ياسمين هانى تستضيف العاصمة الباكستانيةإسلام أباد مفاوضات يتطلع إليها العالم أجمع، وذلك بعد أن وصلت تداعيات الحرب فى الشرق الأوسط إلى الجميع حول العالم. وتجرى المحادثات بمشاركة نائب الرئيس الأمريكى جى دى فانس الذى تكهن محللون إنه لم يكن من مؤيدى الحرب بعكس وزير الخارجية ماركو روبيو المعروف بنزعاته التدخلية الصدامية. ومن ثم، فإن فانس لديه ميل طبيعى لإنهاء الحرب، وسيبحث عن سبل التوصل لذلك. اقرأ أيضًا| باكستان تأمل بمحادثات إيرانية أمريكية «بنّاءة» أما من الجانب الإيرانى، فيقود وفد التفاوض رئيس البرلمان الإيرانى محمد باقر قاليباف.. فماذا تريد إيران فى هذه المرحلة الدقيقة من الأحداث ؟. وفقا لتحليل نشرته فورين بوليسى، فإن طهران تنظر للحرب الدائرة على أنها ليست مجرد صراع عسكرى عابر، بل أداة سياسية تسعى من خلالها طهران إلى إعادة صياغة قواعد الردع فى المنطقة، بعدما رأت أن استراتيجيتها السابقة القائمة على ضبط النفس لم تعد تحقق أهدافها. وفى حين يبدو غموض فى الأهداف الأمريكية، فإن الموقف واضح جدا فى العقل الإيرانى. فمثلا كان بالإمكان تحقيق الهدف المعلن- منع إيران من امتلاك سلاح نووي- عبر المفاوضات، لكن اختارت واشنطن التصعيد العسكرى دون وضوح بشأن ما إذا كانت تسعى لتغيير النظام أو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أو إعادة تشكيل المنطقة. وهذا الغموض يقابله وضوح نسبى فى الرؤية الإيرانية. ترى إيران أن لديها هدفًا محددًا من الحرب، وهو بناء ردع جديد يمنع تكرار الهجمات عليها مستقبلاً. وتعتقد القيادة الإيرانية أن سنوات طويلة من «الصبر الاستراتيجى» أُسىء فهمها فى واشنطن، حيث فُسرت كدليل ضعف، لا كخيار محسوب لتجنب التصعيد. هذا التقدير الخاطئ، من وجهة نظر طهران، شجّع الولاياتالمتحدة على زيادة الضغوط، معتقدة أن إيران لن ترد بشكل مؤثر. اقرأ أيضًا| ترامب: أعداد هائلة من الناقلات تتجه إلى أمريكا لشحن النفط وعززت تجارب سابقة، مثل الرد الإيرانى المحدود على اغتيال قاسم سليمانى، هذا الانطباع لدى الأمريكيين. لكن الحرب الأخيرة، خاصة المواجهة التى استمرت 12 يومًا، دفعت المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية إلى إعادة تقييم هذا النهج. وخلصت إلى أن ضبط النفس لم يمنع التصعيد بل شجّع عليه، ما أدى إلى توافق داخلى على ضرورة تغيير الاستراتيجية. وفى السابق، اعتمدت إيران على ما يُعرف ب«الدفاع المتقدم»، عبر شبكة حلفاء إقليميين تهدف إلى إبقاء الصراع بعيدًا عن أراضيها. لكن هذا النهج لم يعد كافيًا بعد تطور المواجهات المباشرة مع إسرائيل. لذلك انتقلت طهران إلى عقيدة أكثر هجومية، تقوم على رد سريع وواسع، دون التقيد بحسابات الخصوم. وتعتمد هذه الاستراتيجية الجديدة، بحسب تحليل فورين بوليسى، على مبدأ «الردع بالعقاب»، أى رفع تكلفة الحرب على الطرف الآخر إلى مستوى يجعله غير قادر على تحملها. وتستخدم إيران فى ذلك أدواتها الجغرافية والعسكرية، وعلى رأسها موقعها فى الخليج العربى. فسيطرتها على مضيق هرمز تمنحها قدرة هائلة على التأثير فى إمدادات النفط العالمية، مما يجعل أى تصعيد يحمل تداعيات اقتصادية دولية واسعة. كما تستفيد إيران من قربها الجغرافى من دول الخليج، التى تستضيف قواعد عسكرية أمريكية. ومن خلال استهداف البنية التحتية للطاقة أو المنشآت العسكرية فى هذه الدول، تستطيع طهران توسيع نطاق الأزمة وزيادة الضغط على الولاياتالمتحدة وحلفائها. والضربات التى طالت منشآت طاقة فى قطر والسعودية والكويت تعكس هذا التوجه نحو التصعيد غير التقليدى. فى المقابل، تواجه الولاياتالمتحدة صعوبة فى تحقيق «نصر حاسم»، لأن القدرات الإيرانية لا تعتمد على تقنيات متقدمة فقط، بل على تكتيكات غير متكافئة مثل الزوارق السريعة والطائرات المسيرة والألغام البحرية. وهذه الأدوات كفيلة بتهديد الملاحة فى مضيق هرمز وإطالة أمد الأزمة، حتى دون تفوق عسكرى تقليدى. وترى إيران أن إنهاء الحرب قبل تحقيق ردع فعّال سيعيد الوضع إلى ما كان عليه، ويجعلها عرضة لهجمات جديدة. لذلك فهى مستعدة لتحمل خسائر كبيرة على المدى القصير مقابل مكاسب استراتيجية طويلة الأمد. ومن هذا المنطلق، تعتبر هذه الحرب لحظة حاسمة: إما أن تفرض معادلة ردع جديدة، أو تواجه خطرًا وجوديًا. وفى حين يبدو أن العودة إلى المفاوضات أمر حتمى، لكن ليس بنفس الشروط السابقة. فأى اتفاق قادم لن يكون إعادة للوضع القديم، بل تعبيرًا عن توازن قوى جديد تشكل تحت ضغط الحرب.