إذا كان البنى أدم الذى كرمه الله يعيش مهانا فى هذا البلد فكيف سيعيش الحمار! استطاع "عبد الفتاح" الفكهانى أن يتحول من مجرد سريح بعربة "كارو" يجرها حمار ويتجول بها بين عشوائيات العاصمة بعد أن يذهب فجرا إلى الوكالة كى يشترى بضاعته من تجار الجملة.. إلى أن أصبح "المعلم" عبد الفتاح الفكهانى صاحب أكبر فرشة للفاكهة فى مصر الجديدة.. تأتيه جميع أصناف الفاكهة الطازجة فجرا من تجار الجملة إلى مكان فرشته بعد أن تجاوز حجم مبيعاته أضعاف ما كان عليه فى الماضى.. ولم يعد فى حاجة إلى حماره الذى كان يجره هو وبضاعته من هنا وهناك لخمس سنوات، وكان يعتنى به كثيرا لأنه مصدر رزقه ويجب أن يحافظ عليه. لكن بعد التحول الاقتصادى المفاجئ الذى حدث للفكهانى ترك الحمار فى الغرفة التى كانت مخصصة له فى منزله"الزريبة" الذى يمتلكه بضاحية "المرج" ولم يعتنى به بعد أن طلب من أبنه أن يلتقط لها صورا ويعرضه للبيع على موقع "دوبيزل" ولكن لم يقبل أحد على شرائه.. وظل الحمار حبيس مكانه فى المنزل يأكل عندما يتذكره أهل البيت ويضعوا أمامه أقل القليل من الطعام مقارنة بما كان يأكله فى تلك السنوات التى كان بها فى الخدمة. 1 ظل الحمار فى المنزل لثلاثة أشهر كاملة وحيدا من دون صاحب وعاطلا من دون عمل، لكنه استفاد من تلك الفترة بشىء واحد.. فبعد أن كان طيلة حياته يخرج للعمل مع الفكهانى صباحاً ويعود ليلاً يغلبه النعاس من شدة التعب لم يجد فرصة ليعرف أخبار الوطن الذى يعيش فيه إلا عندما سكن البيت، ولم يتحرك وظل ينصت لما يدور فى تليفزيون المنزل إذا ما جاء أحد من أصحاب البيت لمشاهدته ومتابعتة الأخبار. عرف ما يدور فى البلد من تردى الحالة الأمنية وعدم قدرة الأمن على مواجهة الإرهاب وما فطن إليه الحمار أن السبب هو انعدام كفاءة الشرطة، كما فهم الحمار أن الشباب بدأ فى الهجرة من البلد لعدم وجود أى فرص عمل لهم..وقال لنفسه إذا كان البنى أدم الذى كرمه الله يعيش مهانا فى هذا البلد فكيف سيعيش الحمار! ظل الحمار يفكر طويلاً كى يجد وسيلة للخروج من هذا المنزل الذى أصبح يعيش فيه غريبا بين الغرباء.. وقرر بدلاً من أن يعيش غريبا فى بلده أن يهاجر مع الشباب المهاجر، ووقتها تصبح للغربة معنى، فعلى أقل تقدير أنه عندما يحط فى بلد أوروبى سيحظى باهتمام بالغ لأنها بلاد تعتبر أن للحيوانات حقوق تحفظها ويعيش كريما هناك بعيدا عن هذا البلد الذى لا يُكرم فيه سوى أصحاب السلطة والمال. بعد أسبوع كامل استطاع خلاله الحمار أن يذيب حبل لجامه بأسنانه حتى نُحل عن أخره.. وجد أخيرا فرصته للهروب من المنزل الكئيب.. بل من البلد الظالم أهله.. عندما خرج المعلم عبد الفتاح من المنزل فى الفجر وترك الباب مفتوحا.. فتسلل الحمار.. وها هو يمشى مرحاً فى الشارع، وصعد للطريق الدائرى متجها ناحية المطار. ظل يفكر طيلة المسافة بين المرج والمطار فى الطريقة التى سيتسلل من خلالها بين أرجل ضباط وعساكر كمين الشرطة الموجود عند مدخل المطار كى يتجه إلى قرية البضائع ويقفز فى أقرب صندوق شحن متجها لدول أوروبا.. وبينما هو على مقربة من الكمين وقف بعيدا يتأمل حالة الضبط والربط التى عليها الضباط والعساكر.. فوجدها كما توقع.. الحالة مزرية.. لا ضابط ولا رابط!. بينما هو يترقب وصلت سيارة شرطة "بوكس" ووقفت أمام الكمين واتجه إليها جميع أفراد الكمين كى يصافحوا من يبدوا أنه زميل لهم وبجواره زوجته وابنه الصغير وبعض شنط السفر فى الخلف، وتبين للحمار أن الضابط يستغل سيارة الشرطة فى أغراض عائلية من شأنها أن توصيل زوجته وابنها المسافرين إلى صالة الوصول.. فأدرك أنها اللحظة المناسبة للتسلل من خلف التجمع العائلى الواقف يتسامر فى الكمين. وها هو الحمار فى حرم المطار.. وقف الحمار أمام لوحة زرقاء مكتوب عليها إلزم يمينا لقرية البضائع ويسارا لصالة 2.. لكن وللأسف لكونه حمارا اتجه يسارا ظنا منه أنه اليمين.. وبعد دقائق وجد نفسه أمام بوابة إليكترونية وأمامه أمين شرطة يطلب من العابرين من خلالها إبراز جواز السفر والتذكرة ووضع الحقائب على السير.. فظن الحمار أن الصندوق الذى يدفع فيه السير الحقائب هو صندوق الشحن!. 2 فنام على السير ودخل الصندوق.. وفجأة توقف السير.. وصاح الموظف الجالس خلف الشاشة الذى يراقب منها ما بداخل الحقائب قائلاً: "أين أوراق هذا الحمار!؟" لا أحد من المسافرين يرد! فيصيح أمين الشرطة فى الواقفين أمامه: "مع من سيسافر هذا الحمار؟" مازال المسافرون صامتون وينظر كل منهم إلى الآخر فى دهشة.. وما كان من أمين الشرطة سوى القبض على الحمار واقتياده إلى نقطة شرطة المطار لاستجوابه عن سبب مجيئه إلى هنا بدون أوراق سفر، أو الإجابة عن السؤال الأهم: كيف وصل الحمار إلى هذه النقطة إذا كان وحيدا من دون صاحب؟ لكن الحمار اكتفى بحق الصمت فى مواجهة الاتهامات بالأخونة والعمالة ولم يرد.. والمسئولون مازالوا حتى الآن ينتظرون من الحمار إجابة.