لأن السلف الصالح يقول: «كيفما تكونوا يولَّ عليكم»، فإن الحكومات المصرية، تعودت أن تتأسى بالمثل الشعبى الذى يقول: «امشى سنة ولا تعدى قنا» بتطبيق شعار «يوم الحكومة بسنة».. ولولا ذلك لما تطلب تعديل القانون 100 لسنة 1993، خمس سنوات فى عين العدو، على الرغم من أن هذا التعديل، كان من بين الوعود التى تضمنها البرنامج الذى خاض الرئيس مبارك على أساسه الانتخابات الرئاسية عام 2005، والتزمت الحكومة بتنفيذه، مع أن القانون ذات نفسه جرى سلقه فى أقل من ثلاثة أيام، فى تجاهل تام للاعتراضات العنيفة التى حذرت من آثاره السلبية. وأصل الحكاية أن بعض أسيادنا الذين كانوا فى الحكومة آنذاك، لاحظوا أن جماعتنا الذين فى المحظورة، لديهم خطة لئيمة للاستيلاء على أغلبية المقاعد فى مجالس إدارات النقابات المهنية، اعتماداً على أنهم يشكلون أقلية منظمة وموحدة الإرادة بين أعضاء الجمعيات العمومية لها، وهى خطة لا يتطلب تنفيذها سوى حشد هذه الأقلية يوم الانتخابات، لتدلى بأصواتها لقائمة تضم مرشحيها أو المرشحين المتعاطفين معها، فى غياب بقية الأعضاء، من غير المهتمين بالعمل النقابى، وتفتت أصوات من يحضرون منهم، بين بقية المرشحين، مما يكفل لجماعتنا الذين فى المحظورة هدف السيطرة على أغلبية مقاعد مجالس إدارات هذه النقابات، وتحويلها إلى فروع حزبية، تسخر إمكانياتها الكبيرة لخدمة أعضاء الجماعة، وتجنيد مزيد من الأنصار. وكان الحل الموفق السعيد، الذى توصل إليه مستشارو الحكومة، هو تفصيل قانون خاص لهذه الحالة، يكفل إلزام أعضاء النقابات بالمشاركة فى انتخاب مجالس إداراتها، فجاء القانون رقم 100 لسنة 1993، ليوحد نظم الانتخابات فى جميع النقابات المهنية، وليفرد اجتماعاً خاصاً للجمعية العمومية لكل نقابة، تجرى فيه الانتخابات، ويرفع النصاب القانونى لصحة انعقاد هذا الاجتماع إلى ما لا يقل عن نصف عدد الأعضاء الذين لهم حق حضور الجمعية العمومية، زائد واحد، لا فرق فى ذلك بين نقابة لا يزيد عدد أعضائها على ثلاثة أو أربعة آلاف، مثل نقابة الصحفيين، وبين نقابة يتجاوز عدد أعضائها المائة ألف مثل نقابة المحامين.. إذ كان الهدف هو إغراق الأقلية المنظمة فى طوفان من الأغلبية الصامتة، لتفقد قدرتها على التحكم فى نتائج الانتخابات، وتتوقف عن تسليم هذه النقابات من بابها لجماعتنا الذين فى المحظورة! أيامها بحت أصواتنا من التنبيه إلى أن هذا القانون سوف يربك أوضاع النقابات المهنية، وأن النصاب المرتفع الذى اشترطه القانون لصحة اجتماع عمومية الانتخابات، سيخلق صعوبات قد تحول دون انعقادها من الأصل، وأن الفصل بين العمومية العادية، التى يفترض أن تنعقد كل سنة لمناقشة تقرير مجلس النقابة ومحاسبته على أدائه واعتماد ميزانية العام المقبل والحساب الختامى للعام المنتهى ومناقشة أحوال المهنة، وبين عمومية الانتخابات، سيؤدى إلى عدم انعقاد الجمعية العادية، لأن الانتخابات هى التى تحفز الأعضاء على الحضور وهو ما حدث بالفعل فى أكثر من نقابة، بينها نقابة الصحفيين التى لم تجتمع جمعيتها العمومية العادية منذ صدر هذا القانون السعيد! وأيامها نبهنا إلى أن إغراق الأقلية المنظمة موحدة الإرادة، بالأغلبية الصامتة، لن يحقق ديمقراطية العمل فى النقابات المهنية، لأن اختيارات هذه الأغلبية - غير المعنية أصلاً بالشأن النقابى أو الواعية بمتطلباته - لمن تمنحه أصواتها، لن تقل سوءاً أو ضلالاً عن اختيارات الأقلية المنظمة. وإيامها قلنا إن سعى المحظورة وغيرها من التيارات المحجوبة عن الشرعية، للاستيلاء على قيادة النقابات المهنية وتحويلها إلى منظمات حزبية، يعود - أساساً - إلى التضييق على حرية تشكيل الأحزاب وعلى حقها فى النشاط، وأن تشجيع الجميع على المشاركة فى النشاط الحزبى، بما فى ذلك حفزهم على تطوير أفكارهم بما يتواءم مع ضرورات الدولة المدنية الديمقراطية، هو الذى سيوقف هذا الخلط الشائع لدينا فى وظائف المؤسسات، الذى انتهى بتحويل النقابات - وأحياناً المساجد والكنائس - إلى مقار حزبية وبتحويل الأحزاب السياسية إلى مقاه ومدارس لتفسير الأحلام وقراءة الفنجان، فالنقابات منظمات تدافع عن المصالح المهنية والاقتصادية لأعضائها، ولا يجوز لها أن تقوم بأنشطة حزبية، أو تكون طرفاً فى الجدل الحزبى، لسبب بسيط هو أنها تضم بين أعضائها فرقاء ينتمون لكل الأحزاب ولا يجمع بينهم رأى سياسى أو حزبى موحد، والمشترك الوحيد بينهم هو هذه المصالح الاقتصادية والمهنية. بعد 12 سنة من تطبيق القانون اكتشفت الحكومة أن عدداً ملحوظاً من النقابات المهنية، قد توقف عن النشاط أو تجمدت أوضاعه، إما بدخوله إلى نفق الحراسة، أو بعجزه عن إكمال نصاب إجراء الانتخابات، فوعد الرئيس مبارك بتعديل القانون، وتعهدت الحكومة بتنفيذ الوعد. وبعد خمس سنوات من ذلك، سوف تجتمع بعد غد الاثنين أمانة المهنيين بالحزب الوطنى، لتبحث مشروع قانون بتعديل القانون 100 لسنة 1993، بتخفيض النصاب المطلوب لعقد عمومية انتخابات النقابات المهنية.. وحين سألت أحد أقطاب الحزب عن أسباب التأخير فى تعديل القانون قال لى: أصل يوم الحكومة بسنة. لكن إحنا فى الحزب يومنا بخمس سنين!