآنية جديدة بالمجان.. تعرف على التفاصيل    "الأرصاد" تحذر من الشبورة وسقوط الأمطار على السواحل الشمالية غدا    بالأسماء.. إصابة 9 في حادث تصادم بين سيارة شرطة وأخرى ميكروباص بسوهاج    اختلفا على سعر الهيروين.. الإعدام لسائق بعد اتهامه بقتل تاجرة مخدرات بالوراق    استاذة علم اجتماع: على الاسرة تربية أبنائها ليكونوا أزواجا ناجحين.. فيديو    ساري عن دور كانتي في مركزه القديم: ليس جيدا بما يكفي    وزير تعليم السودان: ملتقى الجامعات تأخر والنسخة الثانية منه في الخرطوم    شاهد.. أجمل إطلالات نرمين الفقي في الآونة الأخيرة    صافيناز: «الرقص الشرقي باظ»    الفريق مميش يشهد توقيع 8 شركات مذكرات نوايا مع مركز الصادرات الروسي    اليونسكو: العدالة الاجتماعية مبدأ أساسي للتعايش السلمي داخل الأمم    بيكيه يسخر من شكوى ريال مدريد المتكررة من الحكام    بالصور.. المتحدث العسكري يعلن جهود قوات مكافحة الإرهاب بشمال سيناء (نص البيان)    الإفتاء: ترويج الشائعات إثم يُشيع الفتنة    دوري أبطال أوروبا.. محركات سواريز معطلة خارج كامب نو    علي ربيع ينشر أول صورة له من كواليس "فكرة بمليون جنيه"    بالخطوات طريقة عمل التشيز كيك بالفراولة    الجزائر تفوز على السعودية 20-19 فى بطولة البحر المتوسط لكرة اليد    العاملون ب«السيوف وبوليفار» للغزل يعلنون تأييدهم للتعديلات الدستورية    الإفتاء: مجاهدة النفس وأداء الحج وقول الحق جهاد في سبيل الله    الأحد.. بدء حملة للتطعيم ضد شلل الأطفال بالمنيا    الرئيس الفنزويلى مادورو: لماذا لا يدعو جوايدو إلى انتخابات    ماذا نفعل عند السهو فى صلاة الجنازة ؟    صناع الخير والتضامن يطلقان أولى قوافل الكشف الطبى على أطفال بلا مأوى    10 مصريين يحصلون على 1.2 مليون جنيه مستحقاتهم بشركة سعودية    محمد نجيب يبدأ تدريبات الجري بمران الأهلي    النائب العام السعودي: الجرائم أصبحت عابرة للأوطان.. ويجب التعاون بين الدول لمواجهتها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فى فِقه الدهشة... وقتلها!
نشر في المصري اليوم يوم 20 - 01 - 2019

وعدتُكم «الخميسَ» الماضى فى عمودى هنا، بأن أحكى لكم حكايتى مع «الدهشة». الحكايةُ بدأتْ بحيلةٍ طفولية علّمنى إياها أبى، تتلخّصُ فى: «الاحتفاظ بالدهشة»، و«قتل التعوّد». بشىء من الخيال، اخلقْ مسافةً بينك وبين الأشياء، حتى تراها بكرًا، وكأنك تراها للمرّة الأولى. أدركتُ الفلسفةَ المحترمة التى قصدها أبى، فآمنتُ بها وجعلتها مبدأً راسخًا فى حياتى أطبّقه وأتمرَّنُ عليه كلَّ يومٍ لئلا أفقده وسط زحام الحياة. المبدأ: كبحُ الاعتياد. عدم الاعتياد على القبيح، وعدم الاعتياد على الجميل. فحين أرى سلوكًا قبيحًا يكرره معظمُ الناس، حتى صار يوميًّا وطبيعيًّا، لا أسمحُ لنفسى بأن أراه مثلهم: «طبيعيًّا» و«يوميًّا». بل أظلُّ أندهشُ من حدوثه كأننى أراه للمرة الأولى، فأقاومه. وحين أرى شيئًا جميلا، اعتاده الناسُ، حتى أصبحوا لا يلمحون فيه أى جمال، أمنع نفسى من الاعتياد عليه، لكى أظلَّ أراه «مدهشًا» كلما لمحتُه. إن شاهدتُ شخصًا يرمى ورقةً فى الطريق، أوقفه وأعنّفُه كأنه الإنسانُ الأول فى التاريخ الذى يرتكب تلك «الخطيئة». وإن صادفتُ زهرةً، أتحسَّسُ ورقاتها باندهاش، كأنها المرةُ الأولى التى أرى فيها تلك المعجزة الكونية الهائلة: «الزهرة»، فأقبض على متعة الدهشة الأولى. لو لم تندهش من القبح، لن تقاومه، وقد ترتكبُه مع الأيام. ولو لم تندهش من الجمال ستفقدُ بهجة مشاهدته مع الوقت، فيصيرُ عاديًّا. أتعمّدُ أن أخلقَ مساحةً تفصلنى عن الأشياء حتى أراها بوضوح، بدون حجاب «العادة». فيظلُّ الجميلُ مدهشًا، ويظلُّ القبيحُ بغيضًا. فأبتهج بالأول، وأقاوم الثانى.
سمعتُ أغانى فيروز آلاف المرّات. ولكننى كلما سمعتُها تقول: «حبيبى بِدّو القمر والقمر بعيد»، أندهشُ من عبقرية كلمات ترسمُ (صَبيّةً تصعدُ فوق سطح البيت، وتسهر عشرَ ليال، حتى تسرقَ القمرَ لحبيبها. وتخافُ أن تنعسَ فينزلُ القمرُ وهى غافيةٌ، وتسرقه جارتُها، وتعطيه لحبيبها، فيُحبُّها، وينسى حبيبتَه الأولى التى ثابرت لتهديه القمر!)، أى أسطورية فى الكلمات، والصور، والموسيقى والغناء؟!، أى طفولةٍ مدهشة كتبت ذلك الإعجاز!، لو سمعتُ تلك الأغنية للمرة المليون، سيظلُّ اندهاشى من عزوبتها، بنفس قدر الاندهاشة الأولى.
يقول الإنجليزُ: «الأرستقراطى هو الشخصُ الذى لا يُبدى دهشتَه لما يرى. فالدهشةُ بدائيةٌ وفقرٌ فى الثقافة والتحضّر». وأنا، وفق ذلك التعريف الكلاسيكى المحافظ، أبعدُ الناس عن الارستقراطية والثقافة. فأنا أُدهشُ لأمور قد لا تُدهشُ الطفلَ من فرط تكرارها. أندهشُ كلما شاهدتُ شخصًا يمسكُ قلمًا ليخطَّ شيئًا على ورقة، أو طبشورًا يكتب به على سبّورة!، ذلك الشخصُ الآن يُحوِّل شيئًا غامضًا فى رأسه، اسمه «فكرة»، إلى رموزٍ وأشكال اسمها: «حروف»، ثم يرسم تلك الأشكال بأداة صغيرة فى يده اسمُها: «قلم»، ويسكبها فى وعاء اسمه: «ورقة». فيأتى شخصٌ آخرُ من مكان بعيد، يعثر على تلك «الورقة»، وينظر فى تلك «الحروف»، فيشاهدُ ما فى دماغ الشخص الأول!، معجزةٌ حقيقية، عابرةٌ للزمان والمكان. فأنت حين تفتح كتابًا وتقرأ مسرحية لشكسبير، فكأنما تتلصَّصُ على عقل رجل مات منذ خمسة قرون!، هى المعجزةُ ذاتُها التى ستجعلكم ترون ما فى عقلى الآن، يوم نشر هذا المقال «الاثنين»!، والمشكلةُ عندى، أو قُل: «النعمةُ»، هى أننى لا أفقد الدهشةَ مهما تكرر الأمرُ أمامى آلاف المرات، بسبب تعطُّل التراكم المعرفى لدى. وذلك التعطيلُ عمدى متعمَّدٌ ومقصود. إنها محاولة التشبّثُ ب«الدهشة»، التى أعتبرُها خيطَ الفرح الذى يربطنا بالحياة. احسبوا معى كم سأفقدُ من بهجة لو توقفتُ عن الدهشة كلما شاهدتُ قلمًا يكتب؟!، وقيسوا على هذا آلافَ الأشياء. فإذا جلستَ أمام مروحة، بوسعك أن تتخيل نفسك أحدَ ملوك فرنسا فى عصر الباروك، أو خليفةً عباسيًّا تحيط بك الجوارى الحِسان والخدم «يُمَروِحون» عليك بريش النعام، دون أن يُفقدوك خصوصيتَك باختلاسهم النظر إلى طعامك وشرابك ونومك وصحوك، ودون أن يُفسدوا هواء الغرفة بالتنفس معك! تخيّلْ هذا، واندهشْ، وافرحْ.
ومثلما تُدهشنى معجزاتٌ صغيرة مبهجةٌ مثل القلم والممحاة والمقصّ والمشط والمرآة وفيروز، تُدهشنى معجزاتٌ كونيةٌ كبرى مثل الطمى الأسود ينشقُّ عن زهرة ملونة، أو دودة تتكوَّر على نفسها داخل سجن الحرير، ثم تخرجُ فراشةً ملونّةً تطير. ومثلما تُبهجنى تلك المُفرحات، توجعنى مُدهشاتٌ أخرى وتملأ قلبى باليأس. مثل معجزة الإنسان الذى عمّر الأرضَ ملايين السنين، ولم ينجح بعد فى الكفِّ عن القتل والكذب والظلم!، كأن الزمانَ لا يمرُّ، وكأننا لم نتعلم بعد حقيقةَ أن الجمال وحده سيصلحُ هذا العالم!، كم مليون سنة يحتاج الإنسانُ فوق كوكبٍ، ليغدو جميلاً وفاضلاً؟! وكالعادة: «الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن».
twitter:@fatimaNaoot


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.