أشرف أيوب معوض يحتفل المسيحيون فى كل عام بعيد القيامة، ويسبق هذا العيد أسبوع مهيب يُعرف ب «أسبوع الآلام»، يبدأ ب «أحد السعف» ويُختتم ب «أحد القيامة». وفى هذا الأسبوع تستعيد الكنيسة، طقساً ووجداناً، ما تعرَّض له السيد المسيح من آلام، وتعيش أحداثها يوماً بيوم، حتى غدا هذا الأسبوع منذ ما يقرب من ستة عشر قرناً يحمل هذا الاسم، بعدما كان يُعرف قديماً ب«الأسبوع العظيم». ويأتى «أحد السعف» أو «أحد الشعانين» فى مقدمة هذا الأسبوع، وكلمة «الشعانين» ذات أصل عبرى تعنى «يا رب خلِّص». ويشتهر العيد شعبياً فى مصر بأحد السعف، وفى بعض البلاد الأخرى بأحد الزيتونة؛ حيث يرتبط هذا اليوم بذكرى دخول السيد المسيح إلى أورشليم، حين استقبله الناس بسعف النخيل وأغصان الزيتون فى مشهد يجمع بين البساطة والفرح والسلام. إنه موكب لا يحمل مظاهر السلطة أو القوة، بل يتجلى فيه التواضع؛ إذ يتقدمه ملك وديع يمتطى حماراً، تحيط به جموع من البسطاء والفقراء، أولئك الذين وجدوا فيه الخلاص والرجاء. وفى هذا اليوم، تقيم الكنيسة صلواتها احتفاءً بهذا الدخول الرمزى، وتتزين جنباتها بسعف النخيل، وتُرفع الصلبان المصنوعة منه، فيتحول المكان إلى فضاء احتفالى نابض بالبهجة. ولا يقتصر الاحتفال على الطقس الكنسى، بل يمتد إلى المجال الشعبى؛ حيث يخرج الأقباط حاملين سعف النخيل الأبيض، فى مظهر احتفالى مبهج يشيع فى الشوارع والبيوت، وبذلك يستعيد الأقباط الزمن المقدس أو «الزمن الأول» للحدث. وتبدأ ملامح هذا الاحتفال منذ يوم السبت السابق، حيث يُقبل الناس على شراء السعف، خاصة فى المدن، بينما يقوم أهل القرى بقطعه من النخيل بأنفسهم، ويتبادلون فروعه فى روح من الود والمشاركة. ومن اللافت أن بعض المسلمين فى القرى والمدن يشاركون فى هذه المظاهر، فيقطعون «قلوب السعف» ويبيعونها لإخوانهم المسيحيين، فى صورة تعكس التداخل الاجتماعى والإنسانى فى الريف والحضر المصرى، حيث تمتلئ الشوارع بحاملى السعف. وفى ليلة السبت «عشية أحد السعف»، تنشغل الأيدى بجدل السعف وصياغته فى أشكال فنية مبهجة: صلبان، وقلوب، وتيجان، وأساور، وخواتم، بل وأشكال تمثل الحيوان والبيئة كالحمار والجمل وعش النمل، إلى جانب «مجدولة القربانة». ويشارك فى هذه العملية الرجال والنساء والأطفال، فيتحول العمل إلى طقس جماعى يغمره الفرح. ومع شروق صباح الأحد، يتجه الجميع إلى الكنيسة حاملين مشغولاتهم، ويحضرون الصلوات، ثم يُرش هذا السعف بالماء المقدس فيصير مباركاً، ليحتفظوا به فى بيوتهم حتى العام التالى كعلامة بركة وحماية. وقد سجل المؤرخ المقريزى جانباً من هذه المظاهر، مشيراً إلى خروج الأقباط من الكنائس فى «أحد الشعانين» حاملين الشموع والمجامر والصلبان خلف كهنتهم، يطوفون الشوارع بالترتيل، وكان يشاركهم المسلمون هذا المشهد فى صورة تعكس وحدة النسيج الاجتماعى، ولم يقتصر ذلك على هذا اليوم فحسب، بل امتد أيضاً إلى «خميس العهد». وفى صعيد مصر، وتحديداً فى مدينة طما بمحافظة سوهاج، تتخذ الاحتفالات طابعاً درامياً أكثر تجسيداً؛ حيث يستقبل الأهالى الأسقف صباح «أحد السعف» بفروع النخيل، ويقدمون له حماراً ليمتطيه محاكاةً لدخول السيد المسيح إلى أورشليم، ثم يسير خلفه الرجال والنساء والأطفال فى موكب احتفالى تتعالى فيه الترانيم والزغاريد فيما يشبه «زفّة» شعبية كبرى. ويمتد ذلك إلى فناء الكنيسة، حيث يقدم الأطفال عرضاً تمثيلياً يعيدون فيه تجسيد مشهد السيد المسيح راكباً على حمار ومن حوله الأطفال يفرشون ثيابهم استقبالاً له. وتُعد «الزفّة» فى الوعى الشعبى تعبيراً فنياً عن الالتفاف حول الرمز المقدس، حيث تتجسد فيها قيم الجماعة وعاداتها، وتُعاد من خلالها صياغة الحدث الدينى فى صورة حية نابضة؛ فالجماعة لا تكتفى بتذكر الحدث، بل تعيد إنتاجه بما يعزز انتماءها وارتباطها بالمقدس. وإذ يحمل السعف هذا الحضور الطاغى فى الاحتفال المسيحى، فإن جذوره تمتد عميقاً فى التاريخ المصرى؛ إذ استخدمه المصريون القدماء فى طقوسهم، فصنعوا منه الأكاليل، وقدموه قرابين، واستقبلوا به الملوك. واستمر هذا الرمز عبر العصور، حتى ظل المسلمون -إلى وقت قريب- يستخدمونه فى استقبال الحجاج العائدين من الأراضى المقدسة. وهكذا يظل «أحد السعف» نموذجاً حياً لتداخل الدينى بالشعبى؛ حيث تتحول الذكرى إلى ممارسة، والطقس إلى احتفال، والتاريخ إلى حياة يومية تتجدد كل عام، مما يجعل منه مناسبة وطنية وتراثية تجمع بين قدسية الطقس وعراقة التاريخ المصرى. أما أسبوع الآلام، فتتشح خلاله الكنيسة بالستور السوداء بعد انتهاء صلوات قداس أحد السعف، وتُرفع هذه الستور قبل صلاة ليلة عيد القيامة وتُبدل بالستور البيضاء وأعلام القيامة. وكان المؤمنون والأولون يبلغون درجة قصوى من التقشف حتى أنهم كانوا يصومون من ليلة الجمعة العظيمة حتى صباح عيد الفصح بلا طعام ولا شراب، وفى بعض القرى يمتنع الأقباط عن أكل الأشياء حلوة المذاق، وتمتنع النساء عن الزينة فى هذا الأسبوع، ويلبسن الأسود، ولا يصنعن مخبوزات العيد فى هذا الأسبوع. وخلاله يكثر الذهاب إلى الكنيسة حيث يقضى المسيحيون أوقاتاً طويلة فى الصلاة تختلف عن الأيام المعتادة. وفى بعض القرى (قرية أولاد على بسوهاج) يطلقون على كل يوم من أيام أسبوع الآلام اسماً خاصاً به يميزه عن بقية أيام السنة: الأحد (حد السعف)، الاثنين (اثنين الإشارة) أى أن اليهود أشاروا بأيديهم على السيد المسيح كى يُصلب، الثلاثاء (التلات بلّ النبات) وفيه تُستنبت حبوب مثل الفول الذى يؤكل (نابت) فى الجمعة العظيمة، الأربعاء (أربع أيوب)، الخميس (خميس العهد)، الجمعة (الجمعة العظيمة)، السبت (سبت النور)، والأحد (حد العيد). وفى أسبوع الآلام يكثر تواجد الأقباط فى الكنيسة، حيث يقضون أوقاتاً طويلة فى الصلاة والخشوع. ويبدو أن عادة استنبات البذور مصرية قديمة، فقد عثر الأثريون ضمن المعدات الجنائزية على ما يسمى (الأوزيريات النابتة)، وهى عبارة عن إطارات من الخشب على شكل أوزوريس «محنطاً» وبداخلها كيس من القماش الخشن؛ كان يملأ هذا كيس بخليط من الشعير والرمل يُسقى بانتظام لمدة عدة أيام فكان ينبت الشعير وينمو كثيفاً وقوياً، وعندما يصل طوله حوالى اثنى عشر أو خمسة عشر سنتيمتراً كان يُجفَّف ثم تُلف الأعواد بما فيها فى قطعة من القماش، وكانوا يأملون بهذا العمل حث المتوفى على العودة للحياة. وفى «أربعاء أيوب»، تتذكر الكنيسة فى هذا اليوم تشاور يهوذا مع اليهود لتسليمهم السيد المسيح، حيث بدأ الكتبة والفريسيون يتشاورون عليه ليهلكوه، وذهاب يهوذا إلى رؤساء الكهنة وقال لهم: "ماذا تريدون أن تعطونى وأنا أسلمه إليكم؟" فجعلوا له ثلاثين من الفضة. ويسمى هذا اليوم (أربعة أيوب) نسبة إلى المعتقد الشعبى أن النبى أيوب شُفى فى هذا اليوم من أمراضه باغتساله ودعك جسمه بنبات يسمى (رعرع) وبالتالى سمى (رعرع أيوب)، وفى الصعيد يسمى نبات «الغبيرة» وهو ينمو بجانب حشائش الحلف. وفى هذا اليوم يذهب البعض إلى النيل أو أى مجرى مائى للاستحمام فيه، أو يستحمون فى منازلهم مستخدمين نبات الغبيرة كما فعل أيوب وشُفى؛ يفعلون هم ذلك طلباً للشفاء أو الوقاية. وهذه الطقوس شاعت وانتشرت شعبياً لأن الماء أحد العناصر الشهيرة كرمز للطهارة والنظافة والبداية والميلاد الجديد، وأيضاً رمز للحياة والنبات بما فيه من خضرة، ويرمز إلى الخير والنماء والخصوبة المتجددة، والثقافة الشعبية تولى هذه الرموز أهمية كبرى. وهناك رأى آخر فى تسمية هذا اليوم ب(أربعاء أيوب) لأن قصة أيوب تُقرأ فى الكنيسة ويُربط بينه وبين المسيح. وهناك عادة شعبية فى هذا اليوم هى أكل الفريك، والفريك هو القمح قبل نضجه تماماً ويكون لونه أخضر، وأيام أربعاء أيوب تتزامن مع موسم الفريك، ويتم طهيه مع الطماطم (التقلية) ليؤكل فى هذا اليوم. وفى هذا اليوم أيضاً يتم عمل «عروس القمح»، وتُشكل من سنابل القمح فى وضع رأسى وأفقى لتمثل دمية برأس ويدين، وتعلق على واجهات المنازل فى القرى إلى أن يتم استبدالها فى العام التالى بعروسة جديدة، وتعتبر عروسة القمح رمزاً للخير والخصوبة والبركة. وكان من عادة المصريين القدماء تقديم باكورات محاصيلهم إلى الآلهة، حيث كان مُلّاك الأراضى يقدمون للمعبود الثعبان «رنونت» عند الحصاد حزماً من القمح مع دواجن وخيار وبطيخ. وفى أسيوط كان كل شريك فى الزراعة يقدم للمعبود المحلى «واوت» بشائر محصوله، وكان الملك نفسه يقدم حزمة من القمح للمعبود «مين» إله الخصوبة أمام حشد كبير من الأهالى يقام فى حفل فى الشهر الأول من موسم «شمو». أما «خميس العهد»، ففى هذا اليوم تتذكر الكنيسة العشاء الأخير للسيد المسيح مع تلاميذه، فى اليوم نفسه الذى خانه فيه يهوذا وسلمه لليهود ليصلبوه. وعن الاحتفال بخميس العهد؛ ففى خمسينيات القرن الماضى كنا نرى البعض فى «أخميم» يأتون برجل فقير من الجماعة الشعبية ليقوم بدور يهوذا ويلبسونه ملابس قديمة ممزقة، ويزفونه بداية من فناء الكنيسة، ويخرجونه إلى الحارة المجاورة ويقوم الشباب والأطفال والرجال بسبه ولعنه، ويصل الأمر إلى حد ضربه فى صورة تمثيلية، ويمسكون قطع الفخار المهشمة (الشقف) ويطرقونها ببعضها أو فوق الصفيح وهم يصيحون على يهوذا: (يوادس..... يوادس (يهوذا).. متعوس موكوس من دون الناس.. باع سيده بتلاتين من الفضة.. صاروا نحاس). وفى هذا اليوم تسود عادة عدم التقبيل أو التصافح باليد حتى لا يشتركوا مع يهوذا فى خيانة السيد المسيح. وكانت الدولة الفاطمية تضرب فى هذا اليوم خمسمائة دينار، وتعمل خراريب ودنانير من أعلى عيار حيث تُفرق على أهل الدولة كل منهم برسوم مقررة. ويذكر المقريزى أن: «النصارى فى هذا اليوم كانوا يهادون بعضهم، ويهادون إخوانهم المسلمين أنواع السمك المنوع مع العدس المصفى والبيض الملون». وفى «الجمعة العظيمة»، تتذكر الكنيسة ما فعله اليهود بالسيد المسيح وصلبه، وتعيش الكنيسة هذه الأيام لحظة بلحظة، وفى هذا اليوم تطول الصلوات، ثم يدخلون إلى الهيكل ويحيطون صورة (السيد المسيح المصلوب) بالورد ويلفونها بالستور ثم يدفنونها فى الهيكل، ويسمى بالجمعة العظيمة أو الكبيرة أو الحزينة. وأثناء خروج الناس من الكنيسة يرشف البعض قطرات من الخل من زجاجات معهم ويعطون الآخرين مثلما فعل السيد المسيح. واعتاد الأقباط فى هذا اليوم تناول الفول النابت، ويُعد الوجبة الرئيسية بعد الصيام الانقطاعى من الليلة السابقة الذى يصل إلى تسع عشرة ساعة، إضافة إلى مأكولات أخرى مثل (الزلابية) وورق العنب والطعمية والسلطة الخضراء. أما «سبت النور»، وهو اليوم السابق على عيد القيامة، فيسمى بهذا الاسم لأن نوراً خارقاً للعادة يظهر فى هذا اليوم عند القبر المقدس الذى دُفن فيه السيد المسيح. ويخبرنا المقريزى أن سبت النور هو قبل الفصح بيوم، ويزعمون أن النور يظهر على قبر المسيح بكنيسة القيامة من القدس، فتشعل المصابيح الكنيسةُ كلُّها. وتحرص بعض القرى على تكحيل النساء، وفى الجيل الماضى كان الرجال والنساء يحرصون على تكحيل عيونهم فى ذلك اليوم، وكان حجاج بيت المقدس يحرصون على هذه العادة لاعتقادهم أن فيها حماية لعيونهم من قوة النور الخارقة الذى يظهر فى هذا اليوم عند القبر المقدس بأورشليم. وتُعد «ليلة عيد القيامة» من أهم مظاهر الاحتفال، ولدى الأقباط تعتبر ليلة العيد هى العيد نفسه، وفى هذه الليلة تكون الكنيسة فى أعلى زينتها وتُعلق الستائر البيضاء وأعلام القيامة، ويذهبون إلى الكنيسة بالملابس الجديدة. وهكذا، ينسج المصريون من «أحد السعف» وصولاً إلى «ليلة القيامة» ملحمةً إنسانية فريدة، لا تتوقف عند حدود الطقس الكنسى، بل تمتد لتشكل جزءاً أصيلاً من الهوية الشعبية. إن هذا الأسبوع، بما يحمله من تقشف وصلاة ورموز فنية كجدل السعف وعروس القمح، ومن عادات ضاربة فى القدم كاستنبات البذور وتكحيل العيون، يبرهن على عبقرية الشخصية المصرية التى استطاعت أن تدمج موروثها الفرعونى القديم بقيمها الدينية والاجتماعية المعاصرة.