عريان نصيف (1) في مفارقة غريبة وعندما تطوعت في الحرس الوطني واكتشفوا أنني شيوعي واتهموني بالعمل علي تفجير المعسكر، ساقوني إلي السجن الحربي، عذبوني تعذيبا شديد القسوة، وسألني ضابط اسمك إيه قلت عريان فقال خلاص خليك عريان، وخلعوا ملابسي تماما في زنزانة مليئة بالماء البارد. (عريان نصيف في حواره معي) الأبوان كانا يعانيان من مرارة فقد أطفالهما، يموتون وهم رضع الواحد تلو الآخر أربعة ذكور وثلاث إناث، يموتون دون سبب واضح ودون مرض معلوم، عجز الطب ولم يبق أمام الأبوين سوي الرضوخ للأوهام باتقاء الحسد، وعندما جاءهما طفل ثامن سمياه عريان، وفوق هذا ألبساه ثوبا من الخيش لعله يثير شفقة الجيران وليس حسدهم. الأسرة كانت من الأثرياء، ويتداول الأبناء كيف أن الجد كان يمتلك عزبة كبيرة سميت علي اسمه «عزبة أبوموسي» والأب كان نصيبه من الميراث أربعون فدانا، إيرادها يكفي ويزيد، ولهذا أراح نفسه من أي إرهاق، فاكتفي من التعليم بالسنة الرابعة الابتدائية، ومن السياسة بتأييد أي حكومة، ومن المواقف والآراء ما تنشره الأهرام فهي بالطبع تفهم أكثر من الجميع، والطفل عريان ما أن شب عن الطوق حتي خلع الخيش وتمتع بحياة شبه مرفهة، لكن ثمة شيئا كان يوخزه دائما لعله ضمير يقظ، أو أفكار مسيحية ترسخ بعضها في وجدانه.. وتؤرقه أسئلة مثل لماذا يعيش الفقراء في هذا البؤس بينما أحبهم المسيح وعطف عليهم؟ ولماذا هم جائعون ونحن نتمتع بكل شيء، أمه حاولت إقناعه بأن «دي حكمة ربنا» ولم يقتنع، والأب حاول إقناعه بأنه لا يظلم أحدا، وأتي له بأحد المستأجرين ليقول له «يا سي عريان إحنا عايشين في خيركم، والفتي العنيد لا يقتنع ولا يكف عن تأنيب والديه فيأخذه الأب إلي أبونا متي راعي كنيسة بسيون الذي يقول له «يا ابني لا تعترض علي حكمة ربنا» لم يقتنع عريان وقرر أن يرد علي هذا التمييز بطريقته الخاصة، فالفقراء لا يأكلون اللحم ولهذا هو لن يأكل لحما، ولا يتعلمون في المدرسة ولهذا هو لن يذهب إلي المدرسة ولا يلبسون ملابس جديدة في العيد ولهذا رفض ملابس العيد الجديدة، الأب خبط كفا بكف «يعني يا رب الولد اللي يعيش يتجنن، لكن عريان لم يكن مجنونا كان فقط رافضا للخضوع لمبدأ التمييز بين من يملكون ومن لا يملكون، وبعد محايلات من أبونا متي اقتنع بالذهاب إلي المدرسة، وإن ظل رافضا للأطعمة التي يتميز بها الأغنياء، لكن الحيرة تظل تغلف كل تصرفاته بحثا عن مخرج، وأخيرا في يوم من أيام فبراير 1951 التقط من عند بائع الصحف جريدة تحمل عنوانا صارخا اسمها «الاشتراكية» ويقول «وجدت فيها الإجابات فالنضال ضد الفقر عمل سياسي جماعي وليس عملا فرديا، باختصار وجدت نفسي، كانت الكلمات ساخنة بل شديدة السخونة ومحشوة بطلقات سريعة مثل العدالة - الحرية - الثورة، حقوق الشعب، وأسرعت لأنضم إلي الحزب الاشتراكي»، واتسعت دائرة قراءاته للصحف الصاخبة في هذه الفترة الساخنة بالحماس الثوري والوطني.. مثل الجمهور المصري - الكاتب - الملايين - روز اليوسف - الواجب ثم إلي كتابات سلامة موسي وترجمات لروايات مكسيم جوركي وبالسليقة، وربما بسبب الضمير المسيحي الحساس اكتشف أن فكرة اسمها الماركسية إلي الأكثر قربا لتحقيق العدل، وبدأ يقرأ ليلتقط كلمات وعبارات أعتقد أنها هي الماركسية، وتعرف عليه عدد من الطلاب في طنطا الثانوية الحديثة واعتقدوا أنه ممثل للشيوعيين لكنه كان شيوعيا من منازلهم. وفي المدرسة تزامل مع حسين عبدالرازق وعندما قامت ثورة يوليو أصدرا معا مجلة أسمياها العهد الجديد لكن تحمس ضد قادة الثورة لأنهم استبقوا 14 معتقلا من الشيوعيين، وتوقفت المجلة، وتنتهي مرحلة الدراسة الثانوية وإلي الإسكندرية وفي كلية الحقوق كان الضوء الماركسي المبهر في انتظاره فهناك فاروق أبوعيسي «أصبح فيما بعد قياديا في الحزب الشيوعي السوداني وأصبح رئيسا لاتحاد المحامين العرب» وهناك أيضا عبدالفتاح موافي الذي كان آتيا من المنصورة محملا بتراث نضال شيوعي عريق وفي 5 أكتوبر 1953 دعي إلي أول اجتماع شيوعي «لم يزل يذكر هذا اليوم ويعتبره عيد ميلاده الحقيقي» تدفقت انهار من الضوء المبهر.. وأصبح عريان عضوا في الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني في فترة كانت حدتو فيها مقبلة علي معركة ضارية مع حركة الجيش، ويخوض عريان معارك حدتو بالإسكندرية في فترة بالغة الصعوبة حيث عصف الأمن بعدد كبير من قيادات التنظيم بالمدينة في قضية شهيرة، ويواصل عريان حتي عام 1956 وتكون الأيام المجيدة، ومن الإسكندرية يعلن عبدالناصر تأميم قناة السويس وتنفجر كل الطاقات تأييدا ويكون العدوان الثلاثي، وتقرر لجنة كليو «الاسم السري للجنة محافظة الإسكندرية وهو مشتق من كلمة كليوباترا» الدعوة إلي إقامة معسكر للتدريب علي المقاومة الشعبية وتكوين جيش شعبي للاشتراك في مواجهة العدوان، واختارت اللجنة ثلاثة رفاق للقيام بهذه المهمة، سعد الساعي وحمدي مرسي وعريان، وبهذا التكليف أصبح عريان شخصا آخر إتقد حماسا وثورية وتدفقت كل طاقاته لإنجاح هذه المهمة. الثلاثة ذهبوا لمقابلة قائد المنطقة الشمالية اللواء عاطف نصار، السيد اللواء تحمس لحماسهم أو ربما تظاهر بالحماس لأنه كان يرتب أمرا آخر، وأقيم معسكر التدريب في أرض سبورتنج، الجميع كانوا متحمسين هو كان الأكثر حماسا وتفانيا في التدريب بما منحه الترقية إلي رتبة وكيل إمباشي فازداد حماسا، كانوا يستعدون بحماس للسفر إلي الجبهة لمواجهة العدوان، ويزداد حماسهم إذ تأتيهم أنباء رفاق تسللوا إلي بورسعيد حيث المواجهة الفعلية، وأنباء أخري عن رفيقات ذهبن إلي خط المواجهة في أبوصوير، اجتمعت المجموعة الحزبية وقررت أن التدريب الذي حصلوا عليه كاف تماما وأنهم مستعدون للسفر فورا، ولأنه كان الأعلي رتبة «وكيل إمباشي» كلفوه بأن يتصل بقيادة المعسكر ليعرض عليها طلبهم، لكن ثمة أشياء لم تكن معلومة لهم، فاللواء عاطف نصار الذي احتضنهم وشجعهم اتهم بالتحضير لانقلاب عسكري ومن ثم وضع كل من تحمس لهم في دائرة الشك ولا بأس من البحث عن أدلة اتهام إضافية باتهامه بالتعاون مع الشيوعيين في تدبير الانقلاب، ذهب عريان ليعرض طلب اللجنة الحزبية في الوقت غير الملائم تماما، وفوجئ بانفجار الضابط في وجهه، وبالقبض عليه وعزله عن رتبته وإرساله إلي السجن الحربي مصحوبا بلفافة كبيرة عرف بعد ذلك أنها متفجرات وأن التهمة التي أعدت له هي أنه كان يستعد لتفجير المعسكر.. وتبدأ مرحلة جديدة وإلي لقاء.