د. سحر شريف صدرت فى بداية هذا العام أحدث روايات الكاتب الكبير محمد سلماوى، وهى أول رواية مصرية تتخذ من حرب الإبادة فى غزة خلفية لأحداثها، وعنصرا فاعلا فى التأثير على حياة شخصياتها، على أننا سنركز هنا على عنصر اللغة فى هذه الرواية الرائعة الصادرة عن دار الكرمة، وكيفية توظيف المؤلف لثلاث مستويات مختلفة للغة الروائية. إن اللغة هى وعاء الفكر، وينتج الأدب فى إهاب اللغة، بها ينهض بنيانه، ومنها يتشكل. وتعد اللغة أهم العناصر الروائيّة، فمن خلالها تُقدّم الشخصيات وتوصف، وبها تتحدث وتكشف عن مشاعرها وأفكارها، وتباين مستوياتها، كذلك تصور اللغة الحدث، وتنقل الحركة، وتجسد الزمن، وتصور الأماكن، وتصف الأشياء، وهى التى تدمج كل هذه العناصر فى وحدة واحدة تكشف عن المغزى، وتبوح بالرسالة، ولولاها ما كان لهذه العناصر البنائيّة الفنيّة وجود. تنهض لغة رواية «السماء الثامنة» (دار الكرمة) على مستويين رئيسيين هما؛ السرد والحوار، لكن السرد يمثل الشكل المركزى فى الرواية، فهو الذى يقدم الشخصيات، وينقل الأحداث، ويصور الأماكن، والزمن، ويحمل صوت الشخصيات الداخلى بكل ما يضطرب فيها من مشاعر وأهواء، وما يحمله من تنوع واختلاف، ويقدم للحوار أى يسبقه، ويختمه أيضًا، بل قد يتغلغل داخله ليوجهه، ويصفه ويعلّق عليه. وهذا ما يجعل لغة السرد تمثل الشكل المركزى فى الرواية. وتتعدد الوظائف التى تنهض بها لغة السرد تبعًا لتنوع المواقف والعوالم التى تجسدها، وكذلك ترتبط اللغة بالراوى ارتباطًا وثيقًا حيث يجيء النص من خلاله، فهو الذى يقوم بعملية السرد واللغة لا تنفصل عن قائلها، فإذا كان الراوى داخليًّا بضمير الأنا، وجب أن تكون لغته موازية لمستواه الثقافى، أمّا إذا اختار الكاتب راويًّا خارجيًّا بضمير الغائب (هو) ليكون ساردًا، فيكون أكثر حرية، حيث يستخدم المؤلف لغته هو، لكنه يعلم جيدًا تنوع مستويات لغة السرد الملائمة لكل موقف. لذا، تنوعت لغة السرد فى رواية «السماء الثامنة» لمحمد سلماوى، وجاءت غنية ناطقة بالتصويرية، والتعبيرية، والتقريرية. أولا: المستوى التقريرى: اتسم هذا المستوى اللغوى فى الرواية بالوضوح والمباشرة، وذلك لأن السرد الروائى لا يستغنى أبدًا عن هذا المستوى اللغوى الذى يُخبر عن حدث، أو مجموعة من الأحداث إخبارًا خاليًا من التصوير، أو أن يقدم تقريرًا عنها. ومثال ذلك لغة التقرير الإخبارى: «استهدفت الغارة الإسرائيليّة فجرًا مستشفى المعمدانى فى مدينة غزة، مما أسفر عن استشهاد خمسمائة شخص من المرضى والجرحى وأعداد من المدنيين الذين لجأوا إلى المستشفى طلبًا للحماية.» وعندما يخبرنا الراوى عن حادثة انقضت، وفترة مضت من حياة البطلة: "كانا يدرسان معًا فى الجامعة، هو بكلية الطب، وهى بقسم اللغة الفرنسيّة بكلية الآداب، حين قابلته كانت لا تزال فى السنة الأولى، وكان هو فى السنة الثالثة." وعن اللقاء الأول: «كانت تجلس فى كافيتريا كلية الآداب مع اثنتين من زميلاتها حين جاء هو وزميل له. كانت الكافيتريا مزدحمة، ولم تكن ثمة طاولات شاغرة.. فاقترب منها وهى تحتسى قهوتها، وسأل إن كان يمكنه هو وصديقه مشاركتهن الطاولة.» فى المقطع السابق يقدم الراوى تقريرًا موجزًا تسيطر عليه الأفعال الماضية، ويبرز فعل القص الناسخ (كان) مهيمنًا على المقطع، وهو فعل معروف بأسلوب الحكى المعتمد على الإخبار، فالراوى هنا يخبرنا بما حدث، ولا يصوره. ويستخدم سلماوى المستوى اللغوى التقريرى فى المواضع التى يتوقف فيها تدفق نهر السرد ليستأثر الراوى بسرد المعلومات الغزيرة التى تشى بثقافة المؤلف وخلفيته القرائيّة من ذلك: "قال لها إن النوبيين كانوا يسمون الجزيرة (حديقة النطرون) وحين حوَّلها الإنجليز إلى قاعدة عسكرية فى أواخر القرن التاسع عشر، سمُّوها (جزيرة السردار)، وفى عهد الملك فؤاد سميت (جزيرة الملك)، ولم تعرف باسمها الحالى إلا بعد ثورة 1952." استخدم سلماوى اللغة الإخباريّة التقريريّة لتسريع إيقاع الرواية من خلال تقنية التلخيص، أو الحذف المعلن اللذين يخبر الراوى بواسطتهما عن انقضاء فترات زمنية مع خلاصة موجزة لما حدث، أو بدون خلاصة. من ذلك نقرأ: «تجمع عدد كبير من الطلبة فى الساحة الرئيسية للجامعة فى وقفة احتجاجية نظمها عمر المهدي... كان عمر قد تحدث مع إيمان عن تلك الوقفة ومغزاها فقررت أن تنضم إليها.. وقفت إيمان وسط الحشود، وقد ملأها الإعجاب بعمر الذى نظم الفعالية بنفسه، وتمكن بأعجوبة من الحصول على التصاريح الأمنيّة اللازمة لإتمامها.» ثانيا: اللغة التصويريّة: معنى التصوير أن ينقل الأديب إلى قارئه المشهد الروائى، فيصوره تصويرًا واقعيًّا، ويبرزه فى تشخيص معبر، حيث تحقق اللغة التصويريّة أهم ما يميّزها، وهو قدرتها على تمثيل الواقع من خلال اللغة. فإذا كان الشعر يغَلِّب الجانب التصويرى لها. وبواسطة هذا المستوى اللغوى استطاع سلماوى أن يرسم الشخصيات، ويحدد ملامحها، ويصور الأماكن والأشياء، ويجسد المواقف، ويصور الأحداث تصويرًا نابضًا بالحركة، ذلك لأنه يعلم جيدًا أن اللغة التصويريّة الحركيّة شديدة الأهمية فى النصّ الإبداعى، وقد وظفها سلماوى لعرض الاحداث الدرامية المهمة، وتحقيق التوازن الإيقاعى فى الرواية. من ذلك نقرأ: «مر أمامهما فى النيل مركب تحيط به الزينات الملونة من كل جانب، كراقصة أحاطت خصرها بالخرز والترتر، إضافة إلى لمبات كهربائيّة متعددة الألوان تضيء وتنطفئ فى أرجاء المركب مع إيقاع موسيقى صادرة عن مكبرات الصوت. كان بالمركب عرس صاخب تعالت فيه أصوات الطبول، وتصاعدت أصداء الزغاريد حتى جابت ضِفتى النهر..» فى النص السابق نشاهد الأضواء ونسمع الأصوات فى لوحة تصويريّة حركيّة حيّة. ونقرأ أيضًا: «أغارت الطائرات الإسرائيلية على الموقع، وبدأت تتصيد الجموع التى أحاطت بشحنات الغذاء المصرية. راحت تمطر الأمهات والأطفال والشيوخ بوابل من النيران التى لا تتوقف، فبدأوا يتساقطون واحدًا تلو واحد.. شاهدت إيمان طفلًا يسقط وسط الجموع مدرجا فى دمائه. كانت أمُّه إلى جواره، وقد طالتها النيران الإسرائيليّة، فتركتها جثة هامدة. لم يصرخ الطفل، أخرسه هول الصدمة. هرعت إليه إيمان وكانت عيناه تحملقان فى الفراغ.. احتضنته ومضت تجري..» فى النص السابق يستطيع سلماوى بلغته التصويريّة الدراميّة أن يعرض لنا لوحة حركيّة تجسد رعب العدوان، وتجسم دوى الصوت المهول للطائرات المعادية، وتشعرنا بلهيب الحريق، وتشخص هول الصدمة وقسوة الموت الدامي. اجتمعت عناصر الصوت واللون لتجسيد الأفعال، فاستطاع القارئ أن يتمثل دراما المشهد المأساوى، والفضل فى ذلك يرجع إلى تمكن الكاتب من لغة السرديّة باقتدار. ثالثًا: مستوى اللغة التعبيريّة: هى اللغة التى تعبر عن مشاعر وأحاسيس، وعواطف وأزمات. ولقد استطاع محمد سلماوى أن يستخدمها ببراعة فى موضعها عندما عبر عن المواقف العاطفيّة والأزمات والانفعالات الداخليّة فى المواقف المختلفة، وقد استطاع أن يعلو فى بعض المواضع ليسمو بلغته إلى حدود الشعر. نقرأ: «تسألين يا حبيبتى عن السماء الثامنة؟ إنها السماء التى لا تصلها الطائرات ولا تبلغها الصلوات ولا تشملها الجغرافيا، بل تقيمها قبلة واحدة وعناق تكونين فيه امرأة ويكون الوطنُ طفلًا نائمًا على صدرك. كل العشاق يقفون عند السماء السابعة، أمّا أنا فتخطيتهم. وصلتُ فى صلواتى إلى التراتيل الأخيرة فاختلط حبك بدمى، بنشيد الأرض الطيبة، وبدت صورتك ترفرف فوق علم زرعه جندى مصري على ضفة القناة المحررة..» تتجاوز اللغة التعبيريّة هنا الدلالات المباشرة للكلمات فى النصّ السابق؛ لتستثمر طاقاتها التصويريّة، باستخدام فنون البلاغة من مجاز وكناية واستعارة؛ لتعبر عن حالة وجدانيّة شفافة، تصور المرأة المثال لدى البطل، إذ يتجاوز العاشقان حدود الواقع ليسبحا فى خيال محلق، ويصلا إلى السماء الثامنة حيث تصبح المعشوقة وطنًا، ويصبح الوطنُ محبوبة. وبعد، لقد تحققت بلاغة السرد فى رواية «السماء الثامنة» من خلال نجاح محمد سلماوى فى توظيف لغته، واستخدامها لأداء المعنى بأفضل طريقة عبر تنوع مستوياتها التى جاءت لخدمة المعنى الكلى الذى أراده، ولقد حققت اللغة فى هذا النص الإبداعى وحدة الانسجام الدلالى الذى خدم المعنى بأفضل طريقة.