مع اشتداد حرب الشرق الأوسط، يرى المحللون أن إيران تتبع استراتيجية مدروسة تهدف إلى الضغط على الولاياتالمتحدة لحملها على خيار صعب: إما التصعيد أو السعي إلى مخرج تفاوضي. بحسب رافي أجراوال، رئيس تحرير مجلة فورين بوليسي، رغم تكبدها خسائر عسكرية كبيرة، تمكنت طهران من بسط نفوذها بشكل غير متناسب على الأسواق العالمية، لا سيما من خلال الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز. وفقًا للمناقشات التي عُرضت في برنامج "فورين بوليسي لايف"، يبدو أن القيادة الإيرانية تركز بشكل أقل على تحقيق نصر حاسم وأكثر على البقاء. ويرى الخبراء أن هذا الهدف يُشكل استراتيجية تهدف إلى إطالة أمد الصراع مع خصومها، مع زيادة التكاليف السياسية والاقتصادية لواشنطن بشكل مطرد. قيادة جديدة أكثر راديكالية وأقل حذرًا لا يزال النظام السياسي الإيراني قائمًا، لكنه يخضع الآن لهيمنة قيادة شابة أكثر تشددًا. يمثل الانتقال من المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي إلى جيل جديد من صانعي القرار، بمن فيهم شخصيات مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومستشار الأمن القومي محمد باقر ذو القدر، تحولًا نحو اتخاذ قرارات أكثر حزمًا. يصف المحللون هذه القيادة بأنها أقل حذرًا من سابقتها. فعلى عكس النهج السابق، الذي اتسم غالبًا بالحذر والتحوط الاستراتيجي، تبدو القيادة الحالية مستعدة للتصعيد السريع، حتى أنها تستهدف دول الجوار الإقليمية وتعطل طرق التجارة العالمية الحيوية منذ بداية النزاع. القيادة والسيطرة لا تزالان سليمتين على الرغم من التقارير التي تشير إلى اضطرابات داخلية، إلا أن هناك أدلة قليلة على ضعف أنظمة القيادة والسيطرة الإيرانية بشكل ملحوظ. فقد اعتمدت طهران على نموذج "الفسيفساء" اللامركزي، الذي يوزع السلطة على مختلف المحافظات لضمان استمرارية العمل في حال انقطاع الاتصالات. مكّن هذا الهيكل من تنفيذ عمليات انتقامية منسقة، غالبًا ما تحاكي الضربات التي تنفذها الولاياتالمتحدة أو إسرائيل. بينما قد تعتمد الاتصالات رفيعة المستوى على أساليب تقليدية كالمراسلات، يبدو التنسيق العملياتي سليمًا إلى حد كبير. الدبلوماسية في ظل القيود لا تزال القنوات الدبلوماسية مفتوحة، وإن كانت محدودة. ويواصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي دوره المحوري في الحوار، بينما حافظ الرئيس مسعود بيزشكيان على تواصله مع نظرائه الإقليميين والأوروبيين. مع ذلك، يكتنف الغموض وضع مجتبى خامنئي، الذي أثار غيابه عن الأنظار تساؤلات حول دوره في صنع القرار. عمليًا، يرى المحللون أن قيادة جماعية - تضم قادة عسكريين وشخصيات سياسية - هي على الأرجح من توجه الاستراتيجية الإيرانية. منطق الاستنزاف: الصمود أمام الولاياتالمتحدة تستند استراتيجية إيران إلى الحرب غير المتكافئة. وإدراكًا منها لضعفها العسكري التقليدي، تسعى طهران إلى استنزاف موارد الولاياتالمتحدة مع فرض تكاليف متزايدة. ويشمل ذلك استهداف أنظمة الدفاع الإقليمية، والحفاظ على عمليات صاروخية وطائرات مسيرة منتظمة، واستغلال نقاط الاختناق كالمضيق الهرمزي. كان لإغلاق الممرات البحرية الحيوية تداعيات اقتصادية عالمية، بما في ذلك ارتفاع أسعار الطاقة. ومن وجهة نظر طهران، يتمثل الهدف في الوصول إلى نقطة تصبح فيها التكاليف السياسية والاقتصادية التي تتحملها واشنطن غير محتملة. البقاء نصر على عكس العقائد العسكرية التقليدية، لا تُعرّف القيادة الإيرانية النجاح بالسيطرة على ساحة المعركة، بل يُنظر إلى البقاء نفسه على أنه نصر. ويعتقد المسؤولون أنه حتى في حال تضرر البنية التحتية، يمكن إعادة بناء القدرات - لا سيما في تطوير الصواريخ والتقدم النووي - بمرور الوقت. كما يُؤخذ الدعم الخارجي في الاعتبار عند حساب ذلك. فزيادة عائدات النفط خلال النزاع، إلى جانب المساعدة العسكرية من روسيا وتزايد التقارب مع الصين، تُعزز اعتقاد طهران بقدرتها على تحمل ضغوط طويلة الأمد. فخ تصعيدي لواشنطن يرى المحللون أن الولاياتالمتحدة تواجه خيارات محدودة. فالانسحاب السريع قد يُشجع إيران ويُتيح استمرار تعطيل طرق التجارة العالمية. في المقابل، قد يؤدي التدخل العسكري الأعمق، كنشر القوات البرية أو استهداف الأصول الاستراتيجية، إلى خسائر بشرية فادحة وتصعيد إقليمي أوسع. تشمل الردود الإيرانية المحتملة زرع الألغام في مضيق هرمز أو التنسيق مع حلفائها لتعطيل مضيق باب المندب، وهو شريان حيوي لإمدادات الطاقة العالمية. قد تؤدي هذه الإجراءات إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، ما يُنذر بعواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي. مخاطر المبالغة من كلا الجانبين بينما قد تُحقق استراتيجية إيران مكاسب قصيرة الأجل، يُحذر المحللون من احتمال المبالغة في الثقة. فالتصعيد ينطوي على مخاطر كامنة، لا سيما إذا ما أثار رد فعل أمريكي أكثر قوة. في الوقت نفسه، تبقى خيارات واشنطن محدودةً بالاعتبارات السياسية والاقتصادية والعسكرية، لا سيما في عام الانتخابات. والنتيجة هي بيئة استراتيجية متقلبة، حيث قد يؤدي أي خطأ في التقدير من أي من الطرفين إلى اندلاع صراع أوسع. حرب بلا مخرج سهل يؤكد الصراع المتصاعد حقيقةً جوهرية: لا إيران ولا الولاياتالمتحدة تملكان مسارًا واضحًا أو منخفض التكلفة للمضي قدمًا. ويبدو أن نهج طهران، القائم على الصمود والتصعيد المحسوب، مصممٌ لإيقاع واشنطن في دوامة من القرارات المكلفة. مع استمرار الحرب، من المرجح أن يحدد التوازن بين الضغط وضبط النفس ما إذا كان الصراع سيتجه نحو التفاوض، أم سينزلق إلى مرحلة أكثر خطورةً ولا يمكن التنبؤ بها.