قطاع غزة تحول إلى «مختبر مفتوح» لاختبار خوارزميات القتل الجماعى، وأصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل وأمازون شريكًا صامتًا فى جرائم الحرب الرقمية التى يرتكبها الاحتلال الصهيونى فى فلسطينولبنان وغيرها . فى هذا السياق كشف ضباط استخبارات صهاينة ممن خدموا فى حرب الإبادة عن كواليس تحويل العمليات فى غزة إلى «مصنع للاغتيالات الجماعية» يدار خوارزميًا عبر نظام «لافندر». ورغم إقرار الضباط بعلم جيش الاحتلال بامتلاك النظام هامش خطأ يصل إلى 10%، إلا أنه يتم استخدامه لتحقيق ضربات سريعة، مؤكدين أن الدور البشرى تآكل ليصبح مجرد «ختم موافقة»، حيث لا يقضى المحلل أكثر من 20 ثانية لمراجعة كل هدف، مكتفيًا بالتأكد من جنس المستهدف قبل إعطاء الضوء الأخضر للقصف. ويعتمد نظام «أين والدي؟» استهداف الأفراد داخل منازلهم العائلية بدلًا من المقار العسكرية، مع قبول حصيلة ضحايا مدنيين «مسموح بها» تتراوح بين 15 و20 مدنيًا لكل عنصر منخفض الرتبة، وتصل إلى أكثر من 100 مدنى عند استهداف مسئولين كبار فى حركات المقاومة الفلسطينية.
العنصر البشرى
فى توثيق لجرائم الاحتلال كشفت منظمات دولية وحقوقية فى تقارير لها أن دولة الاحتلال قبل أكتوبر 2023، كانت تعتمد فى تحديد الأهداف بشكل أساسى على العنصر البشرى، وكان المحللون ينتجون حوالى 50 هدفًا سنويًا فى غزة . وأشارت التقارير إلى أنه عند تفعيل النظام لأول مرة فى عملية «حارس الأسوار» عام 2021، قفز المعدل إلى 100 هدف جديد يوميًا موضحة أنه بعد أكتوبر 2023 ارتفعت وتيرة الاستهداف بشكل هائل؛ ففى أول 35 يومًا من حرب الإبادة، أعلن جيش الاحتلال عن ضرب أكثر من 15,000 هدف فى قطاع غزة. وأوضحت أن النظام الذكى سمح بإنتاج توصيات لاستهداف مبانٍ سكنية خاصة يشتبه بوجود عناصر من حماس أو الجهاد الإسلامى، لافتة إلى أن استخدام نظام «حبسورا» سمح لجيش الاحتلال بتحديد الأهداف بشكل أسرع وضاعف هذا الرقم فى غزة، وضرب أكثر من 1600 هدف فى يوم واحد جنوبلبنان والبقاع شملت منصات صواريخ ومبانى عسكرية ومخازن سلاح فى.
قصف داخل المنازل
واعترف ضابط مخابرات صهيونى أنهم لا يركزون على قتل عناصر حماس فقط عندما يكونون فى مبنى عسكرى أو يشاركون فى نشاط عسكرى. بل يقومون بقصفهم داخل منازلهم دون تردد، كخيار أول، لأن قصف منزل عائلة أسهل للنظام الذى صمم للبحث عن الأهداف فى هذه الحالات. وكشف الضابط أن جيش الاحتلال يستخدم نظام «أين والدي؟» لتتبع الأشخاص جغرافيًا لاستهدافهم لحظة وصولهم إلى منازلهم، فى حين يستخدم نظام «حبسورا (Gospel لاستهداف المبانى والمنشآت.
طائرة مسيرة
فى هذا السياق، أكد الخبير العسكرى والاستراتيجى سمير فرج أن منظومات العمليات العسكرية تشهد تغيرات جذريه عقب الحرب الصهيوأمريكية ضد إيران، كما تغير مفهوم بنك الأهداف التقليدى، لافتًا إلى أن الطائرة المقاتلة التى يبلغ ثمنها 90 مليون دولار لم يعد لها مكان لأنه أصبح فى الإمكان تنفيذ الهدف نفسه بطائرة مسيرة لا يتجاوز ثمنها بضعة آلاف من الدولارات. وأشار فرج فى تصريحات صحفية إلى انتهاء عصر التفوق العسكرى القائم على التكلفة الباهظة، وبداية عصر جديد تتساوى فيه الطائرة المسيرة مع المقاتلة فى تنفيذ المهام القتالية.
حروب الجيل السادس
وكشف الخبير الاستراتيجى الأردنى اللواء نضال أبوزيد أن واشنطن لم تعتزم خوض معركة برية تقليدية فى صراعاتها الأخيرة، موضحًا أنه منذ بداية العمليات العسكرية ضد إيران لم يكن الحشد العسكرى الأمريكى موجهًا للقيام بعمليات عسكرية برية تقليدية، بل اتجه نحو شكل جديد من الحروب يعرف بحروب الجيل السادس، أى إدخال منظومات الذكاء الاصطناعى فى العمليات العسكرية. وأشار أبوزيد فى تصريحات صحفية إلى أن الحشد اقتصر على القطع البحرية والكتلة الجوية الهائلة، مع غياب كامل لأى قوات برية، وتم بالتوازى توظيف جهد استخبارى عالٍ اعتمد بالكامل على برامج وأنظمة الذكاء الاصطناعى، أبرزها برنامج «كلاود»، وبرنامج «مابن»، وبرنامج "الداتا منر". وعن الأنظمة الذكية التى تستخدمها القوى العظمى، أكد أن جيش الاحتلال يستخدم برامج متطورة مثل «لافندر» و«جوزبل»، بينما اعتمد الجانب الأمريكى لأول مرة على منظومة «سوارم إنتلجنس» (Swarm Intelligence) التى تديرها وحدة مستحدثة عرفت باسم «وحدة سكوربيون»، واستخدم طائرات مسيرة من نوع جديد يسمى «لوكاس»، أطلقت عليها واشنطن اسم «طائرات الاتجاه الواحد» بدلًا من «الانتحارية» وفقا لعقيدتهم العسكرية.
الذكاء الاصطناعى
وقال أحمد زغلول مهران، المشرف على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، إن عصر القنص البشرى لم ينتهِ بشكل كامل، بل تحول من الاعتماد على الفرد إلى الاعتماد على منظومات ذكية تديرها البيانات . وأكد مهران فى تصريحات صحفية أن هذه المنظومات أصبحت قادرة على تحليل الصور وتتبع الأهداف بشكل دورى، ما حول بنك الأهداف من قائمة ثابتة إلى منظومة متجددة تعتمد على التحديث المستمر. وأوضح أن القرار لم يعد قائمًا فقط على العنصر البشرى، بل على الذكاء الاصطناعى الذى يربط بين المعلومات ويستخلص الهدف بدقة أعلى وفى زمن أسرع . وأشار مهران إلى أن هذا التحول يعنى أن القائمة التى كان يعدها ضباط الاستخبارات على مدار أشهر يمكن اليوم أن تتغير فى ثوانٍ بناءً على قراءة فورية للبيانات الميدانية.