انطلقت شرارة شغفها تجاه مصر القديمة منذ أن قدّم لها والدها، عندما كانت فى الثالثة عشرة، هدية عظيمة حين اصطحبها مع أختها الكبرى فى رحلة لاكتشاف عجائب النيل.. إنها الكاتبة الإسبانية أفريكا باثكيث المتخصصة فى كتابات الخيال العلمى والفانتازيا، والتى حصلت مؤخرا على جائزة «مينوتاورو» للأعمال الروائية غير المنشورة فى مجالات الخيال العلمى والفانتازيا بروايتها «ظل زهرة اللوتس السوداء» التى تمزج بين مصر القديمة والخيال، والتى ستطرح فى الأسواق أواخر الشهر الجاري. تقول باثكيث، التى نشرت نحو ثلاثين كتابًا وفازت بجوائز عدة، إنها معجبة بالكاتب كريستيان جاك، الذى كانت إحدى رواياته من سلسلة رمسيس الثانى بعنوان «ابن النور» مدخلها الأدبى إلى عالم مصر القديمة، إلى جانب رواية «سنوحى المصري» للكاتب ميكا فالتاري. وتدور رواية «ظل زهرة اللوتس السوداء»، حول شخصية «إيمِت»، وهى فى بداية الأحداث راهبة مبتدئة فى السادسة عشرة من عمرها فى معبد إيزيس فى فيلة، إلا أن العثور على جثة وعلى زهرة اللوتس السوداء السامة التى يشير إليها العنوان - والتى تنبت فى العالم السفلى - يدفع إيمت للانتقال إلى أبيدوس لتصبح متدربة على التحنيط، حيث تتعلم تحويل الجثث إلى مومياوات محفوظة لا يطالها الفساد. وفيما بعد، تكرّس المحنِطة الشابة نفسها لتنفيذ انتقامها بعدما تتسلل إلى البلاط الملكى فى طيبة، فى فانتازيا أسطورية ملحمية ومظلمة، تدور فى عالم تسير فيه الآلهة بين البشر، ويخرج فيه الموتى من النهر، وتقرر فيه امرأة لم يعد لديها ما تخسره أن تغيّر مصير العالم بيديها. تقول الكاتبة إن أحداث روايتها تدور فى مصر سحرية وخارجة عن الزمن، وهى تستخدم فى الرواية مسمى مملكة «تا-مِري» ، وهو أحد الأسماء التى أطلقها المصريون القدماء على مصر، وتعنى «الأرض المحروسة» أو «المحبوبة».. ورغم ان باثكيث تعترف بأنها كانت تفكر وقت كتابة الرواية فى رمسيس الثانى وحقبة الدولة الحديثة، إلا أنها لا تربط أحداث القصة بزمن أى فرعون تاريخي، بل بفرعون متخيَّل يدعى نِخت-إن-سِن. وتقول الكاتبة الاسبانية: «لقد مزجت كل ما أحبه فى مصر، وفعلت ذلك بأقصى درجات الحرية.. إن قصتى لها طبقات عديدة» صحيفة البريوديكو الإسبانية أجرت هذا الحوار مع الكاتبة حول الرواية والجائزة.. كيف تشعرين بعد الفوز بجائزة مينوتاورو عن روايتك «ظل زهرة اللوتس السوداء»؟ أشعر بالفخر والسعادة، أعلم أن هذه قد تبدو إجابة تقليدية، إلا أننى سعيدة جدا بالفعل لكونى أشكل جزءا من هذا التيار الحالى الذى يضم العديد من الكتاب والكاتبات المتخصصين فى الأدب الخيالي. أعتقد أنها لحظة مبهجة. هذه ليست جائزتك الأولى، فقد حصلتِ على جائزة كلفن المخصصة أيضا للأدب الخيالى إلى جانب جوائز أخرى.. كيف ترين ذلك؟ أنا بالفعل محظوظة لأننى تخصصت فى أكثر الأشياء التى أحبها وهى الكتابة. إن كل جائزة تعطينى دفعة للمضى قدما، على الرغم من أننى سأواصل الكتابة فى جميع الأحوال. المفيد فى الأمر أنه يساعد فى توصيل العمل للقراء، فبالفعل يمكن للمرء أن يكتب لنفسه ومتعته الشخصية ولكن مشاركة ما يكتبه مع الآخرين أمر آخر.. إنه أمر رائع. خلال النسخ العشرين من جائزة مينوتاورو أنتِ ثالث كاتبة تحصل عليها، فكيف تشعرين؟ أشعر بالرضا، فاليوم هناك العديد من الكاتبات اللاتى يقدمن أعمالا رائعة فى هذا النوع الأدبى مثل بيلين مارتينيث ومارتا كروثيث وأخريات. أعتقد أننا كان يجب أن نصل إلى هذه اللحظة فى جميع الأحوال. أشعر بالفخر لأن الحظ حالفني، لكننى أتمنى أن تستمر النساء فى التقدم، سواء كن شابات أو كبيرات فى السن أو فى أى عمر، وأن يثقن فى أن هذه الإمكانية موجودة، وأن يطمحن عاليا، وألا يشعرن بذلك الحياء الذى نشعر به أحيانا. هل هذه رسالة تودين توجيهها إلى النساء اللواتى ربما لا يجرؤن على اتخاذ الخطوة؟ بالنسبة لي، حصلت على تشجيع كبير من جانب وكيلى «انييجو». كانت الفكرة فى رأسي، لكننى كنت أشعر بالكثير من التردد. كنت أريد أن أكتب شيئًا يكون على الأقل «صالحا للنظر فيه». لقد أمضيت سنوات طويلة أحاول النشر دون أن أنجح. ولكنى دائما أؤكد أمرا واحدا، هو أن جميع الكتاب والكاتبات الذين يثيرون إعجابى بينهم عامل مشترك: أنهم لم يستسلموا، وأنا أيضًا لم ولن أستسلم.. الحصول على الجوائز فيه نسبة من الحظ، ولكن أيضًا فيه قدر كبير من العمل والمثابرة. لننتقل للحديث عن الرواية.. «ظل زهرة اللوتس السوداء» من أين جاءت البطلة؟ لقد اخترت إيمت لأنها شخصية عادية جدا ومألوفة، يمكن أن تكون كأى فتاة فى الخامسة عشرة من عمرها فلا يوجد فيها شيء مميز، ولكن الظروف هى التى تأخذها إلى مواقف متنوعة ويكون عليها أن تقرر ماذا تفعل حيالها. فى البداية كانت تتصرف كطفلة ولكن رويدا رويدا تبدأ فى تشكيل وتطوير شخصيتها ومعتقداتها، وهذا المعتقدات تتغير وتتحطم أحيانا وأظن أن هذا أمر واقعى جدا. لقد أردت مصر قديمة خيالية، فانتازية وسحرية، ولكن فى إطار قصة أبطالها أناس عاديون. فالشخصيات إنسانية جدا، طبيعية جدا، تقودها ظروفها. لماذا مصر القديمة؟ إنها ثقافة تأسرنى بعمق شديد. أنا أحب كثيرا تاريخ روما واليونان، وربما يكون لذلك علاقة بأننى حاصلة على شهادة فى التاريخ، لكن مصر تخاطب روحي. إن لها مكانة خاصة بالنسبة لي. المرة الأولى التى ذهبت فيها إلى هناك كان عمرى 13 عامًا، ثم عدت مرة أخرى فى سن 27 لأستعيد تلك الرحلة، لأنها مكان مهم جدًا فى حياتي. مصر لا تترك أحدًا غير متأثر بها. لقد مارست إيمت العديد من المهن وتنقلت بين الطبقات الاجتماعية.. هل يمكن أن نستشف نوعا من النقد الاجتماعى وراء ذلك؟ هناك لحظة تدرك فيها البطلة مدى سهولة فقدان المكانة الاجتماعية، ومدى صعوبة استعادتها. فى الحقيقة طالما كانت مسألة السلطة وكيف تعمل تثير اهتمامي.. من الذى يقرر؟ ولماذا يحكم بعض الأشخاص أو يديرون شركات كبرى؟ إن الطريقة التى تمنح بها المجتمعات المكانة وتسحبها هى أمر حاضر بقوة أيضا فى عصرنا الحالي، وتتيح الفانتازيا خلق سيناريوهات لاستكشاف ذلك. وفى النهاية لا يعدو الأمر أن يكون مرآة لحياتنا اليومية.إن إيمت ليست الشخصية «المختارة»، ولا تعيش رحلة البطل الكلاسيكية، فهى ليست شخصية استثنائية بطبيعتها، بل إنها هى من تصنع ما تصبح عليه.