لم تكن المرة الأولى التي يُقّدم فيها الراحل أحمد خالد توفيق ذلك العالم الكابوسي عن أرض يحكمها الظلام، فعلها قبلًا في سلسلته الأشهر "ما وراء الطبيعة"، عندما قدّم "أسطورة أرض الظلام"، ليخوض في عالم تحكمه فئة قليلة احتكرت النور، وغسلت عقول البشر ليصير النور هو الجريمة العظمى، ويغدو قومندان ذلك العالم هو المُعادل للأخ الأكبر الذي صنعه جورج أورويل في روايته الأشهر 1984. "الثورات لا تقوم ضد الطغاة، بل تقوم ضد البلهاء أولا. عندما يصير ثلاثة أرباع الشعب ضدك، وقد آمنوا أن الطغيان أمر إلهي، وأنهم أسعد حالا تحت سلطة أبوية غاشمة.. عندها يصيروا متأهبين لرجمك".. ما فعله توفيق هو إعادة مُعالجة لفكرته بشكل أطول وأعقد كما قال في مقدمته، وهو الأمر نفسه الذي فعله شريدان لو فانو من قبل عندما قام بتحويل قصص قصيرة له إلى روايات؛ وكذلك روبرت هاينلاين؛ وأيضًا فتحي غانم الذي كتب "الرجل الذي فقد ظله" مع تغيير الراوي، وستيفن كينج الذي غيّر الأحداث وأعاد نفس الحكاية في "المنظمون" و"ديسبيريشن"، لتختلف الحبكة والنهاية، ويبدو في الرواية الجديدة عُمق ذلك العالم الموازي المخيف، الذي تخلى فيه العالم كله عن حقه في الحرية مُقابل الحياة كالفئران في ممر حالك السواد. "أحيانًا نسخر ممن يتوقعون منا الأفضل، ثم نكتشف أنهم كانوا على حق وأننا أفضل مما تصورنا".. يحكي المؤلف عن الشرقاوي، الرجل الذي دخل في غيبوبة عميقة، ليجد نفسه فجأة في عالم يسوده الظلام، يتذكر على الفور قصة ه. ج. ويلز الشهيرة عن بلد العميان، لكنه لا يجد المبدأ الشهير "في بلد العميان يغدو الأعور ملكًا"، بل يجد قومًا تخلوا عن النور بمحض إرادتهم فقط في سبيل الحق في الحياة بلا أدنى نوع من المميزات، والتي احتكرها حاكم غامض يُدعى "القومندان" استطاع إخضاع العالم لسيطرته بعد أن أخفت سُحب سوداء نور الشمس، وتطويع الشرطة لتكون تحت إمرته، لينهب خيرات العالم كله في قلعته التي تقع فوق مستوى السحب السوداء، ويحظى وقادته بكل ما لم يُتاح لبشري اعتاد أن يعتبر النور هرطقة وصلت لمرتبة الخيانة العُظمى. "البشر لا يقدرون علي توزيع الثراء منذ فجر التاريخ لذلك اكتفوا بتوزيع الفقر".. تتضمن تفاصيل العالم الظلامي العديد من الأمور الكابوسية، حيث تتشرب الأجيال الجديدة الولاء للقومندان، فيُبلغ الأخ عن أخيه والزوج عن زوجته؛ كذلك تنتشر الشرطة وبصاصيها الذين يحملون مناظير الرؤية الليلية لكي يخترقوا كل بيت ويكونوا حاضرين كل حديث، وتغدو كلمات مثل "الهرطقة" و"الظلام المقدس"، وهي مفردات العصور الوسطى، مصطلحات أساسية في ذلك العالم، بينما يتم الإعدام العلني للمهرطقين الذين يسعون إلى النور بأبشع الطرق، وعلى مسمع من الجميع الذين ينقسمون ما بين منتشي ومرتعب. كذلك يخوض في مشاعر الحلم بالنور والحرية الذي يحاول النورانيون على استحياء ترويجها في عالمهم. "ومن الجلى انه سيعيش ويموت خامد الذكر. سوف تنسى الارض انه مشى عليها يوما، فقط يعيد للتربة بعض الكربون والنيتروجين كانت أمه قد اقترضتهما من الوجود وحان وقت إرجاع القرض". مع خطأه في إشعال الضوء، يجد الشرقاوي نفسه متورطًا مع خوارج هذا العالم وهم "النورانيون"، والذي ينتشرون في بقاع العالم دون أن تكون لديهم وسيلة اتصال سوى إيطالي يُدعى فيتوريو استطاع اختراق قلعة القومندان ومعرفة ما يدور بها، وفي الوقت الذي تكتشف فيه بأولا، إحدى فتيات النورانيون أن القومندان -الذي يعتقد الجميع أنه راهب تبتي يعيش في عزلة عن قلعته اللاهية- ليس سوى صورة ضخمة يختبئ خلفها مجموعة من الجنرالات المُنشقين من الصين والاتحاد السوفيتي، ضموا إليهم أغنياء وثروات العالم، فيما يتحدث فيه الجميع عن نبوءة أسطورية حول غريب قادم من عالم آخر، يراه النورانيون المُخلّص الذي سيقضي على طغاة عالمهم ويجعل النور من حقوقهم. "ثمة عبارات تكشف كل جوانب أرواحنا، وكل الأركان المظلمة. من عبارة واحدة تعرف كل شئ عن الآخر".. ومع قرب انفراط عقدهم، يضع فيتوريو خطة يائسة للتسلل إلى داخل القلعة بصحبة الشرقاوي الذي يرونه ذلك المُخلّص حتى تتحقق النبوءة، وتسير الخطة بنجاح، ويكتشفوا أن استمرار الظلام عملية صناعية تتم داخل القلعة، ويبدأ الثوار في تنفيذ خطتهم، حتى يكتشف الجميع أن النبوءة عكسية، وأن ذلك الغريب ليس سوى القومندان الذي ينتظره طُغاة عالمهم ليعلنوا له الخضوع.