مشكلة خطيرة تتعرض لها المراكز الطبية المتخصصة بسبب انتهاء مهلة توفيق الاوضاع مع حلول اول يوليو القادم وذلك بعد صدور تعديل لقانون المنشآت الطبية عام 2004 وهي الآن معرضة للاغلاق لان الشروط مستحيلة وكان التعديل في القانون قد حافظ علي التقسيم النوعي لتلك المنشآت بمعني ان هناك 3 أنواع للمنشآت: عيادات سواء فردية او مشتركة بين مجموعة اطباء، مراكز متخصصة "عيون - أشعة - كلي وغيرها" ومستشفيات. لكن التعديل غير في اشتراطات الترخيص علي مستوي الملكية وعلي مستوي الاشتراطات الخاصة بالمكان ذاته فاستحدث في مجال الملكية نصا ينظم ملكية العيادات فجعلها للاطباء ولغيرهم من جمعيات اهلية وخيرية وهذا الجانب في التعديل يراه فقهاء القانون والعاملون في الجمعيات امرا ايجابيا لانه يسمح بتقديم الخدمة الطبية بقطع النظر عن مقدمها لكن بشرط وحيد تمت المحافظة عليه في القانون القديم ان يدير المنشأة الطبية "طبيب"، بصرف النظر عن مالكها.. واقول انه ايجابي لان الجمعيات الخيرية تقدم خدمات واسعة وتغطي مناطق سكنية كثيرة في وقت لم تكن فيه الدولة قادرة بمفردها علي تقديم ذلك اضافة الي حل مشكلة بطالة الخريجين من الاطباء الذين لا يملكون رءوس اموال كافية لاقامة مشروعات مماثلة وليس لديهم سوي علمهم وارادة وحلم ممارسة هذا العلم. لكن المشكلة الخطيرة تكمن في المراكز المتخصصة التي قصر انشاءها علي الاطباء فقط وغير في اشتراطات المستشفي التابعة للمركز الطبي بان تشمل 15 سريرا بدلا من 10 أسرة وغرفتين للعناية المركزة بدلا من غرفة واحدة وقد حرم القانون الجمعيات من انشاء مراكز متخصصة وقصرها بالتالي علي الاطباء فقط.. وسوف تصبح العديد من المنشآت الطبية وفقا لهذا التعديل مخالفة لتلك الاشتراطات التي نصت عليها تعديلات قانون سنة 2004 وقد اعطي مهلة سنتين للمنشآت المرخصة بتوفيق اوضاعها ولكن ليس امامها الا اغلاق ابوابها والتوقف عن نشاطها لان المنشأة التي اقامت عيادة لو كانت تستطيع ان تطور شكلها لتصبح مستشفي او مركزا متخصصا لكانت قد بادرت بذلك حتي قبل صدور التعديل. ونحن نعلم ان هناك العديد من المستشفيات والمراكز والعيادات التي تحولت بالفعل الي التجارة في اجساد المرضي ونعلم ايضا ان بعض المنشآت ينطبق عليها وصف "بئر السلم" تقوم بعمليات دون ان يتوافر فيها الشروط الصحية، هذا وقد يقول المشرع انه من وراء تعديلات القانون يستطيع ان يوقف هذه التجاوزات الخطيرة، لكن الحقيقة ايضا اننا كمجتمع ذي كثافة سكنية عالية يحتاج الي هذه المنشآت كافة، مع إحكام الرقابة واغلاق بعضها اذا استدعي الامر ذلك وهي سلطة ادارية موجودة في القانون وادارة العلاج الحرفي أي مديرية صحة مهمتها اغلاق هذه المنشآت اداريا بعد اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة لازالة المخالفة او الاغلاق الفوري لكن في المقابل لا يمكن ان يكونم القانون أعمي.. وتحرم هذه الالوف المؤلفة من تلقي الخدمات التي تقدم باسعار متواضعة ومناسبة لمحدودي الدخل في ظل عدم استيعاب المستشفيات الحكومية والتأمين الصحي لكل هؤلاء المرضي.. ويصبح من الظلم للناس ان يقصر حق انشاء المراكز الطبية المتخصصة علي الاطباء دون سواهم وحرمان المجتمع الاهلي من اداء دوره ومن مواصلة تقديم هذه الخدمات الحيوية.. الا اذا كان المقصود هو إحكام السيطرة علي النشاط الطبي وان يصب في دائرة الاحتكار المرفوضة وان يكون للقادرين وحدهم! ولعل من الضروري ان نتذكر ظروف نشأة الجمعيات الخيرية في مصر.. ودورها الكبير في تغطية قصور الدولة في الرعاية الصحية للمواطنين، ودورها الحيوي ايضا الذي لا يمكن الاستغناء عنه نظرا لسعر الكشف المتهاود الذي لا يزيد علي 5 جنيهات في ظل ان عددا ضخما من الشعب المصري ظروفه متواضعة ولا يحظي بتغطية تأمينية.. وأضرب مثلا علي هذه الجمعيات: من منا لا يعرف جمعية الدكتور مصطفي محمود، وهي جمعية تقدم خدمات راقية وعلي أعلي مستوي وباسعار تقل 25% عن المراكز الخاصة الاخري اضافة الي العلاج المجاني تماما لغير القادرين وهي جمعية ليست عليها اية شبهات سياسية وبالتحديد "إخوانية" علي الرغم من اني لا أحاكم الجمعيات الاسلامية التابعة لجماعة الاخوان، فهذا موضوع له مجال آخر، ولعل الاحصائيات الاخيرة لجمعية محمود تشير الي تقديم خدمات تزيد علي 700 الف مريض سنويا، تجاوزت حدود محافظتي القاهرة والجيزة اضافة الي القوافل الطبية التي تذهب الي المناطق النائية وتقوم بعمليات مجانية بواسطة كبار الاساتذة الاطباء. جمعية محمود تحديدا واحدة من المنشآت التي سوف تتضرر بعد تطبيق التعديلات القانونية الاخيرة ومركز العيون الواقع في الزمالك الذي استخدمته شخصيا عشرات المرات ولم أكن أحدق يوما بانه يتبع جمعية خيرية من فرط اعجابي بالمستوي الرفيع الذي يتمتع به، ومهدد بالاغلاق لانه مملوك لجمعية خيرية ودون اي اسباب اخري وهذا المركز لا يمكن اضافة اسرة اليه لان المكان لا يسمح باكثر من 10 أسرة وهو يقدم خدمات شبه مجانية لعشرات الآلاف من المرضي.. وهو مثال من عديد الامثلة الاخري التي سوف تتعرض للاغلاق. نعم، اتمني ان تكون المستشفيات كلها شبيهة بدار الفؤاد لكن حتي تتحقق بعض احلامنا لابد ان يعالج المرضي، ولابد ان يجدوا من يشعر بمعاناتهم فالعين بصيرة واليد قصيرة، والجمعيات الخيرية تؤدي هذا الدور وتستطيع ان تقدمه بالمجان او باسعار قليلة لنظرا لانها تتلقي الهبات والتبرعات والشرائح العريضة في المجتمع مازالت تموت بأمراضها لانها لا تملك بضعة جنيهات لاجراء عملية او اشعة رنين مغناطيسي او لعلاج السرطان او القلب او حتي السكر والكلي. والسؤال الذي اضعه بين يدي الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة رغم علمي بان القانون تم تعديله في وقت سابق لتسلمه الوزارة: لمصلحة من غلق هذه المنشآت الطبية؟ هل نريد المزيد من مشاركة المجتمع في تحمل تكاليف الصحة، ام نريد المزيد من طوابير المرضي امام التأمين الصحي والمستشفيات الحكومية التي يعلم د.حاتم خير علم مدي تواضع إمكانياتها؟