توفي، اليوم الثلاثاء، الشاعر عبد الرحمن الأبنودي بعد صراع طويل مع المرض عن عمر يناهز ال 76 عاماً. ويعد عبد الرحمن الأبنودى من أشهر شعراء العامية في العالم العربي؛ حيث شهدت القصيدة العامية على يديه مراحل من التطور النوعي، وهو من قلائل شعراء العامية الذين أوجدوا لأنفسهم مكانا في وجدان الجماهير العربية، ويلقبه المثقفين بالحارس على التراث القروي المصري. قرية أبنود الفقيرة ولد الأبنودي عام 1938 في قرية ابنود بمحافظة قنا، منتمياً إلى أسرة فقيرة التي كانت تتسم بها قرى الصعيد آنذاك، وكان يعمل والده مأذون شرعي. وانتقل الأبنودي إلى مدينة قنا حيث استمع إلى أغاني السيرة الهلالية التي تأثر بها والتي دعمت من معجمه اللغوي في العربية بشهادة اساتذته وكان يسمى في الطفولة رمان من شدة حبه للرمان. كان يحمل داخله كنزا من تراث الجنوب المتمثل في أشعار القرية وعاداتها وتقاليدها الذي حفظهم نقلا عن أمه فاطمة قنديل التي كانت سجلاً لكل أشعار القرية وطقوسها وجدته "ست أبوها" التي أثرت في نشأته بشكل كبير ونقلت اليه أشعار وطقوس هي خليط من الفرعونية والقبطية والإسلامية. أما الأب الذى كان شاعرا، فلم يتحمل في ذلك الوقت ما يكتبه ابنه فمزق ديوانه الأول "حبة كلام" .. لكن موهبة الابن كانت أكبر من الاستيعاب. أرسل عبد الرحمن الأبنودى مجموعة من قصائده بالبريد إلى صلاح جاهين، فلم يكتف الأخير بتخصيص عموده في "الأهرام" للشاب الجنوبي، بل أرسل قصيدتين له إلى الإذاعة ليبدأ تلحينهما وهما "بالسلامة يا حبيبي" لنجاح سلام، و"تحت الشجر يا وهيبة" لمحمد رشدي. انتقاله إلى القاهرة انتقل الأبنودي إلى القاهرة بداية الستينيات والتحق بأحد التنظيمات الشيوعية، فألقي القبض عليه ( 1966)، أثناء اعتقاله أخذت المباحث مخطوط ديوانه "جوابات حراجي القط" المخصص لزوجته فاطنة عبد الغفار، وأوراقا أخرى .. ويقول الأبنودى: "اعتبرت كأني لم أكتبه، وحاولت نسيان الأمر فلم أفلح، وذات ضحى يوم شتائي، هتف بي حراجى لأكتبه، فاندلعت الرسائل متتابعة بِكَرا، كأنني لم أكتبها من قبل .. أنجزته خلال أسبوع، ودفعت به إلى المطبعة من دون مراجعة، كأنه تحد لمن اغتصبوا حراجي الأول." في السجن اكتشف أن "الشيوعية ليست طريقا لتحقيق الذات أو تقديم خير إلى الفقراء"، وجاءت النكسة ليرى كل الأحلام تنهار، كتب وقتها أغنيات وطنية لعبد الحليم حافظ، فخرج إلى الجبهة يكتب ديوانه "وجوه على الشط". وفي تلك المرحلة وفر له إعجاب الرئيس عبد الناصر بأعماله حماية من بطش "زوار الفجر". وفي عهد السادات بدأ التضييق الأمني على الأبنودي الذى رفض "أمن الدولة" سفره إلى تونس ليستكمل مشروعه في جمع الهلالية، وتصل به أحد الضباط يفاوضه على السفر مقابل "كتابة تقارير عن زملائه"، فرفض، وكانت أكثر ذكرى تزعجه من تلك الفترة "شائعات الرفاق الثوريين" حوله. استطاع الأبنودي الخروج من مصر بعدما يئس الأمن منه.. واختار الشاعر لندن منفى اختياريا لثلاث سنوات، أنهاها عبد الحليم الحافظ مستخدما "سلطته" في السماح له بالدخول إلى مصر. اعتقد السادات أن الأبنودي سيكون صوته، فأعلن رغبته في تعيينه "وزيرا للثقافة الشعبية"، لكن اتفاقية "كامب دايفيد" ألهمت الشاعر قصيدته الشهيرة "المشروع والممنوع"، وهي أقسى نقد وجه إلى نظام السادات. وبسبب هذا الديوان جرى التحقيق مع الأبنودي أمام المدعي العام الاشتراكي بموجب قانون سمي "حماية القيم من العيب". ويقول الأبنودي بلهجتة الصعيدية الحادة: "في حياتي أخطاء بالغة القسوة، ندمت عليها .. لكن فى الشعر لم أندم على شيء .. لأن الشعر مقدس، لا يأتي بقرار، هو هبة من الله" .. ويتذكر: "عندما كتبت قصيدتي الطويلة {الاستعمار العربي} ضد غزو العراق للكويت، اتهموني بالنفعية والانتهازية .. وللأسف، كل ما قلته في القصيدة تحقق فيما بعد".
ويستعيد الأبنودى ذكريات هزيمة 1967 فيقول: ربما كنت مدينا للنكسة بارتفاع الصوت والتحليق في أجواء الإعلام الرسمي بعد أن كنت شبه مستبعد ومريب ويتحاشاني الجميع خاصة أنني كنت قد غادرت أصدقائي من جيل الستينيات المعتقل السياسي في طرة ولذلك وجدتها فرصة للسفر إلي الصعيد والبدء في جمع السيرة الهلالية وقد خرجنا من الاعتقال في أبريل وبعد أقل من شهر حدثت تلك الواقعة التي أبهجت كل أعداء عبد الناصر في الداخل والخارج. رفضت المباحث العامة أن تسمح لي بكتابة تلك الأغنيات والمشاركة في الحرب ولو بكلمة، ويحكى الأستاذ أحمد سعيد أنه كافح كثيرا مع المباحث العامة وقال لهم إنه لا يستطيع أن يخوض حربه الإعلامية دون صوت الأبنودي الذي يمثل له المدفعية الثقيلة في جيش الإعلام . كنت في أبنود قريتي في الصعيد للبدء في جمع السيرة الهلالية حين جاء ذلك التليفون الذي أربك أبنود بحالها إذ لم يكن هناك سوي تليفون الوحدة المجمعة وتليفون نقطة البوليس وتليفون العمدة ولذلك فوجئت بأبناء القرية يهرولون: الحق يا عبدالرحمن تلافون من الإذاعة، أحمد سعيد وعبدالحليم حافظ ووجدى الحكيم. ويقول الأبنودي: "تشاجر معي أحمد سعيد مقنعا أياي أن البلد ستدخل حربا فماذا تفعل هناك؟ أجبته: استريح من فترة الاعتقال غير المبررة وأحاول نسيانها حتي لو حاربت مصر فهذا ليس معناه أننا الذين سنحارب إذ كيف أدافع عن النظام وآثار البرش مازالت في اجنابنا؟ فتحدث عبدالحليم متوسلا ومعنفا قائلا: إذن كيف أتخذ مثل هذا الموقف في مثل هذا الظرف؟ وفي الواقع فإنني لم أكن واثقا أن مصر سوف تدخل معركة حقيقية ضد إسرائيل وربما كان الكثيرون مثلي إلا أنه لم يكن ثمة مخرج أمامي سوي الانغماس في هذه التوريطة". تابع "هكذا عدت بالقطار وأثناء الرحلة التي تزيد علي اثنتي عشرة ساعة في ذلك الوقت كتبت تلك الأغنيات التي صارت أغنيات الحرب فيما بعد وبمجرد وصولي التقيت بالأستاذ كمال الطويل كنت أقيم في بيته طوال النهار وأعود إلي بيتي ليلا وهكذا طوال الأيام التي سبقت المعركة، وأذكر أنني كنت والأستاذ مجدي العمروسي نمر من أمام الاستوديو الصغير الذي كان الأستاذ سعيد يطلق منه قنابله في اليوم الثالث من الحرب تقريبا وقد انتفخت صدورنا بهواء النصر وبيانات طائرات العدو المحترقة تملأ الدنيا والشوارع لا تنام ولا تهدأ ليل نهار وحالة من الزهو الوطني في كل البيوت". واختتم الأبنودي ما كتبه عن حياته "نهاية أقول أنا عاشق لمصر الحقيقية وليست مصر الثقافية، مصر التجربة وليست مصر الوهم والتخيل، ومن أجل ذلك تجدني شيئا مختلفا تماما عن الإخوة المثقفين، أنا لا أنكر دورهم لأنهم أساتذتنا وهم الذين تربت بهم عقولنا ووجداننا ولكن الخبرة الحياتية هي أم الثقافة والعلم وأنا واحد من الناس تعلمت علي يد مصر نفسها في أكثر من مكان وفي أكثر من موقع".