وسط احتدام اطماع القوي الكبري للسيطرة علي ثروات الشعوب، ورغم تسابق الشركات متعددة الجنسيات لوضع ايديها علي كل موارد الطاقة بالتحديد من اقصي الارض الي اقصاها.. ذلك السباق الذي يطيح في طريقه بكل ما كانت الدول تتغني به من سيادة قومية ومن سيطرة الشعوب علي مقدراتها.. مازالت شعوب العالم تبدي مقاومة لهذه الهيمنة، بعدما زاد وعي المواطن العادي، ولمس بيديه مدي تأثير هذه الاطماع العالمية علي حياته اليومية وتهديدها المباشر لحقه في لقمة العيش. وها هي أنباء صحوات تتري من هنا وهناك، تؤكد ان احلام القوي الاستعمارية في بسط هيمنتها علي مقدرات الناس لن تمر بسهولة.. وان الشعوب لم تعد بالسذاجة التي كان يتصورها الطامعون.. ويأتي الدرس هذه المرة من بوليفيا في امريكا اللاتينية، وتتلقفه عقول يقظة في دول الامارات الشقيقة الناهضة، لتكمل لنا الدرس.. فهل نتعظ نحن في مصر؟ لقد ضربت بوليفيا - تلك الدولة الصغيرة الفقيرة الواقعة في الوسط الغربي من قارة امريكا الجنوبيية - مثلا في الوعي باهمية ادراك مقومات الثروات الاقتصادية الوطنية للاوطان وبأن العبرة ليست في المكاسب السريعة قصيرة النظر وانما بالتخطيط المدروس الذي يعم خيره ليس فقط علي الاجيال الحالية وانما الاجيال المقبلة ايضا. فمنذ عام 1997 وشركات البترول والغاز العالمية تتسابق بكل ثقلها علي استغلال ثروة الغاز الطبيعي المكتشفة حديثا - في الدولة التي تناهز مساحتها مساحة مصر فيما لا يعادل عدد سكانها سوي نحو عشر سكان المحروسة تقريبا يعيش نحو 64% منهم تحت خط الفقر - خاصة بعدما اتضح ان احتياطي البلاد من تلك الثروة يبلغ 727.2 مليار متر مكعب، لكن البوليفيين اكتشفوا ان الاكتفاء بمجرد تصدير الغاز الي الخارج يحرمهم من حقهم في الاستفادة المثلي من ثروتهم، وان الامتيازات التي تحصل عليها شركات البترول لا تترك لهم سوي الفتات.. ومن هنا - بالاضافة الي عوامل اخري - تولدت شرارة الاحتجاجات الشعبية التي دفعت رئيسين متتاليين للجمهورية الي الاستقالة كان اخرهما في منتصف العام الحالي، عندما اندلعت المظاهرات في منتصف مايو بعدما اعلن الكونجرس البوليفي رفضه المطلب الشعبي بتأميم الغاز وسيطرة الشعب علي الطاقة التي كانت قد بيعت للشركات متعددة الجنسيات والاحتكارات الامريكية.. وواصلت النقابات ومنظمات الحركات الاجتماعية والحركات الراديكالية للفلاحين والسكان الاصليين تظاهراتها واستمر العصيان المدني من اجل تأميم الغاز.. وتطورت الاحداث الي ان استقال الرئيس "ميسا" املا في ان تمر الازمة كما مرت منذ عامين. وانتهت بالاطاحة بالرئيس السابق "كونزالو شانسيز" وتنصيب نائبه "ميسا" رئيسا الذي استمر في المماطلة والتهرب من الاستجابة لمطلب تأميم البترول. فالناس في بوليفيا - وهي بالمناسبة دولة اسمها مشتق من اسم ثائرها سيمون بوليفار الذي حررها من الحكم الاسباني في الربع الاول من القرن التاسع عشر - اعلنوا بوضوح عن رغبتهم في استغلال قطاع الطاقة المحلي في بناء قطاع صناعي بدلا من الاكتفاء بتصدير الطاقة التي تمثل عصب الحضارة الحديثة الي الخارج. لقد فطن المواطن العادي في تلك الدولة المعدمة الي حقيقة لاتزال الي حد كبير غائبة عنا في منطقتنا العربية، حيث يتم تصدير جانب ضخم من ثرواتنا من الطاقة للخارج "نحو 60% من صادرات العرب بترول وغاز" بدون استغلالها الاستغلال الامثل في بناء مجتمعات صناعية متطورة لاسيما ان تلك الثروات تشكل فعلا عصب الحضارة الصناعية الحديثة. غير ان ثمة اخبارا جديدة ربما تبعث علي التفاؤل جاءت من دولة الامارات الشقيقة.. فهذه الدولة البترولية المهمة "احتياطياتها البترولية تبلغ 97.8 مليار برميل" تراودها الان فكرة لا تبعد كثيرا عن الطريقة التي فكر بها المواطنون في بوليفيا.. فقد اعلنت امارة أبوظبي اعتزامها العمل علي ان تصبح احد مراكز الصناعات الثقيلة في العالم بعدما رأي المسئولون في الامارة ان قطاع الصناعات الثقيلة في الغرب - مثل صناعات الصلب والالومنيوم والسيارات - في الغرب يعاني من خسائر ضخمة بسبب الصعود الصاروخي في اسعار الطاقة وارتفاع تكاليف العمالة "شركة جنرال موتورز اكبر شركة لانتاج السيارات في العالم تكبدت خسائر قيمتها 1.1 مليار دولار في الربع الاول من السنة المالية الحالية، وتقلصت حصتها في السوق الامريكية الي 24.7%". وبالنظر الي تمتع الامارة بوفرة في الطاقة وبرخص الايدي العاملة التي يسهل جلبها من آسيا جاءت فكرة التحول الي مركز عالمي للصناعات الثقيلة يأتي ذلك وسط مساع مماثلة وان كانت بطريقة اخري في امارة الفجيرة التي تسعي الي ان تصبح مركزا عالميا لتموين السفن بالوقود بينما تشهد مساعي لبناء قاعدة انتاجية ضخمة لانتاج المشتقات البترولية. افلا يجدر بنا - في مصر - ان نبحث بدقة الدروس المستفادة من هذه التجارب؟ وان نعيد النظر في قضية الهرولة الي تصدير جانب كبير من انتاجنا الضخم من الغاز الطبيعي الي الخارج "باحتياطي يصل الي 75 تريليون قدم مكعب منها 53 تريليونا احتياطيا مؤكدا" مع ان فرصتنا كبيرة في استغلال هذا الغاز الخام خاصة ان امكانياتنا البشرية وخبراتنا في هذا المجال اكبر بكثير من امكانيات بوليفيا والامارات "شركة الحديد والصلب المصرية اعلنت تحقيق صافي ارباح قدره 274 مليون جنيه خلال الشهور التسعة الاولي من العام المالي الحالي مقابل 10 ملايين خلال العام السابق باكمله" ان الامر يتطلب فقط اعادة نظر: فمصر ازمتها الاقتصادية الخانقة لم تعد خافية علي احد، ومعاناة المصريين من اجل الحفاظ علي مستوي حياة كريمة تستحق البحث عن سبل لسد حاجات المواطنين واعادة بحث سبل الاستفادة من مواردنا بدلا من استسهال تصديرها، سيتيح فرص تشغيل ملايين العاطلين بدلا من ان نظل نشكو من زيادة السكان.. التي نعلم جميعا انها يمكن ان تكون نعمة لا نقمة، اذا ما حرصنا علي الاستخدام الامثل لمواردنا، وكما نعلم جميعا "فما يحتاجه البيت يحرم علي الجامع".. وما يحتاج الوطن لتشغيل ابنائه العاطلين وبناء صناعة قوية يحرم علي التصدير. [email protected]