الليل والصمت وأغنية الانهزام... وصحوة الجرح الذي لم يلتئم بعد... والشهوات التي لم ترتوِ قط.... أنت رخو.. ضعيف.. أنت عاجز عن مواجهة كل شيء. فلتنم.. فلتنم.. في الصباح سيمر اليوم سريعا وتخلد للنوم من جديد.. ستفعل هذا وستواظب عليه 365 مرة كل عام ولمدة عشرين عاما أخرى فقط، ثم ينتهى كل شيء. بتلك السطور تحسس الدكتور أحمد خالد توفيق، بأصابعه حجم الورم الخبيث الذي لم تندمل جراحه حتى بعد محاولات استئصاله المتكررة، ذاك الورم المتضخم يوما تلو الآخر، بين الغنى والفقر، بين الثورات وصناعة الخوف، بين الظلام الدامس وتنمية الوعى الجمعى، وبين حالات اليأس والضعف والوهن التي أصبحت تسري في عروق الأطفال وتشيب رءوس الشباب قبل العجائز في مجتمعنا الحاضر. فالحياة داخل «ممر الفئران» مرآة عاكسة للواقع السياسي المزيف.. والاقتصادى المترهل.. والاجتماعى الرخو. «الظلام المقدس» أن تكون من جيل الظلام، أن تربى على أن النور والشمس من أساطير الشيوخ الواهمين، أن توقن أن الظلام هو من عند الخالق وأن التمرد عليه نوع من الإلحاد، أن يصبح الظلام دينا جديدا من يحاول تلويثه بالنور، تصبح مهرطقا زنديقا كافرا يقام عليك الحد. يأخذنا أحمد خالد توفيق إلى فكرة الاستقطاب الجمعى نحو دعم نظام سياسي معين، عن طريق إكساب الظلام صفة القدسية وتحويل الليل عقيدة مسلم بها، ودور وسطاء الدين من شيوخ وكرادلة وكهنة وحاخامات، في ترسيخها وزرعها بالعقول البشرية، فالأفكار المكسوة بالصفات الإلهية يصعب النبش في صحتها، والبحث ورائها يفتك صاحبه. «القومندان والكلاب» سيناريو صناعة الخوف الممتلئة به كتب التاريخ، فلا أحد يعرف جيدا متى بدأ عهد القمع ومن أين جاءت تلك الصناعة، والقومندان هو رمز للسلطة التي تراقب دائما وتحكم دائما وتحمي دائما وتحقق العدل أحيانا، وذلك في مقابل إطاعته دون تذمر، أما الكلاب فهم أداة السلخ التي تنهش لحم كل من حاد عن الظلام دينا. وفي بيان القومندار الأول لرعاياه يقول: "القومندان لا يرغمك على التخلي عن وطنك أو دينك أو مالك أو عرضك فقط يطلب منكم أن تقدموا له نسبة من منتوج بلادكم مقابل حمايتكم وأن تقبلوا بسلطته. القومندان اختار لكم الظلام، الظلام مقدس وطاهر لهذا يجب أن تعيشوا فيه أبدًا، النور دنس يلوث الظلام لهذا يحرم عليكم البحث عنه، إن النار حق أصيل للقومندان وليس من حق سواه. إن من يجرؤ على استعمال النار أو البحث عنها يرتكب إثمًا يقترب مما يسميه أتباع الديانات بالكفر، جزاء استعمال النار بأي شكل هو الموت.. العذاب ثم الموت". ويصف المؤلف حال مجتمع في ممر الفئران.. "كما هم العامة الجهلة في كل مكان وزمان، يعشقون العبودية ويهوون الخضوع، ويقنعون أنفسهم أنهم يكرهون ما يكره الحاكم ويحبون ما يحبه، أي أنك لا تطيع الحاكم بل تطيع نفسك أولا، فإذا حاول أحد أن يوقظهم من غيبوبتهم مزقوه تمزيقا". الشرطة والحكومة لم تكن كل شيء، هناك رجال الدين التقليديين من شيوخ وقساوسة وحاخامات، لكن هناك كذلك كهنة الظلام، وهم من يبشرون بالظلام ويدعون الناس لتذوق تلك النعمة، لو أراد الله لنا أن نرى النور، لما حجب عنا الغمام أصلًا، نحن نحقق إرادة الله فينا. «ثورات النورانيين» هؤلاء الثوار النوارنيين أو الضوئيين المؤمنين بتحقيق العدالة والمساواة وفقا للمبدأ الاشتراكى، بحق الجميع بالاستمتاع بالنور والضوء، فالنور ليس كفرا أو إلحادا، ولكنه ينال ويضعف الحاكم. وتستمر محاولات النورانيين عبر صفحات «في ممر الفئران» في البحث عن نقطة لاختراق برج بابل فوق السحاب، يستأثر القومندان ومعه زمرة من الجنرالات والأغنياء بالمال والشهوة والنور، بينما يغرق أهالي ممر الفئران في وحل الظلام الدامس. «وهم المخلص» ويكشف لنا المؤلف في نهاية الرواية، وهم المخلص أو المهدى المنتظر الذي يؤمن به معظم شعوب العالم، في تخليص الناس من العبودية والتمييز الاجتماعى وإرساء مبادئ العدل وتحريرهم من ذاك الظلام الدامس، بأنه هو القومندان –مجهض الثورات- وتلك الفكرة التي اخترعها الجنرالات والمترفون ليحكموا سيطرتهم على أتباع أرض الظلام.