محمد أبوالغار بعد أن استبعد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني من رئاسة تحرير جريدة «القاهرة» المزمع تأسيسها واختار صلاح عيسى بدلاً منه أصيب النقّاش بأزمة نفسية كبيرة ورأى الدكتور محمد أبو الغار أن يكتب له رسالة يدعمه فيها نفسياً ورد عليه النقّاش برسالة مماثلة، وهذه هي حكاية الرسالتين.. فى عام 2000 اختار فاروق حسنى وزير الثقافة آنذاك الأستاذ رجاء النقاش ليرأس تحرير صحيفة «القاهرة» وبعد عمل استمر عدة شهور صدر العدد الزيرو الذى لم يعجب فاروق حسنى وقرر تغيير رجاء النقاش واختيار صلاح عيسى رئيسا للتحرير. أصيب رجاء النقاش باكتئاب شديد بعد صدور القرار واعتبر ذلك طعنة فى مهنيته كونه من أهم النقاد فى مصر وأنه عمل بالصحافة وكان رئيسا سابقا للتحرير فى دار الهلال. من حق فاروق حسنى أن يختار رئيس تحرير يعتقد أنه سوف يُصدِر صحيفة ناجحة وفى نفس الوقت ممكن أن تكون لسان حاله، ولكنه وجد أن رجاء النقاش سوف يصدر صحيفة تعنى بالثقافة والمثقفين وترفع مستوى الثقافة فى مصر. فاروق حسنى كان يريد صحيفة سياسية تنشر نشاط وزارته وتكون متنوعة والثقافة جزء ولكنها ليست الأساس فى الصحيفة فأقصى النقاش واختار صلاح عيسى. ومما لا شك فيه أن عيسى كان من أبرع الصحفيين المصريين وعنده القدرة على إصدار صحيفة تلبى متطلبات فاروق حسنى ولكن بدون ابتذال، ولأنه ربما يكون أهم كاتب مصرى للتاريخ الاجتماعى فى المحروسة ولذا أصدر صحيفة جيدة أيدت سياسة الوزير بدون ابتذال وأضافت موضوعات مختلفة هامة. مشكلة فاروق حسنى أنه لم يقم بتغيير رجاء النقاش بطريقة لائقة مع تطييب خاطره ووعده مثلاً بأن يكون مسؤولاً عن صفحة للنقد الأدبى وشرح أسباب التغيير له وخاصة أن صلاح عيسى زوج أخت رجاء ولكن ذلك لم يحدث لأن الوزراء الملتصقين بالرئيس مبارك والسيدة سوزان مبارك كان عندهم سلطات واسعة تفوق قدرة الوزراء الآخرين وكان عندهم السلطة فى إخراس بعض الكتاب بالوعيد أو بالمنح.. فالإنسانيّة فى التعامل لم تكن واردة، فلم يهتم فاروق حسنى بتطييب خاطر رجل شديد الحساسية مثل رجاء النقاش. ولأوضح الفارق فى طريقة التعامل فقد عهد صلاح دياب إلى الصحفى العظيم والشجاع والمبدع مجدى مهنا برئاسة تحرير «المصرى اليوم» وعند صدور العدد الزيرو حدث نفس الشىء، شعر صلاح دياب والمؤسسون أن هذه ليست الجريدة التى يريدونها فقاموا بتغيير رئيس التحرير مع ترضية كاملة وشرح واعتذار لمجدى مهنا على أن يستمر فى كتابة عمود يومى هام كان شديد الشجاعة والتأثير. وعندما عرفت باكتئاب النقاش أرسلت له هذا الخطاب وأرسل لى رداً، واجتمعنا فى سهرة لطيفة فى بيته حضرتها السيدة زوجته والصحفى محمود سالم والأديب السودانى الطيب صالح والمؤلف والمترجم عبدالمنعم سليم وآخرين لا أذكرهم وانتهت الأزمة وعادت الابتسامة إلى وجه رجاء النقاش. ومرفق خطابى ورد النقاش. عزيزى الأستاذ رجاء تحية طيبة، تابعت مع بعض الأصدقاء التطورات التى حدثت فى مجلة القاهرة التى تزمع وزارة الثقافة إصدارها وقد سمعت هذه الأخبار من عدة مصادر ولا أدعى أنها تشكل الحقيقة كلها أو حتى بعضها ولكننى أود أن أتوجه إليك ببعض الكلمات التى تعبر عما أشعر به فى هذه القضية. أولاً عندى إحساس قوى تؤيده مظاهر كثيرة أن الغرض الوحيد من إصدار هذه المجلة هو الدفاع عن سياسة الوزير ومهاجمه أعدائه ومما لا شك فيه أن أية مطبوعة يكون هذا سبب إنشائها فإنها تحمل من أول يوم أسباب فشلها ثم أن مجلة كهذه يكون كل مَن يعمل بها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسياسة التى أُنشئت بسببها والتى تعنى فى كثير من الأحيان أن يكتب الكاتب ما لا يعتقد ويؤمن بصدقه وفى هذه الحالات وبسبب البقاء مدة طويلة فى السلطة لا يرضى الوزير أو الأمير أن نصمت أحياناً وإنما يصمم على التأييد المستمر حتى لو كان الأمر فجاً وقبيحاً. عزيزى رجاء، أنت كاتب محترم وكبير وبحق أنت تقف فى أعلى مرتبة من النقاد المصريين فى هذا القرن وطوال عمرك ومن كتاباتك تعلمنا الكثير وكنت دائماً الرجل الأمين الصادق عفيف اللسان. إن مجموعة كتبك العظيمة ومقالاتك الجميلة تضعك فى مرتبة أعلى بكثير جداً من الوزير هذا أو رئيس التحرير ذاك، وفوق عملك الغزير فخلقك القويم وإحساسك المرهف يجعل منك إنساناً سامياً جميلاً. إننى لا أرى أنك فقدت شيئاً له أية أهمية وأنك بالتأكيد لم تكن الشخص المناسب لتولى هذا المنصب فأنا واثق أنك حاولت ووصلت إلى أقصى ما يمكنك حتى تصنع مجلة محترمة تؤيد الوزارة ولكن فى الحق ولا تهاجم الآخرين بسبب المزاجات الشخصية ولكننا عزيزى رجاء نعيش الآن فى عالم غريب تحكمه الأهواء الشخصية وتتحكم فيه نفوس مريضة ولن أتكلم عن الفساد الذى يفوق أى خيال أو تصور. عزيزى رجاء، لا أعتقد أن هناك خيانة أو خطة أو ما شابه ذلك. كل ما هناك أنك رجل محترم ورفضت بطريقة مؤدبة أن تبتذل وحاولت قدر ما أمكنك أن تقوم بالعمل مع الحفاظ على الكرامة والحق والتاريخ ولكننا يا أستاذ رجاء فى عالم تحكمه عصابة وقحة وهم لا يمكن أن يتعاونوا مع إنسان حقيقى مثلك. أعلم أن الوزير له سلطات واسعة ويعطى ويمنع ويمنح ولكنك أنظف وأكبر وأجمل من كل هؤلاء وسوف يبقى دائماً رجاء النقاش وجهاً ناصعاً فى تاريخ مصر وسوف يختفى الآخرون. محمد أبو الغار وقد رد النقاش بهذه الرسالة: أخى الحبيب الطبيب النابغ والإنسان العظيم والصديق النبيل محمد أبو الغار تحية طيبة وبعد رسالتك رائعة وصادقة وبالغة العمق والجمال. وقد طهرتنى من كل أحزانى وأنقذتنى من موجات الاكتئاب القاسى، وأعادتنى إلى صوابى، وإلى الحقيقة الأساسية فى المشكلة التى أعانى منها .وإنى لأعتبرك أيها الأخ الرائع نابغاً فى تفكيرك، ورؤيتك الصافية للأمور، وفهمك العميق لما أصابنا وأصاب مصر فى هذا العصر. وأقسم لك صادقاً أن رسالتك التى هى قطعة من الأدب الرفيع، كانت شفاءً ساحراً لنفسى المتألمة. وليس هذا بغريب على نابغة فى طب الأجسام وطب النفوس والأفكار مثل محمد أبو الغار. وما دام فى الدنيا رجل فى نبل وموهبة محمد أبو الغار وعمقه وصفاء نفسه وعقله، فإننى لن أسمح للخوف بأن يتسلل إلى نفسى مطلقاً بعد اليوم. أرجو أن نلتقى خلال أيام فى بيتى لنسعد بك مع أصدقائنا المشتركين، وسوف أرتب هذا اللقاء مع الأصدقاء فى الوقت الذى يناسبك. لك محبتى وامتنانى بغير حدود. رجاء النقاش 11 / 4 / 2002