أستاذ خيرى رمضان.. تحية مخلصة لشخصكم المحترم هذه محاولة منى للمشاركة بالرأى فى سياق الحوار الدائر حول مستقبل مصرنا الغالية، الوطن الذى يضمنا ويؤثر فينا ونتأثر بكل ما فيه من سلبيات وإيجابيات. أولاً: أطرح عليك سؤالاً طالما طرحته على نفسى: هل وُجدت على مدى ستين عاماً فى بلدنا هيئة من كبار عقول البلد والخبراء المتخصصين، مهمتها وضع استراتيجية عليا للنهوض بمصر استراتيجياً فى مدى زمنى معين، ووضع جداول زمنية تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، وتضع خططاً وتصورات عامة لعمل نقلة نوعية فى كل المجالات الأساسية من: رفع مستوى الإنتاجية ورفع مستوى الإنسان علمياً وثقافياً وصحياً، وخلق بيئة جديدة تحتضن الموهوبين والأكفاء، أم أننا مهمومون أفراداً وشعباً وحكومةً بهمّ اللحظة التى نعيشها، تلاحقنا المشاكل، لا نكاد نفيق من مشكلة حتى تظهر مشكلات جديدة ونحتار فى حلها بل تغرقنا معها فى بحر بلا قرار؟! إن ما نقرأه ونسمعه من المسؤولين الكبار يعطينا انطباعاً بأنهم مقتنعون بأنهم يسيرون فى الطريق الصحيح للنهوض بمصر، وأن المسألة مسألة وقت، وأن المعوقات الخارجة عن إرادتهم التى تبرز من وقت لآخر ربما تؤخر التطور ولكن لن توقفه، والنظام مستند إلى فكرتين أساسيتين ترى الحكومة أنهما ستوصلاننا إلى التقدم المنشود: الفكرة الأولى: ما يسمى جذب الاستثمارات الأجنبية، والفكرة الثانية: خرجت من لجنة السياسات وأخذت بها الحكومة، وهى أنه لكى نخلق نشاطاً اقتصادياً وبالتالى فرص عمل، يجب السماح بل تشجيع تراكم الثروة عند عدد من رجال الأعمال لتكون عندهم المقدرة على قيادة قاطرة الاقتصاد فى البلد، وتحت هذا التصور تحديداً تم بيع أراض بأسعار رمزية إلى كثير من المحظوظين، وخسرت خزينة الدولة المليارات التى نحن فى أمسّ الحاجة لها، والآن وقد رأينا هؤلاء الديناصورات أصحاب المليارات وقد توحشت ثرواتهم فلا أدرى كيف سيقود هؤلاء المليارديرات الجدد مصر إلى الأمام.. هل عندهم الرغبة والقدرة والجرأة على بناء صناعات جديدة تمثل إضافة لاقتصاد البلد؟! فالقوة الحقيقية لأى بلد هى حجم الإنتاج الشامل الذى تنتجه أيادى الناس، وقدرة هذا الإنتاج على المنافسة والتصدير.. لكن بكل أسف فإن هؤلاء النخبة المتخمة وقد أغرتهم الثروة بمزيد من الثروة وجدوا أن الطريق الأسهل أمامهم هو العمل فى الاستيراد ذى المكسب السريع والربح المضمون، وبادر الجميع تقريباً بحجز مكانهم فى طابور المستوردين الذين يستوردون كل شىء من أول سجادة الصلاة إلى الكمبيوتر.. حتى الطعام والغذاء الشعبى، صرنا نستورده، وحتى نكون منصفين فى التشخيص، فإن ما يدفعهم لذلك ليست فقط الرغبة فى الربح السريع ولا القوانين والإجراءات البيروقراطية التى تعرقل أى رجل صناعة شريف ولكن المشكلة الأصعب هى أن مصر ليست بها البنية الأساسية لخلق صناعة تنافس بها وتخرج منتجاً مصرياً مائة فى المائة، ولا أقصد البنية الأساسية المتعارف عليها: الطرق والصرف الصحى والطاقة إلخ. ولكن أقصد الطاقات البشرية: المهندسين والفنيين الذين عندهم من الخبرات والمعرفة ما يشاركون به فى خلق صناعة، ولا يكونون فقط مجرد مشغلين فى المصانع التى نشتريها تسليم مفتاح. أستاذنا الفاضل.. كما تعلم المشاكل التى تواجهها مصر هى مشاكل عويصة، والغريب أن كل هذه المشاكل ليست مستعصية على الحل لو كانت عندنا الإرادة السياسية.. وهنا تدخل الديمقراطية وضرورتها أولاً لأنها يمكن أن تبرز قيادات كفؤاً، وثانياً ستحقق الزخم المطلوب والتفاف الناس حول الهدف العام.. ولكن يبدو أن المسؤولين اكتفوا بالتصور الساذج، أنه يكفى المواظبة على تحقيق معدلات نمو عالية لمدة عشر سنوات مثلاً لتحقيق نهضة، وذلك مجرد وهم لا يستند لأساس، لأن النهضة لن تنشأ إلا بنهوض كل القطاعات يداً بيد مع العمل على تحسين نوعية الفرد المصرى.. هذه النوعية التى تدهورت بشدة فى مجال السلوك والأخلاقيات وضياع قيم أساسية، مثل قيم إتقان العمل واحترام الآخر وغياب القيم العامة عن المجتمع. باختصار، بناء الإنسان يأتى قبل كل شىء، ولذلك أعجب لمن يصور لنا أن مصر وضعت أقدامها على الطريق لمجرد بعض التعديلات فى المجال المالى وضبط الضرائب والجمارك وبيع المزيد من أصول الدولة، وكأنهم قاموا بإعجاز. أختم هذه الرسالة بسؤال: هل هناك حلول لهذه المشاكل المستعصية؟! أؤكد.. نعم.. ممكن ولكن ليس بنفس الأشخاص والعقليات التى تركتها تتفاقم، ولو تركنا الأمور تسير بهذه العشوائية، فإننا دون مبالغة مقبلون على كارثة. أخيراً لكم خالص احترامى. مهندس عادل محمد خليل [email protected]