الجيش السوري يستهدف منصات إطلاق مسيرات ل قسد في حلب    حسام حسن: نهدي الفوز لشعب مصر ومحمد حمدي ونقاتل لبلوغ نصف النهائي    وزير الرياضة بعد الفوز على بنين: كل مباراة في الأدوار الإقصائية لأمم إفريقيا بطولة    التقرير الطبي لضحايا حريق مصحة الإدمان ببنها: حالات اختناق وتوقف قلبي    رئيس «الوطنية للصحافة» يتابع الاستعدادات النهائية لجامعة «نيو إيجيبت».. صور    رئيس اتحاد الغرف التجارية يعتمد مشروع وثيقة التطوير الاستراتيجي 2026-2030    رئيس هيئة النيابة الإدارية يُهنئ قداسة البابا تواضروس الثاني ب عيد الميلاد المجيد    تأجيل أولى جلسات محاكمة صانع المحتوى شاكر محظور بتهمة بث فيديوهات خادشة إلى 11 يناير    وزير الثقافة يلتقي صانع الناي ياسر الشافعي ويوجّه بعقد ندوة علمية لمناقشة بحثه الجديد    ارتفاع أعداد الزائرين الأجانب للمتحف القومي للحضارة بنسبة 13% خلال 2025    «هيئة الدواء» تبحث سبل توطين صناعة أدوية الأورام والمستحضرات الحيوية    وزير البترول الأسبق: لا أتوقع تغييرا كبيرا في أسعار النفط.. وفنزويلا بروفة لما يمكن أن يحدث في المنطقة    لوكمان يقود هجوم نيجيريا أمام موزمبيق في دور ال16 بأمم أفريقيا    الأهلي يزف خبرا سارا عن حمزة عبد الكريم وسط مفاوضات انتقاله إلى برشلونة    قطاع الدراسات العليا والبحوث بجامعة أسيوط يُعلن تخصيص منحتين سنويًا لدراسة الدكتوراه    نيجيريا ضد موزمبيق.. التشكيل الرسمي لمواجهة ثمن نهائي أمم أفريقيا    حملات مكثفة لصحة الإسكندرية.. إغلاق 14 منشأة طبية غير مرخصة    علاء حجاب يكتب: دخول من الباب الواسع    رومانو: برشلونة يتقدم بعرض إلى الهلال من أجل كانسيلو    مكتبة الإسكندرية تعلن جائزتها |بريطانى من أصل مصرى وفلبينى يفوزان بمليون جنيه مناصفة    محافظ القليوبية يتابع ميدانياً منظومة النظافة وإزالة الاشغالات    موجة سعادة في بورسعيد بعد نجاح أطباء مستشفى السلام في إنقاذ مريضة من توقف مفاجئ بعضلة القلب (صور)    أمن المنوفية يضبط رجلا انهى حياة أرملة والده بدمليج    الرئيس والكنيسة وزيارة كل عام    المجتمع الدولى !    مشروبات طبيعية لتحسين التركيز أثناء المذاكرة في الأسبوع الأخير قبل الامتحانات    البلاستيك ب30 جنيها، أسعار الخردة في مصر بختام تعاملات اليوم الإثنين    انطلاق الثورة وبداية هجرة اليهود فى الثلاثينيات.. فلسطين 36 فيلم يروى الآلام التاريخية للفلسطينيين فى دور العرض المصرية    التنظيم والإدارة يتيح الاستعلام عن موعد الامتحان الإلكتروني للمتقدمين لشغل 425 وظيفة بوزارة الخارجية    رئيس جامعة كفر الشيخ: العدالة والهدوء المعيار الأساسي لامتحانات الفصل الدراسي الأول    البنك المركزي يقرر تعطيل العمل بالبنوك الأربعاء المقبل بمناسبة عيد الميلاد المجيد    المستشارة أمل عمار تشهد افتتاح مركز ميدوم لتنمية المهارات التراثية بمحافظة بني سويف    مفاوضات سورية إسرائيلية جديدة للعودة إلى خطوط ما قبل 8 ديسمبر    استئناف الإسكندرية تخفف حكم الإعدام لعاطل متهم بقتل زوجته بالسجن المشدد 15 سنة    قراء اليوم السابع: محمد الشناوى الأحق بحراسة مرمى منتخب مصر أمام بنين    45 ألف دولار راتبًا شهريًا..كواليس مفاوضات الزمالك مع ميكالي    قافلة «زاد العزة» ال109 تحمل أكثر من 148 ألف سلة غذائية من مصر إلى غزة    تعليم الفيوم ينظم تدريبا لمعلمي اللغة العربية الجدد    عاجل- موجة برد قوية تضرب البلاد غدًا.. شبورة كثيفة وتحذيرات للمزارعين والسائقين    أمم أفريقيا 2025| مدرب الجزائر يعلن عودة جوان حجام لناديه بعد الإصابة    بين الخشب والحبر.. شاهد قبطي نادر على رسالة التعليم وحفظ المعرفة    ننشر مواقيت الصلاه اليوم الإثنين 5يناير 2026 فى المنيا    مايكل أوهيرلي: لا توجد أي مبادئ أو أسس قانونية لما قامت به إدارة ترامب في فنزويلا    ضبط عصابة دجل وشعوذة تستولى على أموال المواطنين بالقاهرة    260% زيادة في أسعار الكتاكيت بالسوق المحلية خلال أسبوع واحد فقط بسبب استعدادات رمضان    الرئيس السيسي يوجه بتوسيع الجيل الخامس وتوطين صناعة الاتصالات ودعم الحوسبة السحابية    جبل حراء.. شاهدُ البدايات ومَعلمٌ خالد في ذاكرة مكة المكرمة    كيف يقضي المسافر الصلاة الفائتة بعد عودته؟.. الأزهر يجيب    سول: أزمة فنزويلا سيكون لها تأثير محدود على اقتصاد كوريا الجنوبية    "العمل": 7293 فرصة عمل جديدة في 12 محافظة    الأزهر للفتوى: الغبن والتدليس في البيع والشراء مكسب زائف وبركة تُنزَع    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب ميكروباص في قنا    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    نصف كيلو سنويا.. زيادة صامتة تهدد وزن وصحة البالغين    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    بالصور.. العرض الخاص لفيلم «جوازة ولا جنازة» بحضور أبطاله    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تجليات مصرية .. مسجد قجماس الإسحاقى (1-2)
نشر في المصري اليوم يوم 04 - 09 - 2009

مع توالى الخُطى بعد مفارقة مسجد الطنبغا الماردينى، وعند منعرج الشارع تظهر مئذنة وقبة قجماس الإسحاقى «أحمد أبوحريبة»، فلنتمهل هنا، فلنهدئ الخطو لتأمل النسب، تنبع موسيقى خفية من الانسجام بين المئذنة والقبة، تتقدم القبة بالنسبة للقادم من شارع التبانة، من مسجد الطنبغا الماردينى، خلفها تقوم المئذنة، هذه النسبة الرهيفة لم أعرفها إلا فى مسجد قايتباى بصحراء المماليك، بلغ المصمم درجة من الاتزان والنسبة بين المئذنة والقبة، فكأنهما نغمان يستحيل الاستماع إلى أحدهما دون الآخر، ما بين استدارة القبة وسموق المئذنة فى قجماس الإسحاقى يحار بصرى، يتمهل بحثاً عن السر، سر هذا التناسق، أجىء من الغرب، من ناحية باب زويلة،
يختلف المشهد، فالمقدمة للمئذنة، خلفها القبة، لكن التناسق يبرز فى صور أخرى. لا أعجب من تشابه قجماس الإسحاقى وقايتباى، كلاهما شُيّدا فى عصر واحد، كان قايتباى سلطاناً مهيباً، جليلاً، وكان الأمير قجماس الإسحاقى محمود السيرة..
تفاصيل حياته متزنة، هادئة، مما حيرّنى كيف استطاع بناء هذا المسجد الجميل، الذى يضاهى مسجد السلطان.. طبقا لقيم العصر المملوكى لم يكن مسموحاً بذلك، كان الأقل يراعى الأكبر منزلة، فلا يحاول التفوق عليه أو إيجاد أثر يتجاوز أثره، تماما مثل النادل الذى يبدأ عمله فى مطعم أو ملهى أو فندق، يُنصح ألا يرتدى ساعة ثمينة، أو قميصاً مرتفع السعر، يجب أن يظهر دائمًا وكأنه أقل من أى زبون مظهراً، كذلك العلاقة بين السلطان والأمراء، هنا يحق لى التساؤل: أهو تواضع السلطان قايتباى وثقته بنفسه، أم ذكاء الأمير قجماس؟
على أى حال الرابح هو العمارة الإسلامية المصرية وتراثها. أقترب بطىء الخُطى، تماما مثل التى تنتظره لحظات سعيدة، فيرجئ بدءها خشية أن تنقضى وتتحول إلى ذكرى، كل بداية إيذان بنهاية، ليتنا ندرى!
بمجرد محاذاة البناء يبدأ الجمال يطالعنا، كل تفصيلة قطعة فنية قائمة بحد ذاتها، مستطيلات فوق النوافذ والأبواب عامرة بالزخارف، تبدو أوراق الشجر والزهور مجردة خالية من الحياة إذا لم نعرف ما وراءها، لنتوقف أمام عتب باب السبيل الملحق بالمسجد.
مستطيل، تبدأ الزخرفة بقوس فى المنتصف تماماً، دائماً المركز، أبداً المركز، ما من فن احترم مكانة المركز مثل الفن الإسلامى المصرى الذى ورث خبرة آلاف السنين بما فيها من تأمل ورؤية، تنطلق الدائرة من مركز، كل ما فى الوجود له مركز، لا يدور الكون عبثاً، ثمة مركز، ثمة مدبر، ثمة محرك.
من شبه الدائرة يبدو تجريد زهرة، أقرب إلى زهرة اللوتس، تحتويها زهرة أكبر من نفس النوع، ثم تتدفق الأشكال، كل منها يمكن اعتباره منفصلاً، ويبدو أيضا متصلاً فى عين الوقت.
متصل.. منفصل
هذا قانون يحكم الفن الإسلامى المصرى، تماماً مثل الصلة بين الفرد والنوع، الإنسان فرد مفرد، لكن البشر مع بعضهم يكوّنون الجماعة الإنسانية، هذه العلاقة بين الجزء والكل، بين الجزىء والذرة، هذه العلاقة نجدها فى الأدب أيضا، خاصة فى ألف ليلة وليلة، حيث الحكاية الصغيرة تؤدى إلى حكاية أكبر، حكاية تُولَد من حكاية، تماما مثل الزخرفة، فرع من فرع، زهرة من زهرة، خط من خط، عالم منفصل، متصل، هذا قانون يتجسد أمامنا هنا.
أتوقف أمام دائرة لا مثيل لها، تبهرنى فى السلطان حسن دائرتان من رخام مليئتان بالزخارف عند المدخل، واحدة إلى اليمين والأخرى إلى اليسار، لم أعرف مثيلا لهما فى أى أثر إسلامى، هنا يتجسد ملمح الفرادة، كل مسجد، كل مدرسة، كل سبيل، كل خانقاه، كل بيت، كل وحدة من هؤلاء حالة قائمة بذاتها، غير متكررة، نعم، التشابه فى الهيئة الكلية، قبة ومئذنة، صحن وإيوان، محراب ومنبر، لكن لا القبة تشبه القبة ولا المئذنة تشبه المئذنة، كل عنصر حالة متفردة، غير متكررة وبالتالى يصبح لدينا ثراء وتنوع غير موجود فى العالم الإسلامى كله،
جدار مسجد قجماس الإسحاقى متحف مفتوح، عرض دائم للفن الإسلامى المصرى، أرى أوراق نبات تحيط بدوائر من فيروز أزرق، واللون الأزرق السماوى له مكانة خاصة فى الفن الإسلامى. إنه رمز الأبدية، اللامحدود، المطلق، لون لا يحده حد، ولا يؤطره إطار.
الزخارف المنحوتة فى الحجر هنا لم أعرف لها مثيلا فى كل ما رأيت، ليس فى مصر فقط، ولكن فى العالم، هذه الأكوان من الزخارف تذكرنى بعم مصطفى نقاش النحاس الذى قُدر لى أن أعرفه عن قرب.
عم مصطفى
عرفته فى خان الخليلى، بالتحديد فى رَبْع السلحدار، عندما عملت سكرتيرا للجمعية التعاونية لخان الخليلى فى فترة صعبة، شهدت هزيمة سبعة وستين من هذه المنطقة العامرة بالفنانين، تلك سنوات من حياتى لم أبرز مضمونها بعد، كان رَبْع السلحدار يمثل وحدة متكاملة بنيت فى العصر العثمانى لسكن الفقراء، غرف متجاورة تصطف حول أربعة أضلاع للسكنى،
فى الطابق التحتى متاجر تشكل سوقاً شرقية كأنها لوحة، تحت تعرض التحف، وفى الطابق الثانى تصنع، عشت عامين إلى جوار نقاشى النحاس، وفنانى النقش بالصدف، ورفاء السجاد، والنجار العربى - أرابيسك - عرفت الصناع الكبار، وتفانين كل منهم، كان التعبير المتداول «أنا دلوقتى باخلّق»، تمثل أمامى وجوه الحاج سعيد «صدف» الحاج فتحى «فضة» الحاج القربى «جلود»، من تبقى حتى الآن من الفنانين الكبار صديقى وأخى صالح بدر، يوما سأكتب بالتفصيل عن أيام خان الخليلى، خاصة أننى عشت محنة الخان بعد هزيمة يونيو، وعملت مع المهندس فخرى زكى بطرس المهاجر الآن إلى الولايات المتحدة وكان مديرا للجمعية، عملنا معاً على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
كثيراً ما أقف أمام هذه الآثار الفنية، أتأمل روعتها وأتساءل عمن أبدعها، للأسف لم يترك لنا هؤلاء أسماءهم، لم يوقعوا إلا فيما ندر، عندما عايشت الفنانين فى خان الخليلى أدركت أنهم مثل أولئك الذين أبدعوا ومروا فى صمت، لم يعرفهم أحد، من هؤلاء عم مصطفى، كان نحيلا، قصيراً، أشيب الشعر، منحنياً قليلاً لطول الساعات التى أمضاها متقوساً فوق صوانى النحاس التى يتسلمها خالية كصحراء ولا يفارقها إلا وهى عامرة كحقل من الزهور أو سماء من النجوم، كان لديه غرفة لكنه يفضل الجلوس أمامها فى الممر، أن يعمل فى «نور ربنا» كما قال لى،
يبدأ فى التاسعة صباحاً وينتهى قبل الغروب حيث يغادر إلى شارع المعز، متجهاً إلى باب الفتوح، ولابد أنه كان يقيم فى هذه الناحية، رأيته يمشى خفيفا، مسرعا عند القدوم وعند الإياب، رأيته يمشى متمهلاً، بطىء الخُطى،
رأيته يسير متكئا على عصا
رأيته فى آخر ثمانينيات القرن الماضى يمشى الهوينا، يمسك بذراعه أحد أقاربه، كان بصره قد كف عن الرؤية.
فى جميع هذه الحالات لم يتوقف عن النقش، القطعة التى ينقشها لا تتكرر، ويبدأ من المركز، يضرب سطح النحاس أو الفضة بمطرقة صغيرة ليحدد المركز ومنه ينطلق، ليس لديه تصميم مسبق فى الزخارف تتدفق من ذاكرته، من مخيلته، يمضى بها عبر الأزميل والسن المعدنى إلى كل فج، هنا أعمق، هنا أخف، هنا يبرز النقش، هنا يبدو كالهمس، كنت أرقبه صامتاً فى جلسته، فى دأبه، فى استغراقه، أدعو الله أن يهبنى مثل قدراته فى الكتابة، لم يكن ينقش بأصابعه، إنما بنظره، ببصره، ببصيرته، بأنفاسه، الظاهر منها والخفى.
مرة سألته عن هذه الأشكال من أى نبع تفد عليه؟
قال إنه أمضى أوقاتاً طويلة فى المساجد، يتأمل النقوش، يحفظها كما هى، كما تبدو، وإذ يمضى مبتعداً يفككها، يعيدها سيرتها الأولى، خطوطاً، خطوطاً، وبمخيلته أيضا يستأنف النقش، كان متحف الفن الإسلامى أحد مصادره، لكم تأمل القطع التى وصلت إلينا من عصور السلاطين والأمراء والولاة، كان يتقن العربى والفارسى، والفرعونى.
فى سنواته الأخيرة كنت حريصا على اقتناء ما تيسر من فنه، نقش لى صينية مستطيلة، مركزها دائرة، يتوسطها اسمى بالخط الثلث، طوال عمله فيها كان يبتسم ويرفع عينيه الكليلتين، يشير إليها قائلاً
«شوف محبتى لك.. طالعة فيها..»
صدق قوله، لم أعرف رهافة فى أخرى مثلها، يحلو لى أن أسافر فى ثنايا نقوشها، أن أتأملها كما أتأمل لوحة لبيكاسو أو ماتيس، عم مصطفى لا يقل إبداعا عن هؤلاء، عندما طلبت منه بعد فراغه من النقش أن يوقع باسمه فى خلفية الصينية، أبدى دهشته، قال لى:
«ماحدش طلب منى ده.. أنا أمضى؟»
لمست كتفه قائلاً:
«أنا باطلب منك يا عم مصطفى..»
راح يردد
«أنا؟»
أقول له:
«أيوه يا عم مصطفى.. عاوز أحتفظ بتوقيعك»
فوجئت به يدمع، يترجرج صوته، يردد:
«ما حدش طلب منى ده.. دا أنا يظهر حاجة كبيرة عندك..»
ويبدو أنها آخر مرة يوقع فيها، كان يشير إلى بعض القطع باعتزاز لأن من طلبها ناس بتفهم، وكان يشير إلى قطع أخرى مستخفا، يصفها بأنها شغل أكل عيش، شغل بزارى، أى سوقى، لكنه فى كل الأحوال يتقن ما يعمله، ظل ينقش وينقش إلى اللحظة الأخيرة فى عمره، عامان كف فيهما بصره، كان ينقش وهو أعمى تماما، يكفى أن يبدأ من المركز، عندئذ تتدفق النقوش من ذاكرته إلى أنامله إلى سطح الصينية أو الإناء، لا يخطئ اتزانه ولا توازنه ولا ملامح الوحدات التى يبدعها، الذاكرة ترى، والبصيرة تعمل بدلاً من البصر.
عم مصطفى عندى هو المثال لمن لا أعرفهم، هؤلاء الذين نقشوا وأبدعوا، هؤلاء الذين جاءوا فى صمت وذهبوا فى صمت، خرجوا من الدنيا كما دخلوها لكنهم أودعوا عمارة بلادهم ما نتباهى به ونفخر الآن، وهذا من أسرار حسرتى على ما يُسرق من آثارنا ويذهب إلى الجُهّال من الأثرياء المحدثين بمعونة كبار الفاسدين فى بلادنا، أتذكر عم مصطفى وأمثاله أمام النقوش التى تغطى جدران مسجد قجماس الإسحاقى، سواء كانت فى الحجر، أو الخشب، أو النحاس، أو الزجاج، من خلال المادة أكاد أصغى إلى أنفاسهم. إذن.. إلى داخل المسجد الجميل.
الساباط
عبر السنوات تكونت بينى وبين المساجد والأسبلة وسائر العمائر صلة، لكل منها طريقة فى الاقتراب والتعامل، بالنسبة لقجماس الإسحاقى أفُضّل دخوله من الناحية الشرقية، من الميضأة، ليس من الباب الرئيسى، ربما لكى أمر من داخل الساباط، إنه عنصر معمارى فريد لا يوجد إلا هنا، الميضأة تقع على الطرف الآخر من الشارع.
إنه شارع بير المش، المؤدى إلى مسجد أصلم السلحدار، هدفى التالى، طبقا لفقه العمران وأحكام البنيان التى كانت تنظم التخطيط والعمارة داخل المدينة، فلابد للمنشئ أن يراعى مصلحة العموم، إذا كان مقتدراً يجب أن يضع فى الاعتبار فائدة الجمع،
فإذا بنى منشأة، مسجدا كان أو بيتا فيجب ألا يُصعّب على الناس طريقهم، إذا اعترض الطريق يجب أن يوجد منفذاً يمر منه الخلق، هذا هو سر الأقبية الموجودة فى القاهرة، مثل قبو قرمز تحت مدرسة وخانقاه الأمير متقال، وقبو بشتاك تحت قصره فى شارع المعز، وهذا أيضا سبب وجود هذا الساباط، الميضأة بنيت على الطرف الآخر من الطريق، ثم وصلها بالمسجد عن طريق هذه المعبرة كما يسميها الناس هنا، أو الساباط كما يقول المصطلح المعمارى.. إ
نه ممر مسقوف يصل بين دارين أو جزءين، وكان بين قصر قرطبة ومسجدها ساباط، كذلك بين قصر أشبيلية ومسجدها، وأيضا فى مراكش، فى القاهرة لا يوجد إلا هذا الساباط، أفضل تأمله من الخارج، يذكرنى بقناطر مدينة البندقية، خاصة انحناءته، وعندما أمر به أتوقف متطلعا إلى حركة الناس والدواب والعجلات، إنه معبر إلى المسجد، وإننى لأفضل العبور إلى ذلك الكون البديع بدلاً من الدخول إليه مباشرة، كل جميل، كل ذى قيمة يجب أن نقترب منه على مهل، التأهب قبل المشاهدة جزء ضرورى من كمال الاستيعاب، ولنتذكر دائمًا ما أردده «المهم كيف نرى»، ذلك أهم من الرؤية بلا تأهب أو معرفة.
ها أنذا أقف على حافة الصحن المغطى، على حافة الجمال
ياه.. ليت كل من أحب وأهوى معى ليرى وليستوعب وليتذوق ما أتذوق! هذا مجمع للجمال. لثراء الزخارف والخط والألوان، أكاد أغمض عينى وحالى يردد: مهلا.. مهلاً، ليس بهذا القدر كله.
أربعة إيوانات، الجدران خطوط متبادلة.
أبيض
أحمر
نظام معروف بالأبلق، أحيانا يكون أسود - أبيض، الجدران مغطاة بالنقوش الموزعة فى مستطيلات ودوائر، أما الآيات القرآنية قرب السقف فالخط من الذرى الرفيعة، إن العمارة الإسلامية فى مصر ديوان لا مثيل له لفن الخط العربى، ولكم أتمنى أن يقدم المجلس الأعلى للآثار على تسجيل هذه الخطوط وجمعها فى كتاب قبل أن ينتبه إليها اللصوص المسنودون!
دولة عربية صغيرة جدا تنشئ متحفا يوصف بأنه الأضخم فى الشرق الأوسط، ويتولى المشورة له مسؤولون كبار جدا، أكبر مما نتصور فى الإدارة الثقافية بمصر!!
فلأنفض عنى تلك الأفكار المثيرة للنكد.
المبهر هنا النوافذ، لا يماثلها فى الجمال إلا نوافذ مسجد قايتباى، زجاج ملون معشق بالجبس، إنه فن مصرى قديم موجود فى الكنائس، يجىء الضوء من أعماق الكون، نرى بالضوء ولا نراه، لكن عندما يمر من الزجاج الملون يمكن لنا أن نراه، لأن الضوء أحادى اللون يتحول إلى عناصره الأولى، إلى ما يكوّنه، تنفذ الأشعة إلى الداخل فنرى الأخضر والأحمر والأصفر.
كل كأنقى ما يكون.. خلال سنوات عديدة كنت أتردد على ثلاثة أماكن، قبة المنصور قلاوون بشارع المعز، مسجد قايتباى، وقجماس الإسحاقى، ساعات فى كل مرة أتامل وأتابع حركة الضوء الملون، إننى أسميها مجازا بالألوان لكنها ليست بألوان، إنها رسائل من أعماق اللاوجود، من حيث لا يمكن أن تدركه أبصارنا المحدودة أو حواسنا، المؤطر كل منها بقدرة لا يمكن تخطيها..
فى خارج المسجد لا يغمرنا إلا الضوء الذى نرى به ولا نراه، بمجرد عبورنا إلى داخل المسجد خلال النهار يصبح الضوء مرئيا، ولكن ليس فى حالته التى نعرفها، هذا الضوء الخفى الوافد إلينا من جرم الشمس، من النجوم النائية، هذا الضوء الواحد يحوى ما لا حصر له من الألوان، ألوان لم يصنعها أحد، ولم يصفها مخلوق، إنها الألوان المخفية، تحيط بنا ولا نراها إلا فى لحيظات نادرة، تماما مثل قوس قزح بعد نزول المطر تحف به ألوان الطيف كلها فى الفراغ المنطلق، أين تكمن هذه الألوان فى الأيام العادية؟ لماذا نعجز عن إدراكها؟
هذا ما لا إجابة له عندى، لكن الضوء الذى يرسم هذه الألوان على جدران قجماس الإسحاقى أو جدران قبة قلاوون يتضمن رسالة يمكن أن يدركها الصغير قبل الكبير، ويمكن أن يتلقاها الإنسان يوميا ولا يفض منها حرفاً ولا يدرك المعنى، وعندها أتوقف فى هذا البناء المرقق، المدقق، الذى لم أعرف له مثيلا فى دور العبادة كافة، ليس فى مصر فقط، إنما فى جميع أنحاء المعمورة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.