كثرت في هذه الأحايين مساجلات تطرقت إلى ثمة قضايا دينية تتصل بالفقه الإسلامي وأخرى بالعبادات لعل أبرزها عذاب القبر ، وضعف الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في صحيح البخاري ، وكذلك بعض الظواهر الدينية التي تتمثل في فتاوى عجيبة وغريبة لا يمكن بأي وسيلة إلصاقها بالمنحى الديني مثل جواز التلصص على المرأة في أثناء استحمامها ، أو أن للمرأة جواز كشف رأسها وساقيها وغير ذلك من الكلام الذي يثير الدهشة والعجب لأنه يعزى إلى أمرين ؛ الأول منهما الجهل الصارخ بالدين الحنيف وأحكامه ، والآخر هو شدة الغفلة التي يعاني منها أصحاب هذه المقولات التي تتسم بالبلادة في التفكير وأنهم بالقطعية يعانون الانفصال التام عن الاهتمام بتجديد الخطاب الديني وتطويره ومن ثم البعد عن هموم الوطن ومطامحه الراهنة . وحينما كنا نطالع في كتب التنويريين العرب مثل الإمام المجدد محمد عبده مساجلاته الفكرية والدينية مع بعض المستشرقين حول بعض القضايا و الأمور العقائدية كانت الغاية واضحة والطرائق إليها مشروعة وذات فعالية في الوصول إلى يقين يمكن التسليم به ، فكانت العقول تتوقد وتتفاعل بكفاءة مع المناظرات والمساجلات المتضمنة بكتبهم ، أما الذي يسترعي الدهشة أن مثل مناقشة هذه الأمور تستدعي أقلاماً وأفواهاً ومساحات طويلة في الصحف والمجلات التي تفند خطأ المقولات وصواب النقد الموجه إليها. وفي الوقت ذاته طالعنا عدة مجلات وصحف ومواقع إليكترونية يومية تفرد مساحات لصور رجال الدين الإسلامي الذين سمحوا لزوجاتهم وبناتهم بكشف رؤوسهن سافرات غير محتجبات الرأس ، دون أدنى مناسبة لعرض سياق ديني يتصل بالحدث ، مع إعادة إعلامية صحفية وتلفازية لتصريحات معتصمي رابعة العدوية والتي صدرت من بعض الدعاة والتي كان معظمها يعكس الحالة التي وصل إليها عقلنا العربي الراهن والتي أطلقت الصحافة عليها هرطقات رابعة مثل أن الدكتور محمد مرسى الرئيس المعزول قد أمّ سيدنا محمد صل الله عليه وسلم فى الصلاة، وأن الرسول أبى أن يؤم محمد مرسى وقد أصر على أن يكون الأمام هو الدكتور محمد مرسى ، ومنها ما قاله الشيخ جمال عبد الهادى، الداعية الإسلامى من على منصة رابعة أن هناك رؤية تواترت على ألسنة الصالحين فى المدينةالمنورة بالسعودية، أنهم شاهدوا سيدنا جبريل عليه السلام فى مسجد رابعة يثبت المصلين فى المسجد. وبعيد عن اجترار المساجلات الكلامية بين المنتمين لكل تيار ديني أو سياسي في مصر المحروسة ، فإننا نشهد على أرض الوطن صراعاً ظاهره معركة العقل والنقل ، وباطنه هوية وكنه الحداثة التي طالما أصبحنا إما مفتونين أمامها وأمام إحداثياتها التي لا تنتهي ، أو رافضين لكل نظرياتها التي أوجعت العقل وأرهقته بتفاصيلها . وسواء قبلنا فكرة الحداثة أو رفضناها فإننا بحق أمام فتنة مستعرة نمارس فيها سطواً نقدياً غريباً يحاول كل فريق في معسكر حرب الحداثة أن يأتي بما يدعم طرحه أو يدحض فكر الآخر . والمشكلة الأبرز هي أن بعض المفكرين المعاصرين يسعون نحو العقلانية وليس إعمال العقل في سبيل أو على أعناق التراث الثقافي العربي وأحياناً النصوص السلفية ليست المشروطة بكتابات السلف الدينية بل طروحاتهم النظرية والفكرية عامة . وأصبحت معركة الراهن منطقها السائد هو الخوف بين فريقي الحداثة وفتنتها ، والنصوصيين واستلابهم التاريخي ، وهي معركة من أجل بقاء ثقافي مستدام رغم أن الحياة نفسها في معظم الأحايين نفسها لا تضطرنا إلى التمسك بها .والخوف من كل طرح ثقافي يمارسه كل فريق هو بحق مواجهة الصدفة من حيث التماس أية أخطاء لفظية أو فعلية ترتكب ، وكان من المدهش أن يتهكم بعض المسئولين بوزارة الأوقاف المصرية على خطيب التحرير الذي فجر قضية خلافية تتعلق بصحيح البخاري حينما تم نعته بلقب " ميزو " وهو أمر يكشف بحق عن حجم معالجة المؤسسة الدينية الرسمية لقضايا الفكر الديني الخلافية من ناحية ، ويصور لنا فداحة ما وصل إليه خطابنا الديني المعاصر والذي من المنوط به أن يستحيل تنويرياً نهضوياً لا مفجراً للاستهزاء والسخرية وتبسيط الأمور . وربما أقوال مثل التي صدرت عن خطيب التحرير أو غيرها التي تتعلق بنقد الخطاب الديني القديم لا تتعلق بالحداثة التي قد تحدث فتنة وغواية لا يعد المجتمع المصري مهيأ لاستقبال إحداثياتها ، لأن الحداثة نفسها هي وعي بالزمن باعتبارها حركة عقلية وليس رفضاً لما هو بعيد . وأن تكون منفصلاً معظم الوقت عن الماضي بجملته حتماً يؤدي الانفصال إلى توتر وقلق دائم بغير انقطاع أو فترات وجيزة من الهدأة . ومن المحزن لثقافة عربية رائدة لقرون بعيدة أن يثير مفكروها ودعاتها قضايا خلافية هي بالفعل رفض غير واعٍ لواقع مشهود يحتاج إلى اجتهاد في فك شفراته المستعصية ، وفكرة حفر ونحت أسئلة إشكالية فقهية تحديداً أرهقت بحثاً ودراسة ونقداً حتى صارت في موضع التقعيد الثابت هي حالات من القلق الطموح غير الإيجابي الذي قد يحقق شهرة وقتية لأصحابها سرعان ما تنتهي . وحينما تستقبل عقولنا مثل هذه التساؤلات الحرجة التي تتعلق بثقافتنا الدينية وتلقي مشاركات تفاعلية بصددها نصبح مدفوعين إلى هجرة واقعنا والبقاء على شواطئ أخرى أكثر جدلاً ، ويصير وقتها السؤال هو متى يقبض مفكرونا ودعاتنا على جوهر مشكلة الواقع بدلاً من اجترار حكايات ودعاوى لا تنفد .وإذا كنا نستهجن أولئك الذين يتشدقون دوماً بتيار الحداثة غير الشرعية التي تعبر عن حالة انقطاع معرفي تام بالتراث ، فإن الواقع يشهد أيضاً نظرات أكثر استهجاناً لبعض الدعاة المعاصرين الذين يتبنون أفكاراً تتقاطع مع السائد بل وتتمرد عليه بشدة ، وحينما نستقرئ مداخلات بعض الأئمة اليوم ندرك أنها تعيق الرؤية الشاملة وتعرقل عملية الاجتهاد التي يحتاجها خطاب ديني مستنير. وإذا كنا اليوم بل ومنذ أكثر من عقد كامل نراهن على إيجاد خطاب ديني يتوافق مع خطاب سياسي يستهدف الإصلاح ، فإن الوقت جاء سانحاً هذه المرة ، فالدولة المعاصرة التي يسعى النظام السياسي اليوم إلى خلقها وتوافرها بمقومات وطنية خالصة تشترط وجود خطاب ديني أكثر معاصرة وحداثة لا بمواضعتها اللغوية أو بمدلولاتها التقنية والتكنولوجية وإنما الحداثة المشروطة هنا هي اتصال الخطاب الديني بمسارات الحياة اليومية للمواطن الذي أصبح فريسة سهلة القنص لكل تيار دخيل لا يمت للإسلام بصلة. والذي يقوم بتحليل المشهد الفكري العربي هذه الأيام يستنتج حقيقة مفادها أنه عندما يفشل البعض في طرح فكره أو تنظيره يلجأ على الفور إلى تفجير الساكن واختلاقه ، وإنطاق المسكوت عنه في العقل الإنساني والتفتيش بغير هدأة في كتابات ما عرفت بالإسرائليات من أجل إزاحة المواطن عن مشكلاته الحقيقية .بل أرى أحياناً أن هناك قطاعاً عريضاً من الدعاة والأئمة يحرصون على خلق دولة ذات فكر إثيني متعددة الهويات . ومثل هذه الأفكار التي تتعلق بالغيبيات ومحاولة نحرها من جديد على أبواب ثقافتنا هي بمثابة دعوة صريحة ومباشرة للتناحر الديني والمذهبي ، وهو ما يؤدي كرهاً إلى التآكل الحضاري لثقافة هذه الأمة. والجدير بالذكر في معركة الخوف بين الحداثة بين حداثة مزعومة تمثل غواية لمستقبليها ، وبين فقر في الاجتهاد يتبناه بعض الدعاة الذين لا يكلفون أنفسهم جهداً في التناول للمسائل الفقهية الخلافية بقصد تأويلها والكشف عن مقدماتها التاريخية ، أن كلا الخطابين يفتقران إلى الموضوعية ومن ثم الإقناع ، وكليهما يقحمان المشهد السياسي في سياق خطابيهما بصورة تدعو المرء إلى النفور منهما على السواء ، فإذا كان الخطاب الأول الحداثوي يستهدف إقصاء الآخر بغير رحمة ، فإن الخطاب الآخر يميل إلى التكفير أكثر مما يرنو إلى التنوير . ثمة إشكالية أخرى يعاني منها الخطاب الثقافي الراهن ألا وهي أنه خطاب جاهز بغير إعداد مما يكسبه صفة القمعية في التناول قضايا مغايرة لفلسفته ، كما أن غياب البعد النقدي الذاتي لمقولاته واقتناصه على صيغ كلامية منحوتة يفقده القدرة الكاشفة لحركة المجتمع الحقيقية .والحقيقة التي يمكن التوصل إليها من خطابنا الثقافي المعاصر أنه خطاب يفتقر إلى حداثة الموقف .