خطوات استخراج بطاقة شخصية بدل فاقد 2026 عبر السجل المدني والإنترنت    القيادة الوسطى الأمريكية: نواصل فرض الحصار على الموانئ الإيرانية    مثَّلا بجثمانه والتقطا صورة «سيلفي».. إحالة المتهمين بقتل شاب في الإسكندرية إلى المفتي    محمود الليثي يفاجئ جمهوره ب "البابا".. طرح جديد يعيد حضوره بقوة على الساحة الغنائية    الرياضة: تنسيق مع البنك المركزي لمراقبة أموال المراهنات    اتحاد منتجي الدواجن: التخوف من تأثير التصدير على الأسعار غير مبرر.. والسعر يصل ل 160 جنيها للكيلو    ثغرات أمنية سمحت ل"كول ألين" بالاقتراب من عشاء مراسلي البيت الأبيض    قطر وإيران تبحثان الجهود الرامية إلى تحقيق السلام    قائد اليونيفيل: مستمرون فى أداء مهامنا بروح الوحدة واليقظة فى لبنان    ترامب يهدد: خطوط أنابيب النفط الإيرانية قد تنفجر بعد ثلاثة أيام    الأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام تنظم الملتقى التوظيفي الأول لخريجيها    أبرزها الأهلي مع بيراميدز، مواعيد مباريات اليوم الإثنين والقنوات الناقلة    عادل عقل: الصافرة المصرية وجها لوجه أمام الألمانية فى ليلة حسم درع الدورى    رويترز: أسعار النفط تقفز أكثر من 2 % مع تعثر المحادثات بين أمريكا وإيران    الأرصاد: سقوط أمطار رعدية على بعض المناطق واستمرار انخفاض درجات الحرارة    رئيس كوريا الشمالية: استمرار دعمنا لموسكو    عروض مسرح الطفل بكفر الشيخ تتواصل ب"محكمة الحواديت" ضمن فعاليات قصور الثقافة    من الاستوديو، الملحن محمد يحيى يكشف عن أغنيته الجديدة (فيديو)    رئيس المركز الكاثوليكي للسينما: نستعد لليوبيل الماسي للمهرجان ب 20 جائزة لتكريم الفنانين والمثقفين    دراسة يابانية: الحليب يقلل خطر السكتة الدماغية    حبس 25 شابًا وفتاة شرعوا في إقامة حفل مخالف للآداب داخل فيلا في أكتوبر    وزير الخارجية الروسي يدعو واشنطن لحل أزمتي مضيق هرمز وأوكرانيا    كرة سلة - مدرب الأهلي: لن نركز على السلبيات.. وسنشاهد أخطائنا ونصححها    قطع المياه 24 ساعة، بدء أعمال ربط المرحلة الثالثة بمحطة العزب بالفيوم    الصحة اللبنانية: 14 شهيدًا و37 مصابًا في غارات إسرائيلية على لبنان    اليوم.. مناقشة «مضارب الأهواء» و«فن الشارع» بصالون إدوار الخراط    «شوقي ضيف.. شيخ النحاة وعالم اللغة».. إصدار جديد يرصد مسيرة قنديل العربية في هيئة الكتاب    انقلاب سيارة نقل محملة بمواد بناء على الطريق الأوسطي في أكتوبر    الأنبا بولا: "محضر الخطوبة" في قانون الأسرة المسيحية بصيغة جديدة ملزمة.. وشهادات وفحوصات قبل إتمامها    محمود محي الدين: لابد من تحقيق وحدة الموازنة.. ولن نستطيع النمو ب 7% إلا باستثمارات القطاع الخاص    محافظ الدقهلية يتفقد أعمال تعزيز الخدمات وإنشاء غرفة عمليات بممشى المنصورة    إخماد حريق اندلع داخل مخزن فى مدينة نصر    انتشال جثة طالب غرق بنهر النيل أثناء الاستحمام بمنشأة القناطر    تأجيل محاكمة عامل متهم بقتل بطل كاراتيه بكفر الشيخ لجلسة 30 أبريل الجارى    تحرير 165 مخالفة وضبط كميات دقيق وسلع مجهولة المصدر في حملات تموينية بالدقهلية    رئيس حي غرب المنصورة يتابع ميدانيًا أعمال رفع كفاءة الحدائق والمسطحات الخضراء بنطاق الحي    الكهرباء: إجراء مناقشات حاليا لاستحداث إجراءات للاعتماد على الطاقة المتجددة    بشير التابعي: بيراميدز خارج المنافسة.. وإنبي يسعى لتعطيل الزمالك لصالح الأهلي    نيس ينهي آمال نانت للبقاء مباشرة بالتعادل مع مارسيليا في الدوري    التعادل السلبي يحسم قمة ميلان ويوفنتوس في الدوري الإيطالي    القسم الثاني (ب) – نادي قوص: ندرس الانسحاب لمشاركة سوهاج بالشباب في مباراته    جامعة المنيا: 2.3 مليون جنيه مكافآت للنشر الدولي ل207 باحثين خلال 2025    جامعة المنيا: زيادة عدد الأطباء المقيمين إلى 249 طبيبًا دعمًا للمستشفيات الجامعية    تكريم الفنان خالد النبوي بمهرجان جمعية الفيلم وابنه يتسلم التكريم    "التعليم": 20 ألف فرصة عمل لخريجي المدارس الفنية داخل وخارج مصر    نتائج اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين: تمويلات جديدة وتوقعات بتباطؤ الاقتصاد العالمي (تفاصيل)    حكم المصافحة بين المصلين.. "الإفتاء" توضح    ستاندرد تشارترد: خفض توقعات الذهب إلى 5200 دولار خلال 3 شهور و5500 خلال عام    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    سيناء.. قرار واختيار    قنصوة: هدفنا تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية وتطوير الشراكات التعليمية لتحقيق التنمية    "قصر العيني" تقود مبادرة توعوية لدعم مرضى باركنسون ومقدمي الرعاية بجامعة القاهرة    وزير الصحة يتابع أعمال اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المريض    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلمانية ليست كفراً
نشر في الأهالي يوم 28 - 04 - 2010

من الشائع أن لفظ «علمانية» مرادف للكفر والإلحاد، أي أنه ضد الدين، بمعني أن العلمانية تدعو إلي عدم الإيمان بأي دين، وتمنع أداء الشعائر الدينية سواء في المساجد أو الكنائس، كما أنها تمنع تدريس مادة الدين في المدارس، وكذلك تمنع بث البرامج الدينية في الإذاعة والتليفزيون أو تلاوة القرآن الكريم في وسائل الإعلام، أو في أفضل الأحوال، تسمح العلمانية بكل ذلك ولكنها تحاصر الدين داخل جدران دور العبادة وتعزله تماما عن المجتمع.
كل هذه المحاذير المرتبطة بهذا الفهم الشائع عن العلمانية تندرج تحت ما يسمي أحيانا بفصل الدين عن الدولة، وهذا المعني الشائع عن العلمانية أو بالأدق الذي تمت إشاعته بين الناس من قبل التيارات الإسلامية السائدة، مشتق من «علم» أي عالم أو الدنيا، وبناء عليه فإن هذه التيارات الإسلامية تعتبر أن الاهتمام بالعالم والانغماس في أمور الدنيا أمور محرمة حيث إنها تؤدي بصاحبها إلي جهنم لأنها تبعده عن الإيمان بدينه وتوجهه نحو هذا العالم وتنسيه الآخرة.
وقد عبر أحد أئمة المساجد، في حي من الأحياء التي تسود فيها العشوائيات، عن هذا الاعتقاد السائد عن العلمانية بأن نصح رواد المسجد بنبذ العالم وإعداد أنفسهم للآخرة، ووصف لهم الطريقة التي يعدون أنفسهم بها لهذا الغرض وهي الجلوس في غرفة مظلمة وتخيل أنهم محددون في القبر ومعايشة هذه التجربة بكل الحواس والمشاعر لمدة ساعة يوميا، وأكد الإمام لأتباعه أن هذا التدريب اليومي من شأنه أن يبعد المؤمن عن العالم وشروره ويؤهله للآخرة ولدخول الجنة.
ملحدون وكفرة
كما دأب بعض الشيوخ علي استخدام لفظ علمانية كصفة للمثقفين والكتاب والأدباء والباحثين والإعلاميين الذين لا يكتبون بنكهة دينية بأنهم ملحدون وكفرة، بحيث شاع في وعي الناس أن العلمانية هي الإلحاد وأن العلماني هو الملحد الكافر بالدين، ويستخدم بعض الشيوخ أحيانا، عن عمد، كلمة علمانية «بكسر العين» للإشارة إلي العلم باعتباره نشاطا ماديا يستبعد كل ما هو روحاني. وفي إطار الدعوة إلي تحديث الدستور المصري من خلال دعوة رئيس الجمهورية إلي إجراء تعديلات في 34 مادة من مواد الدستور، خرج علينا أحد نواب مجلس الشعب، وهو النائب محمد العمدة عضو جماعة الإخوان، بتصريح له نشرته جريدة «الشرق الأوسط» بتاريخ 4/3/2007 قال فيه: «إن التعديلات الدستورية تهدف إلي تبني الدولة المذهب العلماني الذي نبت وترعرع في أوروبا»، وبناء عليه قرر النائب اتخاذ إجراءات لتأسيس ما سماه «الحركة الشعبية لمكافحة العلمانية» معلنا أن نواب جماعة الإخوان وهم ال 88 عضوا بمجلس الشعب سينضمون معه في تأسيس هذه الحركة، وهو ما لم يحدث بطبيعة الحال، حيث إن المسألة برمتها كانت من قبيل التشهير بالعلمانية وتهديد الدولة والرئيس إن هو فكر، مجرد تفكير، في بث مبادئ العلمانية في المجتمع من خلال تعديل الدستور.
والسؤال الآن: هل هذا الفهم الشائع عن العلمانية صحيح؟ وإذا لم يكن صحيحا، فما حقيقة لفظ العلمانية، وما جذوره؟ وهل العلمانية ظاهرة غريبة ودخيلة علي مجتمعنا ومهددة لا دياننا؟.. للإجابة عن هذه الأسئلة، يلزم أولا توضيح معني اللفظ، أي لفظ العلمانية، فالأصل اللغوي للعلمانية واحد في اللغة العربية كما في اللغة الأجنبية، في اللغة العربية «علمانية» «بفتح العين وسكون اللام» مشتق من علم «بفتح العين وسكون اللام» أي العالم، وفي اللغة الإفرنجية مشتق من اللفظ اللاتيني saeculum أي عالم. وينطوي هذا المعني علي الزمان، وهذا يعني أن العالم متزمن بزمان، أي أن له تاريخا وأن هذا التاريخ يتسم بالتغير والتطور، وأن هذا التغير والتطور يحدث في العالم، أي في المكان، كما أنه يحدث أيضا للعالم، أي في الزمان بمعني أن التغير الذي يحدث في العالم من أحداث من شأنه أن يحرك الزمان ويطوره.
التاريخ حركة
وهذا يعني أن العالم ليس ثابتا، بل هو متحرك، وهذه الحركة هي التاريخ، وحيث إن هذه الحركة تتسم بالتغير، والتغير نسبي، فإن التفكير في مجال هذه الحركة يصبح هو الآخر نسبيا، بمعني أن ما يحدث من حركة في العالم وللعالم من شأنه أن يحدث تغييرا في تفكير البشر الذين يعيشون في عالم يعتقدون أنه ثابت وغير متحرك كما كان سائدا قبل اكتشاف العالم الفلكي كوبر نيكوس في عام 1543 أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، وذلك في كتابه «عن دوران الأفلاك». هؤلاء البشر يختلفون اختلافا جذريا عن البشر الذين يعيشون في نفس العالم ولكنهم علي وعي بأن العالم متحرك، وأن الأرض تدور حول الشمس مرة كل 24 ساعة، وأن هذا الدوران يحدث تغييرا في العالم وللعالم، وبالتالي يحدث تغييرا في كل من يحيا في هذا العالم. وهذا النوع من التفكير أشبه بما يعرف ب «ثورة كوبر نيكوس» في مجال علم الفلك حيث اكتشف كوبر نيكوس حلا جذريا ومبدعا للمعضلات الفلكية التي كانت تواجه العلماء في القرن السادس عشر، بأن حول الاهتمام في علم الفلك من دراسة الكون من خارج الكون إلي دراسة الكون من داخل العالم، وذلك بالتركيز علي رؤية الإنسان الذي يحيا علي أرض تدور وتتحرك، وتلك الرؤية محكومة بعقل يدور ويتحرك في هذا العالم ومع هذا العالم، وهذه الحركة هي التي تشكل وعي الإنسان وتصوغ رؤيته للكون وللعالم، وحيث إن الحركة في طبيعتها التغير، وحيث إن التغير يتسم بالنسبية، فإن عقل هذا الإنسان وتفكيره سيصبحان أيضا نسبيين، بمعني أن عقل الإنسان سيتحرر من الوهم بأن معرفته بالعالم تستند إلي حقيقة واحدة ثابتة ولا علاقة لها بالخبرة الإنسانية في العالم لأنها حقيقة مطلقة.
المعرفة غير الإيمان
وسيدرك هذا الإنسان أن المعرفة تختلف عن الإيمان لأنها متعددة ومتنوعة المصادر ومتغيرة طبقا لما يحدث للعالم من تغير وطبقا لخبرات الإنسان في هذا العالم المتغير. العلمانية إذن، بهذا المعني، لفظ مرتبط بالعقل وبأسلوب التفكير في العالم، وليس مرتبطا ارتباطا مباشرا بالسياسة والعمل السياسي، وهذا الأسلوب العلماني في التفكير محصور في مجال ما هو متغير ونسبي، ولا يرتبط بالإيمان الديني، أي بمجال ما هو مطلق وثابت. وبناء عليه جاء تعريف مراد وهبة للعلمانية بأنها «التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق»، ويركز هذا التعريف للعلمانية علي التفكير فيما هو نسبي، وليس علي ما هو مطلق، أي أنه يرتبط بالتفكير في أمور العقيدة الدينية، كما يحلو للبعض أن يروج. ونتساءل: هل يفقد المؤمن إيمانه لمجرد أنه يفكر بطريقة نسبية في أموره النسبية، أي في أمور حياته اليومية من مأكل ومشرب ومسكن وعمل وتعليم وصحة وعلاقات إنسانية.. إلخ؟.. وهل التفكير بشكل نسبي، أي بشكل يتلاءم مع طبيعة تلك الأمور النسبية والمتغيرة، يصرف المؤمن عن الإيمان أي عن مجال ما هو مطلق وثابت؟.
تحرر من الوصاية
الإجابة.. لن يفقد المؤمن إيمانه في هذه الحالة، لكنه سيفقد خضوعه وانصياعه لفتاوي الشيخ، أي أنه سيتحرر من وصاية هؤلاء الشيوخ علي عقله وحياته.
والسؤال: هل لهذا السبب يهاجم بعض الشيوخ وأعضاء جماعة الإخوان العلمانية؟
الجواب عند هؤلاء بالإيجاب حيث إنهم يعتقدون أنه إذا تحرر عقل الإنسان من سلطة الفقهاء والشيوخ، أي تحرر من وصاية هؤلاء، وأصبح تفكيره علمانيا، أي أنه أصبح معتمدا علي عقله في تسيير أمور حياته، فإن هذا الشخص يصبح بالضرورة ملحدا وكافرا.
والسؤال الآن: هل هذا صحيح؟ هل المؤمن الملتزم بأداء فروض دينه والملتزم بمبادئ دينه في المعاملات مع الناس، والذي يستخدم عقله العملي في فهم أمور الحياة من سياسة واقتصاد وعلاقات إنسانية، ويكتشف بنفسه الحلول العملية لتطوير أحواله المعيشية بما يتفق مع قوانين وقواعد المجتمع، هل صحيح أنه يصبح في هذه الحالة كافراو خارجا علي دينه؟ الجواب بالنفي، لن تتغير درجة إيمان هذا الشخص ولكن الذي سيتغير هو وعيه بقدرته العقلية، وهذا الوعي سيحرك رغبته في المشاركة في تغيير أحواله المعيشية وأحوال من حوله، وهذه الرغبة ستولد لديه إرادة المشاركة في الحياة العامة، وهذه أولي خطوات الوعي بالمشاركة السياسية وبذلك يتحقق الشرط الأول والجوهري للديمقراطية، وهو أمر ممتنع الآن بحكم تسلط التيار الديني الإخواني علي عقول الناس من أجل منعهم من التحرر من وصايتهم إلي الحد الذي يكفرون فيه كل من يحاول الخروج علي دائرة سلطانهم.
تكفير وإرهاب
وهذا التكفير والإرهاب الفكري أمر ضروري ولازم لهؤلاء المتسلطين، حيث إنه مرتبط بالسلطة السياسية التي ينشدونها ويسعون إلي الوصول إليها من أجل الاستيلاء علي الحكم وتحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم بدون الارتكاز إلي الناس، وهذا يستلزم تبعية هؤلاء الناس تبعية دائمة وشاملة للأوصياء، ولهذا يعمد أصحاب هذا التيار إلي تديين السياسة، أي إلي ممارسة النشاط السياسي من خلال ما يسمونه «مرجعية دينية»، غير عابئين بالخطورة الكامنة في الخلط بين السياسة، وهي نشاط يتسم بالتغير والنسبية، والدين القائم علي الإيمان بالمطلقات والثوابت. ومن شأن ذلك أيضا تقسيم المجتمع وتفتيته إلي طوائف وجماعات في داخل الدين الواحد وبين الأديان المختلفة، وما يحدث في لبنان والعراق دليل علي ذلك. هذا عن العلمانية باعتبارها أسلوب تفكير وأسلوب حياة، فماذا عن «المذهب العلماني» وهي العبارة التي وردت في قول النائب محمد العمدة السالفة الذكر؟. عن هذا السؤال ينبغي التفرقة بين مصطلحين هما: العلمانية seculariation والمذهب العلماني secularism فالمصطلح الأول يعبر عن مسار مفتوح، وهذا المسار يعبر عن عملية التحول من التفكير المطلق في كل الأمور بما فيها الأمور النسبية، إلي التفكير بأسلوب نسبي في الأمور النسبية، وهذا المعني ينطوي علي أسلوب تفكير وأسلوب حياة يتسمان بالانفتاح والتطور بينما يحتفظ للدين بمكانته في حياة الناس، أما المصطلح الثاني، وهو المذهب العلماني، فهو يشير إلي مذهب مغلق بمعني الأيديولوجيا المتحجرة والمنفصلة عن مسار الواقع المتطور والنسبي حيث إن هذا المذهب يرفع ما هو نسبي إلي مستوي المطلق، أي أنه يمطلق النسبي، وبناء عليه فهو يستبعد الدين تماما من حياة الناس، ومثال علي ذلك الوضع الذي كان قائما في الاتحاد السوفيتي السابق، والذي كان محكوما بأيديولوجيا الحزب الشيوعي.
والسؤال إذن: هل ثمة دعوة في المجتمع المصري إلي تبني «المذهب العلماني»؟ الإجابة بالنفي، الحديث فقط عن العلمانية بالمعني سالف الذكر.
والسؤال التالي: هل العلمانية غريبة عن المجتمع المصري؟.
مقاومة العلمانية
للإجابة عن هذا السؤال يلزم البحث عن جذور العلمانية في تاريخ الفكر المصري الحديث، تلك الجذور التي لم يسمح لها بأن تنمو وتمتد لتشكل تيارا فكريا، وهذا بحكم المقاومة العنيفة التي واجهها أصحاب هذا الفكر العلماني من قبل أعداء العلمانية، وأخص بالذكر ما حدث للشيخ علي عبدالرازق، وهو أزهري أصدر كتابا مشهورا عنوانه «الإسلام وأصول الحكم» في عام 1925 في هذا الكتاب يتخذ الشيخ من الفيلسوف الإنجليزي «جون لوك» سندا لرفض الخلافة أو نظام الحكم الديني الإسلامي، يقول الشيخ علي عبدالرازق: «ثمة حقيقة يؤكدها العقل ويدلل عليها التاريخ هي أن قوانين الله لا علاقة لها بنظام الحكم الذي تقول عنه الشريعة إنه الخلافة، كما أنه لا علاقة لها بأولئك الذين يحملون لقب الحقيقة، ثم إن ضمير المسلمين في هذا العالم لا يستند إلي أي منهما، إننا لسنا في حاجة إلي مثل هذه الخلافة لا لديننا ولا لشئوننا الدنيوية، بل أكثر من ذلك فإن الخلافة كانت ومازالت كارثة للإسلام والمسلمين ومصدرا للشرور والفساد»، ثم يستطرد الشيخ فيذكر العلاقة بين الدين والدولة فيقول: «لقد روج السلاطين خطأ بين الناس وهو أن الخلافة مسألة دينية وبذلك اتخذوا من الدين ستارا لحماية عروشهم وللدفاع عن أنفسهم في مواجهة المنشقين، وعندما أشاعوا هذا الرأي بطرق شتي فقط استطاعوا إقناع الجماهير أن طاعة الأئمة مساوية لطاعة الله، وأن التمرد عليهم يماثل تمردهم علي الله، بل إنهم ذهبوا بعيدا إلي حد الإعلان أن السلطان هو خليفة الله علي الأرض وظله الممتد علي رعاياه».
علمنة الحكم
لكن هذه الدعوة الشجاعة والواضحة لعلمنة الحكم من قبل شيخ أزهري سرعان ما أجهضت من قبل المؤسسة الدينية، وهي الأزهر، الذي أصدر حكما من مجلس العلماء بإدانة الشيخ علي عبدالرازق وطرده من دوائر العلماء، وهو ما يشبه مبدأ الحرمان في النظام الكنسي، وبسبب هذا الحكم تم رفع اسم علي عبدالرازق من قوائم الأزهر ومن جميع المؤسسات، بل إنه فصل من عمله ومنع من تلقي أي راتب ولم يعد مؤهلا للقيام بأي وظيفة سواء كانت دينية أو غير دينية، كل هذا من أجل إرضاء الملك فؤاد الأول الذي كان يسعي إلي الخلافة ولكن الملك المستبد الذي كان موضع كراهية الشعب رحل، ورحل من بعده ابنه الملك فاروق الذي سعي بدوره إلي الخلافة ولم يحصل عليها، ولكن العلمانية بقيت أمرا محرما وظل اللفظ، لفظ العلمانية، لفظا سييء السمعة.
والسؤال إذن: كيف نصحح مفهوم العلمانية؟ وكيف نقوم بتوصيله إلي الناس بحيث يعي المواطن المصري أبعاد هذا المفهوم، ولكي يتمكن من تحويله إلي سلوك وأسلوب حياة؟. في تقديري أن هذه مسئولية الأحزاب السياسية أولا، ثم يأتي دور الإعلام والتعليم والثقافة، فالأحزاب السياسية، بحكم توجهها للجماهير عليها مسئولية اكتشاف الخطاب الملائم للناس وكذلك اللغة المناسبة لهم من أجل توصيل هذا الخطاب عن العلمانية لهم باعتبارها منهج تفكير وأسلوب حياة يساعدان علي تنمية وتطور وعي الفرد بالمستقبل وبقدراته العقلية علي تغيير أحواله المعيشية إلي الأفضل هذا من جهة، ومن جهة أخري، توعية الفرد بمسئوليته تجاه المجتمع مما يلزمه بالمشاركة السياسية الواعية، وعلي الإعلام مساندة الأحزاب السياسية في مرحلة اكتشاف هذا الخطاب الملائم للعلمانية وتلك اللغة المناسبة له.
ومن أجل إنجاز هذه المهمة بنجاح يشترط تغيير، وليس تطوير، منظومة التعليم العام والجامعي في نفس الاتجاه، وكذلك منظومة الثقافة، والسؤال الأخير: هل هذا يمكن، الآن؟.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.