أى استطلاع رأى عن المعلومات العامة فى القضايا الخارجية، لدى الأمريكان، يأتى فى العادة مخيبًا للآمال، وكان آخر استطلاع من هذا النوع، قد جرى منذ عامين تقريبًا، وقد سألوا فيه عينة مختلفة، من الشعب الأمريكى، عما يعرفه كل واحد من أفرادها عن «كوفى عنان»، وكان عندئذ فى أيامه الأخيرة أمينًا عامًا للأمم المتحدة، فكانت الإجابة صادمة، إذْ كان اعتقاد الغالبية، مَمْن سألوهم، إن «كوفى عنان» هذا، إنما هو مشروب جديد متداول فى الأسواق!.. وكان باقى أفراد العينة لا يعرفون أين بالضبط تقع إسرائيل على الخريطة! وربما لهذا السبب، يركز أغلب المرشحين الأمريكان، فى كل انتخابات رئاسية، على القضايا الداخلية، وهم يخاطبون الناخبين هناك، لأن الناخب الأمريكى، مهتم فى الأساس، بحياته، وشأنه الخاص، وما يمس جيبه بشكل مباشر.. ويكفى أن «جو السباك»، ذلك الأمريكى البسيط، قد نال شهرة واسعة، لا لشىء، إلا لأنه قد وقف فى أثناء حملة «أوباما» الانتخابية، يعارض بقوة خطته الضريبية، ويدعو الناخبين إلى التصويت للمرشح المنافس «جون ماكين» لأن خطة «أوباما» المعلنة وقتها، فيما يخص الضرائب، لا تستجيب لطموح المواطن الأمريكى العادى، من وجهة نظر السباك «جو»! وحين وقف أوباما يلقى خطبة قصيرة، فى بدء توليه السلطة، أمس الأول، كانت ثلاثة أرباع كلمته، عن المسائل الداخلية، وعن دعم التعليم تحديدًا، ثم عن الطاقة، وكيف أن 10٪ من حاجة الشعب الأمريكى منها، فى حدود عام 2012، سوف تأتى من الشمس، والهواء، والأرض، فى إشارة إلى استخراج طاقة «الميثانول» من المحاصيل المختلفة! ولابد أن الكلمات العابرة، عن الشأن الخارجى، فى خطابه، قد استوقفت كثيرين، خصوصًا حين قال إن مصالح بلاده لن تقف فى طريق نشر مبادئها، حول العالم، فى إشارة أخرى لا تخطئها عين إلى موقف إدارة الرئيس السابق بوش، التى كانت تقدم، فى أحيان كثيرة، المصالح على المبادئ الأمريكية الباقية، وكانت تمارس نفاقًا بلا حدود، مع الشعوب البائسة، عندما كانت تتحدث عن نشر الديمقراطية، فى أرجاء الدنيا، كقيمة، فإذا اصطدم هذا الهدف، بمصالح واشنطن، فإنها كانت تضحى به، على الفور، وتلقى بالمبدأ، فى أقرب صفيحة قمامة!.. ولتذهب هذه الشعوب إلى الجحيم! وسوف يتوقف التاريخ طويلاً، فيما بعد، أمام دموع الآلاف من السود، الذين كانوا يتابعون خطاب الرئيس الجديد، على الهواء.. إذ لابد أن هؤلاء الذين انهمرت دموعهم، قد تذكروا فى هذه اللحظة الفارقة، كيف أن إبراهام لنكولن، الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة، كان قد حرر العبيد، فى البلاد عام 1861، وأعطى للسود حقوقهم، ولكن المواطن الأمريكى الأسود لم يستطع أن يمارس حقوقه، التى كان لنكولن قد أقرها بالتعديل الخامس عشر على الدستور، إلا فى عام 1965، وكان أوباما فى ذلك الوقت، فى الرابعة من عمره!.. ولم يكن أحد فى إمكانه بالطبع أن يتكهن، فى تلك اللحظة من الستينيات، بما إذا كان السود الذين ظلوا محرومين من حقوقهم، لعشرات السنين، سوف يصادفون تعويضًا فريدًا عن هذا الحرمان الطويل، بأن يكون واحد منهم، مستقرًا فى البيت الأبيض نفسه، رئيسًا فى العام التاسع، من الألفية الثالثة! وربما تكون المفارقة المدهشة، والمحزنة معًا، أنه فى الوقت نفسه، الذى بدأ فيه السود هناك يمارسون حقوقهم السياسية، مع المواطنين البيض، سواء بسواء، دون أى تمييز، كان قد بدأ تمييز من نوع آخر، فى القاهرة، بأن تم تقسيم الشعب فيها، إلى عمال وفلاحين، من ناحية، ثم فئات من ناحية أخرى، وهى بدعة ليست موجودة فى أى بلد آخر على امتداد الأرض!.. ثم كانت هذه هى حصيلة إلغاء التمييز هناك، وإقراره هنا، على نحو ما نراه ماثلاً الآن أمام أعيننا!.. بين عاصمتين!