عرضت الفنانة هدي لطفي لوحة واحدة في معرض "مختارات " ضم اعمال لفنانين متميزين في جاليري " مصر " فاول افتتاح له .. اللوحة الواحدة كانت الاكثر تأثيرا وتفاعلا مع حدث الثورة في هذا العرض .. في وصف بصري مباشر للوحة الفنانة التي اراها لوحة مفاهيمية متعددة النطاقات الذهنية إلا أنها قدمتها في شكل واقعي من خلال صفوف مائلة متقاطعة في اتجاه افقي لفتيات وشباب ثورة 25 يناير مرتدين ملابس عسكرية لا يتصادمون وايضا لايلتقون فكل كتيبة كأن لها بوصلة بينما هناك العديد من الخطوط الحمراء المتقاطعة .. اللوحة شديدة القوة ذهنيا وفيها سلاسة جمالية ..وهذا ما اعتادته الفنانة هدي لطفي بالتركيز علي العلاقة الملتبسة بين الصورة ومحتواها .. لذلك لوحاتها هي صورة للأفكار وقد حمُلت بمفاهيم اقرب للواقعية الذهنية فلوحات الفنانة مرتبطة بصريا بالواقع لكن في علاقة تركيبية ليست مرتبطة به في نفس الوقت كأن لوحاتها لوحة تشبه الفكرة وليست تفسيرية ..وقد جعلت الواقعية مصدرا للإدهاش كأن الواقعية الحقة في تصورها هي التي تتعدي الوضوح الجلي الي ما وراء المظهر .. وأصبح لهدي لطفي استراتيجيتها في التفكير بحرية استحضار الواقع الذهني اللامرئي بصرياً لذلك يأتي واقعها عادة اكثر تعقيداً أو منحولاً في اشيائه أكثر مما يتوقعه المشاهد .. فهي في النهاية تحاول تقويض الحالة واليقين بالعالم الخارجي وتدعنا نشُك في إن كان العالم يمكن ان يكون إلا امتداداً لما يجري داخل نطاق رءوسنا كاستحضار منها للحالة الذهنية. في لوحتها التي امامنا نراها تلقي بسؤال ضخم بسبب شدة الثقة التي تأتي وتنتهي بإلقاء اسبابها وبنفسها في حيرة لإدراك مدي المناظرة بين هيئة الجنود وشباب الثورة .. والاثنان متصلان تماماً بما يطرح سؤال بين الواقع والصورة والفكرة .. وهنا ندرك قوة مزدوجة في اعتبار اللوحة واقعية .. مطابقة للخيال جعلت الفنانة هدي من التناقض اداة مهمة تجعلنا ننزلق بشكل منطقي من صف عسكر في اللوحة الي آخر.. وفي لحظة ادراك هويتهم هوية شباب الثورة أم عسكر الدولة لندرك في ذات اللحظة وبنفس القوة كم هم متشابهان وينسجمان رغم عملية الإحلال.. بإحلالها لوجوه شباب الثورة داخل جسد وملابس العسكر.. وهذا التناقض الذي يلتبس بالتشابه يحدث ديناميكية ذهنية لدي المشاهد.. وهذا التناقض قد يساعد الفنانة علي تحرير لوحتها بتقديمها اشياء جديدة تحول في بساطة شديدةالمسلمات المعروفة حتي انها تغير مادة بعض الأشياء وهذا التغيير في المادة لا يلغيها لكن ىُخفيها .. فعادة في لوحات الفنانة هدي ما يكون هناك شيء ىُخفي آخر حتي يصبح غامضاً .. وقد تقصد هذا الإخفاء كي نري الكل بوضوح .. كما ان لجوءها لإحلال الشباب داخل ملابس العسكر قد وهب اللوحة طاقة لم تكن تتوافر اذا ما نظرنا الي كل منهما بشكل مستقل .. فهذه الطاقة التي تحققت تُثبت انتباهناوتُثير فينا ذهنياً حالة جدلية بين ما نري وما نظن .. فعلي طريقة لوحة " البايب " للفنان البلجيكي رينيه ماجريت الذي فيها رسم بايب بشكل واقع للغاية ثم كتب داخل اللوحة " هذا ليس بايب " .. كذلك هدي قدمت هيئة عسكر بملابسهم لكنه قالت بصرياً " هؤلاء ليسوا بعسكر ".. فقد نزع كل من الفنانين عن الشكل انطباعنا عنه وعن دوره ليثيرا فينا الحالة الذهنية .. كما تُربكنا الفنانة هدي بكتابتها لكلمة " سلمية " ملتفة حول الأذرع ورسمه لحمامة السلام فوق الكاب وبجهاز التواصل اللاسلكي بدلاً من السلاح وكل هذا عبر نطاق ملبس العسكر .. ربما ايماناً منها بأن ملابسنا كلما ازدادت اندماجاً فينا اتسمت بطابع أخلاقنا وسماتنا وهنا اكتسبت بمفرداتها المرسومة الجديدة ما لشباب الثورة من رؤية .. وهذه الملابس العسكرية الفقيرة اللون والملمس تدفع للتفكير بأن ليس الناس بحاجة لمظهر جديد يجعلهم يؤدون شيئاً جديداً بل بحاجة أكثر لشيء يكونونه .. فهذه الملابس قديمة مستهلكة سبق استعمالها فصورها الفوتوغرافية استحضرتها الفنانة لجنود بالفعل كانوا مُرتديها واستبدلت فيهم الرءوس .. فهذه الملابس القديمة الهيئة والمنظومة لا يكون لها فعل جديد وحياة جديدة إلا إذا لبسها أحد وغامر بها في الحياة واستطاع ان يمدد جسده من الداخل بمجهود باطني .. ونلاحظ أن الفنانة جعلت التركيز علي الوجوه التي تنظر الينا لتُساعدنا علي قراءة أفكارها وتوجهها كما ان الفنانة لم تجعل للأجساد اقداماً لاهتمامها الأكثر بالفكرة وبطاقة الذهن في التواصل بالأفكار وقد وصلت أفكار الشباب بالفعل الي أرجاء العالم تماماً كالقمح المصري القديم وصل الي بلدان في أطراف الكون علي يد مومياء.. كما يتأكد فعالية التواصل عبر الفضائي المفتوح وجود اجهزة اللاسلكي التي تسبح موجات رسائله محيطة بكرتنا الارضية .. كما ان هذا الطواف حول العالم للفكرة نجده متحققا في المكان متكاثرا منتشرا فالتقاطعات في اللوحة تجعلنا كأننا ننظر الي بركة مياه انعكست فوق صفحتها صور الصفوف متكسرة متكاثرة مع رؤيتها من زوايا عدة ومع كل حركة هواء كي تزداد وتتسع وربما تكمن هنا رمزية للذهن الذي به تتكاثر وتنتشر الرؤي..لنري الفنانة بذلك لاتقدم تماثلاً لذاته قدر ما تقدم تنوعاً في امتداد لا نهائي..ففكرة التكرار اهتمت به هدي لطفي في لوحتها فهذا التكرار التماثلي في الحركة وداخل نفس الحيز من الملابس المتشابهة لم تجعل لهذه الأجساد تواجد عضوي بل جعلها مجرد أشكال في حالة تداعي بصري كما أن إحلالها وجوه الشباب كحماة للوطن جدد محل العسكر جعل هذا يبدو علي شكل إجابة عن شيء آخر يلتصق خفية بالأول بروابط معقدة لىُستخدم كمرجع للإجابة ..لذلك اري هدي لطفي تدمر مفاهيم راسخة لتُغير توجه اللوحة تجاه المعني وليس الحكائي بدمجها للصور والمفاهيم في جملة بصرية واحدة في تزامن مع ممارسة التناقض.. لكننا كمشاهدين قد نصبح في لحظة غير متأكدين ولسنا علي نفس المسافة الإيجابية فللفنانة حججها وقبولها ورفضها الذي يضعنا كمشاهدين بحواسنا المادية في مفارقة التناقض فيما اذا كانت اللوحة كاذبة أم زائفة ؟ فواقعيتها معقدة فنري مجموعات اللوحة في الحياة لا يأتي برفض صريح لهم فبورتريهات اللوحة تضم وجوها في ملابس عسكر لشهداء وراحلين ورموزاً ومجهولين ومن هم أحياء .. لكن ما هو الحاسم في أن ننظر الي ملابس العسكر كنص زائف في اللوحة..؟ وأن نقول انها قصدت المفاهيمية وليس الملبس كنص تقليدي مثلما رسم ماجريت " البايب " وقال هذا ليس ببايب ..فهل قصدت الفنانة نفس الشيء ؟ .. وهل تُعيد قراءة التجربة بمنطق الآلية السياسية أم الآلية العسكرية للقمع ؟ أم سيظل هذا التصنيف أو الانسجام داخل العمل غير طبيعي ويقع خارج نطاق هذا المعيار ؟ .. لأن هؤلاء ليسوا عسكر وهذا تحديداُ ما يصل بالمشاهد لمنطقة حرجة من آثار التباين والتناقض.