كيف لإنسان أن يكون جدارا صلبا يستند الناس إليه بينما ألم السرطان اللعين يمزقه من الداخل، وكيف كنتِ تضحكين أيضًا! حزين أنا اليوم جدًا ولا أميل للحكى فى نهار كهذا لئلا يتسرب الحزن بين أفكارى ويملأ عقل أو قلب قارئ فأكون سببًا فى زعله. قال لى أستاذ ينصحني: لا تكتب عن أحزانك فالناس لا ذنب لهم، وأمرنى الأطباء بعدم الإفراط فى الحزن وإلا أهلكتنى مضاعفاته، ونصحتنى صديقة بالكتابة اذا حزنت وقالت ان الكتابة من مُفرجات الهموم أما نشرها فهو من ضربات الحظ، وكلاهما وجهان لنفس العملة وفى كل الأحوال سواء كتبت عن حزنك أو غيره، فربما يعجب قارئ ويلعنك آخر وهذه طبيعة صنعتنا، إذن اذا كانت المسألة مغامرة.. فغامر. أما أنا فأظن أننى حزين جدا لدرجة تمنعنى عن الكتابة أصلًا، اذ فقدت هذه الصديقة وصديقة أخرى كم كانتا قريبتين لقلبى برغم بُعد المسافة والظروف والأعمار لكن الأرواح الطيبة تلتقى حتى وإن تفرقت، أما التى نصحتنى بالمغامرة فهى الصديقة العزيزة التى رحلت قبل أيام، فكم أحببت روحها، جميلة كانت وسهلة وطلتها أنيسة ونفسها هادئا ومواقفها واضحة، اسمها لمياء عبد الحميد كاتبة صحفية من الكبار والمؤثرين والذين يفرضون حضورهم بتبسم. وبغض الطرف عن كم هى أهمية الإنسان فيما يحسبه الناس أهمية، كانت «الست لميا» كما أناديها أنا، فهى صاحبة حيثية يحترمها الوزراء والمسئولون ويقدرها الزملاء والمحيطون، ويجنح لها الصغار المبتدئون، ويفر منها القاسية قلوبهم وكل الذين لا يعرفون التبسم فى وجوه الناس، تعرفين يا غالية فيم هو عقلى مشغول الآن؟ أفكر الآن ماذا لو أن الناس يحتاجون للحزن أيضًا؟! لكننى وبرغم ذلك كله لا أحب الكتابة عن الأحزان وحكى الآلام وإن كنت اميل للمغامرة كما نصحتنى الست لميا، أما هؤلاء الطيبون فذكرهم مريح جدا حتى وإن رحلوا، كم نصحتنى وآزرتنى دون أن تفعل شيئا، نظرة عين كانت كفيلة لتعرف اذا كنت على ما يرام أم على غير ذلك، فتبتسم فى وجهى فيزول الزعل. ترافقنا فى السفر فى الداخل والخارج كثيرا رأينا بعضنا فى مواقف كبيرة، وفى كل موقف وموقع كانت كما هى بلا تغير أو تبدل واحد، رحمة الله لك يا ست لميا. ثم إنه أيضًا من باب الوفاء بالوعود وتنفيذ الوصايا فإن الست لمياء كانت كاتبة وقارئة مثقفة تعرف ماذا تكتب وتقرأ ولمن، ولما التقتنى مرة بعدما قرأت رثاء لى فى أستاذ عزيز سألتنى وهى تضحك أن أرثيها متى ذهبت، فابتسمت، فكررتها، فوعدتها. كنت أتصور أننى أحزن جدًا على رحيل المقربين فقط لكن ذهابك أوجع ما تبقى من قلبى يا ست لميا، وهذا وعد ما كنت أحب أن أوفى به أبدًا لكن حكم الله نافذ وعدل فينا قضاؤه، فى أمان الله يا ست الغاليين وإلى لقاء قريب. أما صديقتى الأخرى التى سبقت العزيزة لمياء عبد الحميد الى دار الحق وتركتنا هنا فى دار الباطل أسرى فاسمها أمانى أبو الفتوح، وأمانى لها من اسمها نصيب كبير كنت احبه، تعرف؟ اذا التقتك صدفة ينفرج وجهها وتتنزل فتوح من السكينة والهدوء، لها ثبات وقوة لا أعتقدها لرجل من الأشداء، تقاوم بصلابة بلا كلل أو تأفف، وفى القلب من هذه المقاومة تعرف كيف تساند الآخرين، والله يا أمانى لم أعرف يومًا كيف كنتِ تصنعينها فى صمت! وكيف لإنسان أن يكون جدارا صلبا يستند الناس إليه بينما ألم السرطان اللعين يمزقه من الداخل، وكيف كنتِ تضحكين أيضًا! الآن يا أمانى اهنئى واهدئى فلا ألم ينهشك بعد اليوم ولا عذاب يستنزفك مجددًا، سلام عليك طبتِ. أما عنى فلا أحب الحزن كثيرا ولا أحب تقليب المواجع على قارئ واحد، لذا سأصم عقلى عن الكآبة وامنع نفسى عن الحزن، وأظل أكتب فى ذكرى الطيبين من الراحلين. والسلام ختام