د. محمد عبده بدوى يوصى المصرى القديم ابنه ويقول له: «حافظ على الكتاب كأنه أمك وضع الكتاب وراء قلبك » فى صيف 2005، كنت أقدم برنامجا على شاشة النيل الثقافية بعنوان «هل أنت مثقف؟»، يندرج تحت فئة برامج المسابقات، بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب وهيئة قصور الثقافة، تتلخص فكرته فى إجراء مسابقة على الهواء قوامها مجموعات من الأسئلة المتنوعة، تشمل المعارف العامة، والفائز يحصل على جائزة تتمثل فى مكتبة صغيرة تضم مجموعة من الكتب لحث المشاهدين ولا سيما الشباب على القراءة - وفى الحقيقة - إن مشروع القراءة للجميع «مكتبة الأسرة» آنذاك كان له حضور كبير ولافت فى المجتمع المصرى، واستطاع أن يستقطب شرائح عديدة للكتاب المصدر الأول للمعرفة وللقراءة الفعل الأرقى والأسمى فى الوجود. وفى إحدى حلقات البرنامج التى لا تفارق ذاكرتى حتى الآن، أدهشنا بطلها حكيم عبد المنعم وهو مواطن مصرى بسيط، فى الاستديو بإجابات موسوعية على الهواء، كان حكيما بالفعل كاسمه يجيب بثقة مدهشة، كانت الأسئلة على غرار: من مؤلف الكوميديا الإلهية؟ ما هو مشروع المعمارى حسن فتحى؟ ما اسم أول رواية عربية ومن مؤلفها؟ اللافت وقتها أنه لم يكتفِ بالإجابة عن السؤال، بل كان يضيف لنا مزيدا من المعلومات الثرية، حينما سألته مثلا عن اسم الديوان الأول للشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى، رد وأجاب على الفور «مدينة بلا قلب» وكتب مقدمته الناقد الراحل رجاء النقاش وفى الطبعات الأخرى للديوان لم يضمِّن حجازى هذه المقدمة! وبعد أن أجاب على كل الأسئلة باقتدار على الهواء – لم يكن «شات جى بى تى» وقتها قد ظهر للوجود – سألته عن عمله فاجأنى برده: «أنا سواق سوبرجيت على باب الله فى محطة ألماظة!». دعوته لاستلام الجائزة على الهواء وإجراء حوار معه. ● ● ● مع مرور الأيام لم أنس هذا اللقاء وما قاله حكيم عبد المنعم وقتها بأن متعته وتسليته الوحيدة فى الحياة أن يقرأ، لم ينل قسطا وافرا من التعليم، ولم يرزقه الله بأبناء، يعيش مع زوجته فى شقة صغيرة فى دار السلام، يدفع إيجارها الشهرى بالكاد بعد شراء الكتب، حلم حياته أن يكون شاعرا كالأبنودى، وعلى الهواء أنشد قصيدة بديعة لا أنساها أهداها له وقال ضاحكا: «اسمع يا خال اسمع .. عم حكيم بيقول إيه». تواصلنا لفترة من الزمن، كان من قت لآخر يرسل لى قصائده ثم انقطعت أخباره عنى، لكن وجه حكيم عبد المنعم راودنى دوما على امتداد مشوارى فى المهنة، يطل علىَّ من وقت لآخر، ويثير العديد من الأسئلة، هل حقق حلمه فى أن يكون شاعرا؟ هل وجد من يدعمه ويسانده فى رحلة الحياة ويقدر موهبته؟ أم ابتلعته زوايا النسيان، ظل حكيم بالنسبة لى نموذجا ملهما للمصرى الحقيقى الذى يرى أن زاده وثروته فى الحياة ليست فى المال والأبناء لكن فى المعرفة!.. تلك التى صنعت منه شخصية جاذبة لكل من حوله، هل لو أتيحت له الظروف المناسبة لكان يمكن أن يصبح شاعرا يفوق حتى الأبنودى؟! كم من حكيم عبد المنعم يعيش بيننا، فى مدننا، وفى قرانا البعيدة، لا نعلم عنهم شيئا، أصوات تبحث عمن يسمعها، ومواهب متقدة تريد أن تعلن عن حضورها وعن وجودها، لتصرخ فى وجه العالم: نحن هنا! مع حكاية حكيم عبد المنعم وُلِد بداخلى إحساس أننى مسئول عنه وعن كل حكيم! وأن هناك خيطا سحريا يربطنى به لا أريد له أن ينقطع، خلال رحلة عملى كنت أشعر بفرح طفولى بتقديم شاعر جديد يقرأ قصيدة على الهواء يعلن عن فرح وجوده وتحققه، وأتذكر أنه قديما كانت تقام الولائم والأفراح حينما يولد فى القبيلة شاعر! إن كانت وظائف الإعلام المعروفة التى تعلمناها فى قاعات الدرس بكلية الإعلام هى: الإخبار والترفيه والتسلية والتثقيف، فالوظيفة والفريضة الغائبة هى تقديم أصوات جديدة والكشف عن المواهب فى مختلف ألوان الابداع، فالبيئة المصرية فريدة فى تنوعها الإبداعى من فن الموال للحكى لفن الواو لشعر الفصحى والعامية وغيرها من الفنون الشعبية الأصيلة. 2 مع بداية الألفية الجديدة ازدحم الفضاء العربى ببرامج المسابقات والتى ركزت بشكل أساسى على اكتشاف المواهب فى مجال الغناء، وعلى الرغم أنها قدمت متنفسا جديدا للمشاهد العربى ومساحة للترفيه بعيدا عن هموم السياسة وتعقيداتها، وساهمت فى تقديم أصوات غنائية جديدة إلا أنها وقعت فى فخ التشابه والتكرار البليد واستنساخ لفورمات وأشكال بعيدة عن بيئتنا العربية، وقد كرَّست هذه البرامج بصورة كبيرة لنموذج المطرب/ المطربة الشهيرة كأنه النموذج الأمثل الذى يجب الاقتداء به، إحدى الداسات الإعلامية تشير إلى أن معظم برامج المسابقات بالفضائيات العربية هى مسابقات غنائية فى حين أغفلت تلك البرامج نماذج نحن فى أمسِّ الحاجة إلى تقديمها لشبابنا فى مجالات العلم والاختراع والأدب والفنون، وقد حذرت الباحثة اللبنانية نهوند القادرى فى كتابها «قراءة فى ثقافة الفضائيات العربية» من شيوع تلك البرامج التى تعمل على تسطيح العقول وسيادة نمط ترفيهى خالٍ من أى قيمة ما يؤثر بشكل بالغ على وعى الشباب العربى. والمتأمل للمشهد الفضائى العربى سيجد عددا قليلا من برامج المسابقات والتى تهتم بالثقافة والابداع - يعد على أصابع اليد الواحدة- لعل أبرزها تجربة برنامج «أمير الشعراء» إنتاج قناة أبو ظبى الفضائية، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع ما يقدمه البرنامج إلا أنه أحدث حالة جديدة فى تقريب الشعر - فن العربية الأول من الجمهور- بعد أن كان عازفا عنه لعقود طويلة. 3 تولى الدولة المصرية اهتمامًا متزايدًا بالاستثمار فى العنصر البشرى وتنمية الطاقات الإبداعية للإنسان، والتأكيد على أن البعد الثقافى جوهرى فى التنمية، فالتنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان أولا، والاستثمار فى العقل والوجدان المصرى هو الاستثمار الأبقى والأسمى وهو الرصيد الذى لا ينفد. ومؤخرا حظى برنامج «دولة التلاوة» من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بإشادة ومتابعة واسعة داخل مصر وخارجها، وبدا الجمهور متعطشا لمثل هذه النوعية من البرامج التى تخاطب وجدانه وعقله، وتشعره برصيد وطنه الحضارى كمنارة للعلم والثقافة، وعقب ختام موسمه الأول، تم تكريم الفائزين خلال احتفالية ليلة القدر. وأشاد الرئيس عبد الفتاح السيسى بهذه الخطوة المتميزة، وقال أثناء حضوره الفعالية: «اسمحوا لى بأن أتوقف بكل اعتزاز أمام تجربة مصرية ملهمة، وهى دولة التلاوة. هذا المشروع الذى جسّد بحق ريادة الشخصية المصرية، وبرهن على أن مصر كانت وستظل بلد الإبداع والعبقرية»، وأضاف الرئيس: «وإننا فى الدولة المصرية، إذ نحتفل بهذا النجاح، فإننا نتطلع إلى رؤية إبداعات مماثلة فى كافة العلوم والميادين، حتى نرى بعد دولة التلاوة ميلاد دولة العلم، ودولة الإبداع والاختراع، ودولة الفصاحة، لتظل مصر رائدة فى كل مجال، كما هى رائدة فى دولة التلاوة». ما قاله الرئيس هو رسالة واضحة ودعوة مباشرة للقائمين على إعلامنا لتعزيز حضور القوة الناعمة المصرية، فطالما ارتبط حضور الوطن عبر الزمن بحضور كتابه ومبدعيه وفنانيه ومثقفيه، فالإعلام بوسائله المختلفة المطبوعة والمسموعة والمرئية عليه أن ينهض بدور أساسى فى بناء دولة الإبداع والفنون. وبدورنا فى برنامج «صباح الخير يا مصر» على شاشة القناة الأولى المصرية، حاولنا كفريق عمل - قدر استطاعتنا - أن نكتشف وجوها وأصواتا جديدة فى مختلف ألوان الإبداع من خلال حلقات قدمناها من محافظات مصر المختلفة استنادا إلى تاريخ ورصيد البرنامج وارتباط المشاهد المصرى به فى الداخل والخارج، فإلى جانب الحوار مع المسئولين، كنا حريصين بشدة على حضور المبدعين من كافة المحافظات فى حلقات البرنامج، بدأت الفكرة بفقرة قصيرة داخل البرنامج، كان هدفها من البداية أن نرسم خارطة إبداعية على امتداد جغرافيا الوطن، فالشخصية المصرية تمتلك مخزونا إبداعيا فريدا ومتنوعا قابلا لإثارة الدهشة وقادرا على تحويل الأفكار المبدعة لمشاريع تحقق قيمة مضافة لاقتصادنا من خلال صناعات إبداعية وثقافية، وهو ما يواكب توجها عالميا فى الاستثمار فى التراث الثقافى كمرتكز أساسى من مرتكزات التنمية المستدامة، حيث أشار تقرير لليونسكو صدر حديثا أن حجم الصناعات الثقافية والإبداعية فى الاقتصاد العالمى يقدر بنحو %1.6 سنويا، فالاقتصاد الإبداعى يأتى فى مقدمة الحلول التى يمكن أن يلجأ إليها اقتصادنا لمواجهة التحديات والصعوبات الاقتصادية التى يمر بها العالم حاليا. تطورت تلك الفقرة واتسعت وتحولت إلى حلم كبير ينمو مع الأيام مع الزميل الصحفى محمد المعتصم رئيس تحرير برنامج «صباح الخير يا مصر» وفى إحدى المرات قال لى ونحن نحضر لإحدى حلقات البرنامج من معرض القاهرة الدولى للكتاب العام المضى: «إيه رأيك الفقرة دى تكون برنامج مسابقات كبير.. برنامج الموهوب، نلف محافظات وقرى مصر زى كشافين لاعبى الكورة زمان.. تخيل»! بدأنا جلسات عمل على مدار العام، وزرنا عددا من قصور الثقافة فى المحافظات والتى هى مناجم للإبداع تحتاج من يكتشفها وينقب عن المواهب فيها – رحم الله الفارس النبيل وزير الثقافة الراحل ثروت عكاشة صاحب فكرة الثقافة الجماهيرية – كان يحلم أن تصل الثقافة لكل الناس تحقيقا لمبدأ العدالة الثقافية. خاطبنا أكثر من جهة وأكثر من شخص، منهم من تحمس للفكرة، ومنهم من فتر حماسه اصطداما بعقبة الإمكانات المادية، فمثل هذه النوعية من البرامج يحتاج إلى ميزانيات إنتاجية ضخمة لكى يخرج البرنامج بصورة تليق ببلدنا، وفى المرة الوحيدة التى كنا فيها على وشك تنفيذ الفكرة، واجهنا ميزانيات هزيلة للغاية، لا تساعدنا على تنفيذ الفكرة كما نحلم بها. فى نهاية أحد لقاءاتنا التحضيرية لفكرة برنامج «الموهوب» قال لى معتصم: «يا صديقى هنلف بالكاميرا ونسمع مووايل وشعر وحكايات مصرية من كل مكان فى بلدنا». ابتسمت.. ولمعت عيناى.. وتذكرت حكيم عبد المنعم!