مستخدمة ذريعة وجود عماله قسرية مزعومة بالصين, تستعد بروكسل لإصدار تشريع يحظر التعامل على المنتجات المصنعة في الدول التي توجد بها عمالة قسرية, لتكون بمثابة خطوة نحو فرض عقوبات تجارية على الصين. داخل أروقة الاتحاد الأوروبي, يدور الحوار الآن بين السياسيين المعادين للصين والبراجماتيين الذين يرون أهمية الدور الاقتصادي للصين في علاقتها مع أوروبا, حيث يرى البراجماتيون أن الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يتحمل تكلفة إزعاج بكين في ظل العلاقات الاقتصادية المقطوعة مع روسيا. "العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين ليست في أحسن حال، ولكننا شئنا أم أبينا، نحن نعتمد على بعضنا البعض، ولا سيما في مكافحة تغير المناخ" يقول يورجي ووتكي رئيس غرفة التجارة الأوروبية في الصين. بينما يرى السياسيون المعادون للصين, أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يتعلم الدرس في التعامل مع روسيا ويبتعد عن الصين لصالح الشركاء الذين يشاركونه معتقداته, وبسرعة. شدد مسئول اقتصادي أوروبي على الحاجة إلى مزيد من التنوع في الشراكات الاقتصادية وتعزيز الأدوات الدفاعية التجارية للاتحاد الأوروبي. " نحن ملتزمون تمامًا بتكثيف أدواتنا الدفاعية التجارية ولم نغير تلك الإستراتيجية فجأة بسبب أوكرانيا أو تايوان". وازداد الشعور بالإلحاح بهذا الصدد في الأسابيع الأخيرة، حين مارست بكين ضغوطًا عسكرية على تايوان بعد زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي للجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي، مما أثار مخاوف من غزو صيني قد يؤدي إلى رد غربي مماثل لما حدث مع روسيا. العمالة القسرية يريد أعضاء البرلمان الأوروبي فرض حظر على حدود الاتحاد الأوروبي على الواردات والصادرات من المنتجات المصنوعة في ظل ما يسمونه بمنظومة "العمل القسري"، لكن اللجنة تخشى أن تتعارض هذه الإجراءات مع القانون التجاري الدولي, وهو ما أكدت عليه وزارة التجارة الأوروبية. كل هذه الادعاءات تستند على تقرير من تومويا اوبوكاتا, مقرر الأممالمتحدة بخصوص أشكال العبودية المعاصرة, الذي قال بوجود شكل من "أشكال العمل القسري في الصين". وهو الأمر الذي يضع اللجنة في موقف حرج تحاول فيه الحفاظ على علاقة تجارية مع الصين بينما تتداول ملف العقوبات عليها. من جانبها قالت هيلين رينجرفيه، من إحدى المنظمات العاملة على مكافحة العمل القسري, "الشعور الذي أشعر به هو أن اللجنة تحاول إخراج هذا الملف من جدول أعمالها. وأضافت: "أن تحركات اللجنة تبدو وكأنها تقوم بعملية إدارية دون أي تأثير عملي". بعد شهور من تمرير مبادرة العمل القسري عبر الإدارات المختلفة، من المتوقع الآن أن تقدم اللجنة اقتراحًا في 13 سبتمبر. حيث ستسعى لأن يكون الحظر ليس موجهًا فقط ضد الصين، ولكن ضد جميع أشكال العمل القسري حول العالم. لكن الأمر لن يتطلب الكثير من القراءة والتحليل لفهم ما هي الدولة التي ستُحظر منتجاتها أولاً. ومن جانبها, كان رد الصين على مثل هذه الادعاءات واضحًا من البداية حين صدقت على الاتفاقيات الدولية لمكافحة العمل القسري, كان التصديق على هذه الاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية من الشروط التي فرضها الاتحاد الأوروبي ليصدّق على اتفاق ثنائي حول الاستثمارات وُقّع في أواخر 2020 استباق الرد الصيني كذلك تقف بروكسل بكل أدواتها الدفاعية التجارية لمحاربة ما تزعم بأنه ابتزاز اقتصادي من قِبل الصين ومنافسين آخرين. بعد سنوات من شكوى الاتحاد الأوروبي من أنه غير قادر على مواجهة الشركاء التجاريين من غير دول الاتحاد الأوروبي، ستسمح أداوت مكافحة العمل القسري للمفوضية بفرض عقوبات تجارية ضد أي شريك اقتصادي خارج الكتلة الأوروبية. المفوضية تسعى لمواجهة السيناريو الذي حدث في وقت سابق من هذا العام، عندما أوقفت بكين جميع أشكال التجارة مع ليتوانيا ردًا على دعمها الدبلوماسي لتايوان. مشروع القانون ليس مخصصًا لبلد معين، "لكن الصين هي المحفورة في الأذهان فيما يتعلق بهذا المشروع"، يقول نيكولاس كيبيلز من اللوبي الصناعي الألماني, الذي يدعم مكافحة العمل القسري. وتهدف هذه الخطوة إلى تحقيق آليات للرد على الدول التي قد تستهدف الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا، لكن حذر الخبراء من أنها تخاطر أيضًا بخلق دوامة من الإجراءات الانتقامية التي قد تزيد من حدة التوتر بين أوروبا والصين. ونتيجة لذلك، اتهمت بكينبروكسل بالخضوع لواشنطن. مقابل التنازل "تحتاج أوروبا إلى فرز وتقييم قضايا الشئون الداخلية ومعرفة مقدار قلقها وما إذا كان مصدره الصين فعلًا، أن تقيم الثمن الذي ستدفعه مقابل التنازل عن استقلالها الاستراتيجي لصالح الولاياتالمتحدة"، وهذا ما ورد في افتتاحية أغسطس لجريدة جلوبال تايمز، وهي وسيلة إعلامية حكومية صينية. "مع وجود سلسلة صناعية متكاملة للغاية وترابط اقتصادي كبير، من المنطقي ألا تصبح الحرب التجارية موضوعًا خطيرًا في مناقشة سياسة الصين وعلاقتها مع أوروبا". يتفق بعض الأوروبيين على أن أوروبا يجب أن تتجنب الحرب التجارية. يقول أحد الدبلوماسيين الأوروبيين عن أداة مكافحة العمل القسري أنها "سيكون لها آثار ضخمة على السياسة الخارجية". لكن كلا من البرلمان الأوروبي ودول الاتحاد الأوروبي تكافح من أجل تحقيق التوازن بين امتلاك ترسانة دفاعية تجارية حازمة, دون أن تظهر بمظهر عدائي للعالم. إن أدوات الدفاع التجاري الجديدة تأتي على رأس التشريعات التي صدرت سابقًا لمساعدة الاتحاد الأوروبي على معالجة الممارسات التجارية غير العادلة, لكنها تأتي ومعها كثير من المخاطر السياسية. اعتمد الاتحاد الأوروبي بالفعل تدابير لفحص الإعانات الأجنبية، والحد من الوصول إلى سوق المشتريات في الاتحاد الأوروبي للشركات غير الأوروبية, وتكثيف تدابير الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإغراق. التصعيد الصيني لقد جعلت الحرب مع أوكرانيا والتوترات الصينية مع تايوان عملية التوازن الأوروبية أكثر خطورة، خاصة في وقت تتعارض فيه السياسة الخارجية للصين مع السياسة الأوروبية. وبينما جمدت أوروبا علاقتها مع موسكو، لا تزال بكين صديقة لها، حيث تشير الصين دائمًا إلى صداقة "بلا حدود" مع أوروبا, رغم شرائها النفط الروسي. كما أنها تهدد علنًا "باستعادة" تايوان بالقوة، وتجري تدريبات عسكرية مُهددة بالقرب من الجزيرة، التي تعتمد عليها أوروبا في الجزء الأكبر من وارداتها من الشرائح الإلكترونية الدقيقة. تعاملت أوروبا مع تايوان بطريقة خرقاء في بعض الأحيان. أثار مسئول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل حفيظة الصين, على سبيل المثال, عندما أشار إلى تايوان على أنها "دولة صغيرة"، مما أدى إلى توبيخ فوري من دبلوماسيي بكين الذين يعتقدون أن الجزيرة جزء من جمهورية الصين الشعبية. كما تخاطر القارة الأوروبية أيضًا بمزيد من الغضب الصيني القادم, حيث يتم التخطيط لرحلات وفود برلمانية عبر عواصم الاتحاد الأوروبي لزيارة تايوان، مع جدولة البوندستاغ الألماني لرحلتين في أكتوبر. لا يزال بإمكان الصين إلحاق الضرر بأوروبا — وألمانيا على وجه الخصوص — إذا زاد التوتر بينهما. فك الارتباط فوفقًا لدراسة أجراها معهد إيفو للبحوث الاقتصادية في ألمانيا، فإن فك الارتباط مع الصين سيكلف أكبر اقتصاد في الكتلة ستة أضعاف تكلفة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. "نحن لا نبحث عن فك الارتباط بالكامل، ولكن من الواضح أننا نؤيد تنوع الشراكات الاقتصادية"، صرح مسؤول ألماني للصحف الأجنبية, بشرط عدم الكشف عن هويته. تعمل برلين على صياغة سياسة جديدة تجاه الصين, من المرجح أن تختلف عن نهج المستشارة السابقة أنجيلا ميركل, التي غلبت المصالح الاقتصادية فوق أي اعتبار آخر. وفي حين أن الحزبين الناشئين في الائتلاف الحاكم — حزب الخضر بالدرجة الأولي، المسيطر على وزارة الخارجية المسئولة بشكل أساسي عن صياغة السياسة— يفضلون نهجًا صارمًا مع الصين، رغم ذلك يحاول المستشار الألماني تهدئة الموقف مع الصين "المستشار هو الذي يحاول تخفيف حدة ذلك", كما صرح دبلوماسي ألماني, مضيفًا "رغم ذلك, ليست هذه مؤشرات جيدة بالنسبة لبكين".