لا أستطيع أن أخفي اعجابي الممزوج بقليل من الحسد، أمام مبادرات رجال الأعمال من الوزن الثقيل في الغرب، الذين يتبرعون بالمليارات لأعمال الخير، ومثلهم بعض كبار الفنانين المهمومين بأحوال مجتمعاتهم بحق، بل إن هؤلاء وأولئك يمدون أبصارهم لأبعد من أوطانهم، لتصل مساعداتهم إلي بلاد تبعد عنهم آلاف الأميال، بمجرد أن الإنسانية هي الجامع بين بشر منَّ الله عليهم بالمال الوفير، وآخرون يعانون المرض والفقر بما يعرض حياتهم لأخطار دائمة. يحدث هذا في الغرب الذي نصفه دائما بأنه "بلا قلب"! عندنا الصورة في الغالب علي النقيض، رغم كل المزاعم بأننا نمتلك قلوبا رحيمة، ونفوسا رهيفة! من ثم فإن اقدام أي رجل أعمال عربي علي مبادرة تتجاوز أشكال البر والإحسان إلي الأخذ بيد الشباب، ووضعهم علي أول الطريق، تعد مبادرة جديرة بالثناء والتشجيع، ثم المطالبة بأن يحذو آخرون حذو صاحب المبادرة، في مجتمعات تنتشر فيها معدلات البطالة، وتتضاعف بنسب مخيفة، تلقي بظلال قاتمة ليس علي الحاضر فقط، وإنما تهدد المستقبل بشكل مباشر. في السعودية، وفي جدة بالتحديد، أهدي رجل أعمال 48 منشأة تجارية لجمعية الأيادي الحرفية الخيرية السعودية، ليستفيد منها نحو مائة شابة وشاب من ذوي الدخل المحدود أو معدومي الدخل. صاحبنا لم يقدم للشباب في وطنه جانبا من زكاة ماله أو صدقة ما تلبث أن تتبخر في ظل غلاء الأسعار، والاحتياجات المعيشية المتزايدة، ولكنه فضل تقديم مشروع صغير، يستطيع من يقوم عليه أن ينميه، بالتوازي مع وقايته من شر السؤال وذل الحاجة. المبادرة ترجمة رائعة لفكرة أن تعلم إنسانا فن الصيد، بدلا من أن تقدم له كل يوم سمكة. ما فعله رجل الأعمال السعودي أنه قدم شبكة أو سنارة لكل شاب وفتاة، بدلا من أن يعدهم بتقديم وجبة تسد رمقهم يوما أو بضعة أيام، ثم لا تدوم لأي سبب. اتصور ملامح هؤلاء الذين استفادوا من تلك المبادرة لحظة تسليم كل منهم مفتاح مشروعه الصغير، والأحلام التي تحلق بالشاب أو الفتاة إلي بعيد نحو مستقبل أفضل، وما يمثله ذلك من حافز يدفعهم للاجتهاد والمثابرة والسهر. مبادرات من هذا النوع يجب أن تتحول إلي سمة في تصرفات رجال الأعمال العرب، لأن انتشار البطالة سيكون خطرا علي الجميع، وأي نظرة ذكية وشاملة لاحوال المجتمعات العربية ومشكلاتها المتفاقمة سوف تفرض توجهات أقل انانية، وأكثر رشادة وهو ما نحتاج إليه الآن أكثر من أي وقت مضي.