غنام محمد يتوج بجائزة رجل المباراة رغم تعادل مودرن سبورت مع حرس الحدود    استعدادات مكثفة لامتحانات الثانوية العامة 2026 بالقاهرة.. قرارات حاسمة وتيسيرات غير مسبوقة    تحذيرات للمزارعين من تقلبات الطقس في برمودة وتأثيرها على محصول القمح    طرح 414 وحدة صناعية كاملة التجهيز ب11 محافظة لدعم المستثمرين    انطلاق أولى الورش التدريبية لوحدة الذكاء الاصطناعي بإعلام القاهرة، الجمعة    باريس سان جيرمان يضع قدماً في نصف النهائي بثنائية أمام ليفربول    غنام محمد رجل مباراة حرس الحدود ومودرن سبورت في الدوري المصري    أسعار سبائك النحاس اليوم الأربعاء 8-4-2026    الأرصاد تعلن أماكن سقوط الأمطار غدا الخميس    محافظ الجيزة: إجراءات استباقية لمواجهة مشكلات المياه خلال الصيف بالبؤر الساخنة    أخبار الفن اليوم: وفاة مدير التصوير محمد التوني.. جنات تطرح أغنيتها الجديدة "أنت صح".. وتفاصيل استشهاد الإعلامية اللبنانية غادة الدايخ    جامعة الدلتا التكنولوجية تنظم دورة تدريبية حول التنمية المستدامة    خبير طاقة متجددة: التكامل بين الشمس والنووي هو الحل الأمثل    محافظ الإسكندرية: استجابة فورية لشكاوى المواطنين بجميع الأحياء    بمشاركة حجازي.. نيوم يُسقط اتحاد جدة في الدوري السعودي    فريدة خليل تكتسح لاعبة إسرائيل في بطولة العالم للسلاح وتودع من الدور التالى    مدبولي يرأس اجتماع الحكومة غدًا بالعاصمة الجديدة لمتابعة المشروعات والخدمات    مساعد رئيس الوزراء عن قيد 6 شركات مملوكة للدولة مؤقتا بالبورصة: والله العظيم ما بنبيع    نائب الرئيس الأمريكي يُحذّر طهران: فتح مضيق هرمز شرط أساسي لاستمرار الهدنة    مأساة كوبري المظلات... شهود عيان يكشفون تفاصيل صادمة عن الحادث    إعادة فتح الأماكن المقدسة في القدس غداً الخميس.. تفاصيل    مشهد مؤثر يحطم القلوب.. حمادة هلال يكشف لحظات خاصة مع والدته الراحلة    مهرجان هيوستن فلسطين السينمائى يهدى الدورة ال19 لروح محمد بكرى    في الذكرى ال56.. المصابون في مجزرة بحر البقر يروون تفاصيل ولحظات لا تُنسى    تأهل يوسف إبراهيم ونور الشربيني لنصف نهائي بطولة الجونة للإسكواش    محافظ الفيوم يوجّه بصرف مساعدات عاجلة لمتضرري انهيار منزل بمنطقة الحواتم    الفيدرالي الأمريكي: مخاطر التضخم والشرق الأوسط يدفعان باتجاه رفع أسعار الفائدة    القبض على 3 سودانيين بتهمة قتل شخص وإصابة آخر فى المرج    وزير الشباب والرياضة يلتقي رئيس شركة العاصمة الإدارية لبحث أوجه التعاون    بسمة وهبة: نرفض بشكل قاطع أي اعتداء على الدول العربية والخليجية    هل تدخل مكافأة نهاية الخدمة في الميراث؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    الرقابة الصحية: الشبكة القومية لمراكز السكتة الدماغية تقدم رعاية وفق معايير جودة عالمية    بحضور وزير الصحة.. تجارة عين شمس تناقش رسالة دكتوراه حول "حوكمة الخدمات الصحية للطوارئ"    عين شمس تستقبل الملك أحمد فؤاد الثاني في زيارة لقصر الزعفران    صناع الخير تشارك بقافلة طبية ضمن مبادرة التحالف الوطني «إيد واحدة»    فيستون ماييلي وديانج يشاركان في سحب قرعة بطولة كأس الأمم الأفريقية للناشئين تحت 17    «ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه فأعرض عنها».. تفسير يهز القلوب من خالد الجندي    تطهير البؤر الإجرامية وتأمين الاحتفالات!    ثقافة الغربية تحتفي بذكرى الأبنودي بحفل فني على مسرح 23 يوليو    إصابة شخص في انقلاب سيارة بطريق الإسكندرية – مطروح    تعليم القاهرة تواصل الجولات الميدانية لدعم المدارس وتعزيز التواصل مع أولياء الأمور    تعرف على أشهر النواويس في المتاحف المصرية    خلافات دستورية وسياسية تعطل «الإدارة المحلية».. والنواب يعيدون صياغة القانون من جديد    وزير الصحة يبحث توطين صناعة أدوية الاورام مع شركة «سيرفيه» الفرنسية    سول: كوريا الشمالية أطلقت صاروخا باليستيا جديدا باتجاه بحر اليابان    «الصحة» تعقد 3 اجتماعات لتسريع تنفيذ 8 مستشفيات كبرى وفقاً للأكواد العالمية    ما حكم عمل فيديو بالذَّكاء الاصطناعى لشخص ميّت؟ دار الإفتاء تجيب    الإمارات تعرب عن خيبة أملها إزاء إخفاق مجلس الأمن في التحرك بشأن أزمة مضيق هرمز    محافظ القاهرة يجرى المقابلات الشخصية للمتقدمين لشغل عدد من الوظائف القيادية    الأوقاف: تنفيذ خطة المساجد المحورية لتنشيط العمل الدعوي بالقرى والأحياء    مذكرة تفاهم بين وزارتين سعوديتين لتعزيز التكامل في المجالات المشتركة    الصحة: علاج 197 ألف حالة في جراحة العيون وتفعيل مبادرة "الكشف عن الجلوكوما"    60% تراجعا في الطلب على العمالة الوافدة للخليج منذ بدء الحرب.. والسعودية تخالف الاتجاه    رئيس الوزراء يصدر قرارًا بشأن إجازة شم النسيم    ناقلة نفط قادمة من مضيق هرمز تصل إلى تايلاند    حكم فصل التوأمين الملتصقين إذا كان يترتب على ذلك موت أحدهما؟ الإفتاء تجيب    إيران: المحادثات مع أمريكا تبدأ الجمعة في إسلام اباد    سي إن إن نقلا عن مسؤول في البيت الأبيض: إسرائيل وافقت أيضا على وقف مؤقت لإطلاق النار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. أسامة السعيد يكتب: من «التأزيم» إلى «التقزيم» ماذا بعد حرب «الأسابيع الستة»؟!
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 08 - 04 - 2026

هذه الهدنة التى جاءت بعد حرب «الأسابيع الستة» لتكون بمثابة قطرة ماء فى وسط صحراء الصراع بالإقليم، ولتمثل ثمرة جهود دبلوماسية مضنية شاركت فيها دول عدة، كانت مصر فى مقدمتها وفى القلب منها، فقد بذلت القاهرة علانية وخلف الأبواب المغلقة جهودًا كبيرة كى تصل تلك الهدنة إلى لحظة الميلاد
قبل الهاوية بسنتيمترات قليلة توقفت الحرب.. إنها لعبة أمريكية قديمة نراها تتكرر فى أفلام سباقات السيارات. يدخل المتنافسان إلى حلبة السباق فى اتجاهين متقابلين، يسيران نحو المواجهة بأقصى سرعة، يتزايد التوتر والقلق من صدام مروع، ينظر كل خصم فى وجه منافسه بينما الموت يقترب بسرعة هائلة. الأكثر تماسكًا وقدرة على الضغط على أعصاب خصمه يفوز بالسباق ويحصل على سيارة المهزوم كغنيمة.
هذا ما رأيناه بأعيننا، وعايشناه فى تلك الليلة الطويلة، التى ترقب فيها الجميع نهاية العالم. توترت الأعصاب انتظارًا للدقائق الأولى بعد انتهاء المهلة الترامبية لإيران، فإذا بالأخيرة تخرج عن مسار التصادم، وتتجنب السقوط من فوق هاوية «هرمز» فى اللحظة الحاسمة، لتؤكد الاستراتيجية الأمريكية قدرتها على صناعة الإبهار وترسيخ أسطورة القوة، من شاشات السينما إلى ممرات الملاحة الدولية، ومن استوديوهات هوليوود إلى ميادين الصراع.
قد تكون هدنة ال 15 يومًا فرصة لالتقاط الأنفاس فى إقليم وعالم كاد أن يختنق وهو يترقب على مدى 6 أسابيع فصول حرب بدت ضبابية فى كل شيء، من أهدافها إلى وقائعها ونتائجها، ومن قياداتها إلى ضحاياها.
هذه الهدنة التى جاءت بعد حرب «الأسابيع الستة» لتكون بمثابة قطرة ماء فى وسط صحراء الصراع بالإقليم، ولتمثل ثمرة جهود دبلوماسية مضنية شاركت فيها دول عدة، كانت مصر فى مقدمتها وفى القلب منها، فقد بذلت القاهرة علانية وخلف الأبواب المغلقة جهودًا كبيرة كى تصل تلك الهدنة إلى لحظة الميلاد، وتمثل تلك الهدنة نجاحًا إضافيًا لقدرة الدولة المصرية على المشاركة فى شق طريق للسلام وسط حقل ألغام الشرق الأوسط، ولتضاف إلى قائمة نجاحات سابقة على هذا الدرب منذ فتحت الطريق نحو السلام فى المنطقة، وصولًا إلى وقف حرب الإبادة الجماعية فى غزة، وحشد العالم فى شرم الشيخ لتوقيع اتفاق إنهاء الحرب بشراكة ناجحة مع الولايات المتحدة والأشقاء والأصدقاء فى الإقليم.
■ ■ ■
كم تتعاظم الآمال بعد تلك «الهدنة» لأن تصمد حالة التهدئة وتصبح منطلقًا مأمولًا لتوقف الحرب، لكن تأملًا عميقًا وفهمًا شاملًا لمجريات الواقع على ضوء ما جرى وسيجرى بعد تلك الحرب، يشير إلى مخاوف حقيقية ولها ما يبررها بأن الحرب لم تنته بعد، حتى لو صمدت الهدنة، أو توقفت المعركة، فلا تزال هناك جولات جديدة لأن أهداف الحرب لم تُحسم بعد.
نعم، يستطيع كل طرف فى الجولة الأخيرة أن يقدم نفسه كمنتصر، فالولايات المتحدة أعادت فتح مضيق «هرمز» وأمعنت فى قصف قدرات إيران النووية والصاروخية، وإسرائيل نفذت حربها المنتظرة منذ عقود على «أرض فارس» وفرضت نطاقات عازلة حول حدودها بالتهام المزيد من الأراضى العربية، وتحييد مصادر الخطر من وجهة نظرها. بينما إيران ستسوق عدم انهيار النظام تحت ضغط الآلة العسكرية والأمريكية باعتباره انتصارًا تاريخيًا.
لكن الحقيقة التى أكاد أراها رأى العين، أن الحرب الحقيقية فى الإقليم لم تنته، فالصراع الأخير ليس سوى جولة من جولاتها، والحرب الكبرى بالشرق الأوسط هى فى حقيقة الأمر حرب «على» الإقليم وليست «فيه» فقط.
نحن أمام حرب ممتدة، ولا تزال حبلى بجولات صراع جديدة، لأنها مرتبطة بصراع دولى أكبر لإعادة صياغة شكل العالم ومستقبل النظام الدولى فى المرحلة المقبلة. هذه الحرب تستخدم استراتيجيتين كبيرتين الأولى هى استراتيجية «التأزيم» أى افتعال الأزمات والصراعات التى تقود إلى استنزاف قوى الأطراف المتصارعة والهيمنة على الموارد والنفوذ من جانب الطرف الأقوى.
أما الاستراتيجية الثانية فأسميها «استراتيجية التقزيم»، وتستهدف تفكيك بنية الكيانات المكونة للمنظومة الدولية الراهنة، من تفكيك الدول الوطنية، وتحويلها إلى «كنتونات» طائفية ومذهبية وكيانات وظيفية متصارعة، ثم تفكيك المنظمات والتحالفات الدولية التى كانت عنوانًا لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، بل وحلف شمال الأطلسى «ناتو»، لصالح تحالفات جديدة تبنيها القوى المهيمنة وتعيد تفكيكها وترتيبها وفقًا لمصالحها وأهوائها المتغيرة، ويتحمل فيها طالبو الحماية التكلفة الرئيسية، بعد أن يتحول الأمن إلى سلعة ثمينة وخدمات الحماية الاستراتيجية إلى مصدر دخل وفير!!
■ ■ ■
نحن لسنا فقط أمام محاولات لإعادة رسم الحدود، بقدر ما نحن أمام مشروع لإعادة صياغة الوجود، وأخشى أن كثيرًا من الحسابات الخاطئة لدى أطراف عدة فى الإقليم، وقراءات منحازة لما يجرى بعد خفوت صوت المدافع وأزيز الصواريخ والمسيرات فى أجواء المنطقة، تقود إلى وضع المنطقة على طريق مصير سعت إلى رسمه وخططت لتنفيذه قوى خبيثة، تحاول أن تجعل من «العدو» شرطيًا للمنطقة، ومن «الجلاد» مصدرًا للحماية!!
نحن اليوم ورغم التفاؤل بالهدنة لا نقف أمام «خارطة طريق» للسلام، بل أمام مخطط منهجى انتقل بالمنطقة من مرحلة «التأزيم» المدروس، إلى استراتيجية «التقزيم» التى تسعى لتحويل الشرق الأوسط إلى فسيفساء من الكيانات المتناحرة، التى فقدت بوصلة أمنها القومى، لتجد نفسها مضطرة للاحتماء ب «هراوة» الشرطى الجديد فى المنطقة: إسرائيل.
هذا النهج ليس تنبؤاً، بل هو استنساخ ل «خطة ينون» الإسرائيلية التى نُشرت فى الثمانينيات، والتى نصت صراحة على أن أمن إسرائيل الاستراتيجى يتطلب تفتيت دول المنطقة العربية وبخاصة (العراق، سوريا، ومصر)، وأضيفت لها لاحقًا دولة إقليمية غير عربية هى إيران، إلى دويلات عرقية وطائفية.
نُشرت الخطة كعقيدة استراتيجية فى مقال بعنوان «استراتيجية لإسرائيل فى الثمانينيات» (A Strategy for Israel in the Nineteen Eighties)، وصاغها عوديد ينون (Oded Yinon)، وهو صحفى ودبلوماسى إسرائيلى سابق كان مستشارًا لأرييل شارون ومسئولًا رفيعًا فى وزارة الخارجية الإسرائيلية.
تنطلق الخطة من فرضية أن العالم العربى ليس كيانًا متجانسًا، بل هو «بيت من ورق» مكون من فسيفساء من الطوائف والأعراق المتنافرة التى جمعتها حدود «سايكس-بيكو» قسرًا، وترى الخطة أن مصلحة إسرائيل تكمن فى تحويل الدول الكبرى المحيطة بإسرائيل إلى «دويلات قزمية» مبنية على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية، وإنهاء وجود جيوش نظامية كبرى واستبدالها بميليشيات محلية تتصارع فيما بينها، مما يمنح إسرائيل السيادة المطلقة.
■ ■ ■
«خطة ينون» تُعتبر الأداة التنفيذية لتحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى»، ليس بالضرورة عبر الاحتلال الجغرافى المباشر لكل هذه الأراضى، بل عبر «الهيمنة الوظيفية»، بحيث تصبح إسرائيل هى «النواة» القوية والوحيدة فى منطقة مليئة ب «الإلكترونات» الضعيفة والمقزمة التى لا تستطيع العيش بدون مركز، وتتحول هذه الكيانات «المقزمة» إلى «وظائف أمنية» لخدمة قوى أكبر، فيما تصبح العلاقة مع إسرائيل هى «صمام الأمان» لمنع هذه الكيانات من إبادة بعضها البعض، وهو ما يمنح إسرائيل شرعية للوجود بصفتها «ضابط إيقاع الفوضى»!!
وفق تلك الخطة المعلنة تتحول إسرائيل من «جسم غريب» فى المنطقة أو «عدو»، إلى «النواة» التى تدور فى فلكها تلك الدويلات الصغيرة الضعيفة، وهنا تكتمل الدائرة، فالكيان الصغير الذى يخشى جاره، لن يجد ملاذًا إلا بعلاقة وطيدة مع إسرائيل.
اليوم، يجرى أمام أعيننا ومنذ سنوات تنفيذ النسخة المحدثة من هذه الخطة، وتأملوا ما يجرى من عمليات تفكيك متعمد للعديد من دول المنطقة، وإشعال الصراعات بين مكوناتها السكانية، إضافة إلى استهداف الجيوش الوطنية النظامية واستنزافها فى صراعات داخلية أو مواجهات غير متناظرة مع ميليشيات.
التقارير الدولية تشير إلى أن المنطقة العربية باتت تضم أكثر من 60 فى المئة من الميليشيات غير النظامية النشطة فى العالم، وهى أداة تستهدف تكريس حالة مستدامة من انعدام الأمن، وعندما تفقد دول المنطقة قدرتها على حماية نفسها، وتشعر بما يمكن تسميته ب «اليتم الأمنى» سيُطرح «النموذج الإسرائيلى» كحامٍ ضد الفوضى، أو كبوابة وحيدة لنيل الرضا الأمريكى، ومن ثم سيتحول التحالف مع إسرائيل من «خيار سياسى» إلى «ضرورة وجودية» لهذه الكيانات لضمان استمرارها أمام جيرانها «المصطنعين».
كما أن هذه الدويلات المقزمة لن تملك اقتصادًا مستقلًا (زراعة، صناعة، موارد طاقة)، وسيتم ربط مواردها بشبكات إقليمية تديرها إسرائيل (خطوط غاز، ممرات مائية، تكنولوجيا مياه، أمن سيبرانى)، وبالتالى، أى محاولة للتمرد على «الشرطى الإقليمى» تعنى الانتحار، ليس أمنيًا فقط ولكن اقتصاديًا أيضًا.
إن هدف «التقزيم» ليس بالضرورة التقسيم الجغرافى الرسمى، بل هو «التقسيم الوظيفى»، أى بقاء الدولة كاسم على الخريطة، بينما هى فى الواقع ممزقة إلى كيانات متصارعة داخليًا، مضطربة أمنيًا، وتابعة تكنولوجيًا، مما يضمن استمرارية «اليتم العربى» والحاجة الدائمة ل «الوصاية الإسرائيلية»!!
هكذا يدبرون ويتحركون لتنفيذ المخطط على مدى السنوات الماضية إلى واقع، وهكذا يجب أن نعى حقيقة ما يجرى من حولنا.
■ ■ ■
مخطط «التقزيم» أتوقع أن يستمر فى مساره حتى لو توقفت الحرب الراهنة، فتلك الحرب ليست سوى حلقة فى سلسلة ممتدة - ينتقل اليوم من إعادة تفكيك وتركيب دول المنطقة، إلى «تقزيم» مظلة المؤسسات الإقليمية والدولية، وتحويلها إلى كيانات فاقدة للتأثير، وغائبة عن ساحة الفعل، لصالح تحالفات براجماتية مؤقتة، تعتمد على هيمنة أمريكية بالأساس، وبناء شبكة من التحالفات الصغيرة التى تعتمد على منطق «التكلفة والعائد»، بعيدًا عن التحالفات طويلة الأمد التى ترتب التزامات تراها الإدارة الأمريكية الحالية باهظة التكلفة وبلا عائد تقريبًا.
لذلك لا يبدو مستغربًا تلك الانسحابات الأمريكية المتتالية من منظمات الأمم المتحدة، وتحويل المنظمة الأممية إلى مجرد ألعوبة فى يد واشنطن، ومادة لسخرية الرئيس ترامب، وقد تمتد الرغبة الأمريكية فى تفكيك «تحالفات الماضى» إلى حلف الناتو الذى نال نصيبًا لا بأس به من الغضب الترامبى، خصوصًا فى ظل الإحجام الأوروبى عن المشاركة فى «الحملة الأمريكية الإسرائيلية» على إيران.
هذا النهج المتواصل ل «تقزيم» المؤسسات الدولية وإضعاف تأثيرها وفاعليتها، يريد البعض فى منطقتنا أن يطبقه على جامعة الدول العربية، مستندًا إلى أن الجامعة بلغت حدًا خطيرًا من «الشيخوخة» وباتت تعانى من «تيبس المفاصل»، وفقدت قدرتها على الحركة، بل يرى البعض من غير المؤمنين بالعمل العربى المشتركة أنها وصلت إلى حالة «الموت الإكلينيكي».
وبالتأكيد لا يمكن لعاقل أن يزعم أن الجامعة العربية تمتلك القدرة على الفعل المؤثر أو التأثير الفعال فى أزمات المنطقة، لكن الحقيقة أيضًا التى يدركها الجميع أن الجامعة العربية هى محصلة إرادات الدول الأعضاء، وتغييب الإرادة العربية الجماعية، وتهميش مسارات التعاون والتنسيق المشترك لا يعنى سوى البحث عن مظلات بديلة، قد تكون إقليمية أو دولية.
وفى تقديرى هذا هو ذروة الحسابات الخاطئة فى قراءة ما يجرى من أحداث على مسرح الشرق الأوسط، فعندما يتصدع جدار فى بيت قديم، لا يكون الهدم هو الحل الأمثل، بل الإصلاح والترميم، فهدم جدران البيت بينما المحيط الإقليمى يصطخب بالأنواء والعواصف ليس سوى عمل عبثى يجعل الجميع مكشوف الظهر، ويطرح الجسد العربى فريسة للذئاب فى عراء الإقليم المثخن بالجراح، والمثقل بالفوضى، والمهدد بالانفجار.
■ ■ ■
بعض الحسابات الخاطئة والقراءات المغرضة لمجريات ما يجرى فى إقليمنا ترى أن علاج الارتهان للقوى الإقليمية والدولية غير العربية، لا يتأتى بتحصين البيت وترميم جدرانه، بل بهدم البيت وبمزيد من الارتهان لقوى خارجية.
ويذهب بعض هؤلاء من أصحاب الحسابات المغلوطة إلى حد استجلاب قوى إقليمية جديدة لم تكن يومًا تبدى اهتمامًا يُذكر بما يدور فى الشرق الأوسط للصعود على مسرح الأحداث، ظنًا منهم أن دخول لاعبين جدد قد يحقق نوعًا من التوازن، متجاهلين أن تعدد اللاعبين لا يعنى بالضرورة تحقيق توازن قوى، لكنه قد يحمل فى طياته تسريعًا وتوسيعًا لاحتمالات الصراع والتنافس المحموم على كعكة الإقليم.
الواقع اليوم يقول إن 90 فى المئة من موازنات الدفاع فى الدول العربية تعتمد على صفقات تكنولوجية مع أطراف خارج المنظومة العربية، ومن الأرقام الصادمة حقًا التى نشرتها تقارير دولية متخصصة فى مبيعات الأسلحة عالميًا أن الصادرات العسكرية الإسرائيلية قد قفزت لبعض دول المنطقة بنسبة تتجاوز ال 200 فى المئة فى أعقاب التوترات الأخيرة، مما يعنى أن «الأمن العربى» لم يعد يُشترى بالتعاون المشترك، بل بعقود «التبعية التقنية» لتل أبيب.
يقينًا، إن استمرار بعض الأصوات العربية فى إهالة التراب على عقيدة «الأمن الجماعى»، ومحاولة التركيز على عجز منظومة العمل العربى المشترك وتحويل الرابطة العربية من حصن ل «الأمن الجماعى»، إلى مجرد مأتم لتشييع ما تبقى من قناعاتنا القديمة حول «التاريخ والمصير المشترك» أملًا فى ولادة نظام إقليمى جديد يتجاوز ماضينا، ليس سوى إصرار على السير معصوبى العينين نحو هاوية سحيقة، لا مجال للنجاة إن نحن سقطنا فيها!
إن الحل الحقيقى لأزمتنا الإقليمية، لا يتأتى بتحويل الأمن القومى العربى إلى مجرد شعار فارغ من المضمون، ورموز العمل العربى المشترك وفى القلب منها الجامعة العربية إلى كيانات هشة أو مجرد نادٍ دبلوماسى، بينما تُبنى «الهندسة الأمنية الحقيقية» فى غرف العمليات المشتركة التى تجمع إسرائيل ببعض العواصم العربية!!
الحل الحقيقى هو اختيار الطريق الصعب لكنه الأسلم، وذلك بإعادة بناء منظومة عربية جديدة وقادرة عبر إصلاحات هيكلية، تقود إلى إعادة الاعتبار لمنظومة الأمن الجماعى العربى، وليس بالتخلى عنها، فقد أثبتت التجارب التى سطّرت دروسها بالدم والبارود والتى لا تزال آثارها واضحة وساخنة على جسد منطقتنا أن إطعام الذئاب لا يدفعها إلى الشبع والمضى بعيدًا عنا، بل يغريها بمزيد من النهم لالتهام لحمنا، إذ لم تعد تكتفى بما نلقيه إليها من لحم!!
■ ■ ■
لقد دفعت تطورات الحرب واستهداف سماء عواصم عربية عدة بأمطار مسمومة من الصواريخ والمسيرات الإيرانية إلى مطالبة بعض الأشقاء العرب، وبخاصة فى منطقة الخليج، بإجراء مراجعات عميقة لتحالفات المنطقة وشبكات الأمن والمصالح بها، وهو ما يتطلب وفق تلك الآراء «إعادة تموضع حادة» ليس كلها فى الاتجاه الصحيح.
وهنا يجب أن نشد على يد الأشقاء فى دول الخليج، الذين تحملوا عبئًا ثقيلًا فى حرب «الأسابيع الستة»، ومارسوا قدرًا هائلًا من ضبط النفس كى لا تنزلق الأمور إلى مرحلة اللاعودة، وهو نهج يتوجب علينا الإشادة به والبناء عليه، فالعقلانية الخليجية والرؤية المصرية العميقة، والمساندة غير المحدودة من جانب القاهرة لأمن الخليج باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن المصرى يمكن أن يكون قاعدة انطلاق نحو بناء مستقبل مغاير للمنطقة.
والمراجعة العميقة فى هذه المرحلة العصيبة من عمر الإقليم مطلوبة بل وضرورية فى ظل ما تموج به المنطقة من تحديات، شريطة أن تكون تلك المراجعات بهدف إعادة تصويب البوصلة لاستعادة المسار الصحيح لا أن يؤدى التشوش الحاصل جراء حالة الاضطراب الإقليمى إلى إضاعة ما تبقى من قواعد يقوم عليها بنيان التكاتف العربى، وهو أمر سيقود إلى مزيد من الارتهان لمن كانوا سببًا فى الفوضى، وأشعلوا عن عمد أتون الصراع!!
«الشيكات الأمنية» المفتوحة من واشنطن لم تعد قابلة للصرف، والتحولات الأخيرة فى السياسة الأمريكية، والإدارة المنفردة للتحالفات والترتيبات الأمنية بمعزل عن أصحاب المصلحة الحقيقيين والمتضررين الذين دفعوا ثمن حرب لم يستشاروا فى إشعالها، يجب أن تكون إنذارًا جادًا بالخطر، ومواقف واشنطن من الحلفاء الأوروبيين سواء فى الحرب الأوكرانية أو فى المغامرة باتخاذ قرار الحرب على إيران دون اكتراث للتداعيات الكارثية على مصالح الشركاء والحلفاء فى المنطقة وخارجها، يجب أن تُقرأ من جانبنا كعرب بعناية وعقلانية وعمق بعيدًا عن انفعالات اللحظة أو تجاذبات الاستقطاب الحاد، فالمصلحة المشتركة ينبغى أن تكون دافع الجميع للبحث عن سبيل النجاة.
■ ■ ■
وفى سياق تأمل ملامح الطريق فى مرحلة الهدنة الراهنة لا ينبغى أن نغفل درسًا مهمًا حول حدود دور القوى الدولية البديلة (مثل روسيا والصين) التى رأى البعض إمكانية أن تلعب دورًا نشطًا فى مباراة توازن القوى، فالواقع أن تلك القوى أدارت الأمور وفق حسابات براجماتية بحتة، مفضلة عدم الانزلاق إلى مستنقع الفوضى الشرق أوسطية، واكتفت بدور «المراقب» دون تقديم التزامات أمنية صلبة، ربما انتظارًا لجولة قادمة، أو ادخار قواها لمواجهة أكثر حسمًا فى المستقبل، وهو ما يعنى أن نتحلى نحن أيضًا بنفس العقلية وننظر للأمور من زاوية مصلحتنا الجماعية، وأن ندرك أن الحل ينبغى أن يكون من داخل الإقليم وليس خارجه.
مع وقف إطلاق النار فى الحرب على إيران حتى ولو لأسبوعين قابلة للتمديد، يتحتم على العرب التفكير بسرعة وجدية بشأن إعادة صياغة نظام أمنى إقليمى جماعى، يضم الدول العربية والقوى الإقليمية الراغبة فى توفير مظلة حماية من تداعيات ما بعد الحرب، وإلا فسيجد الجميع نفسه فى مواجهة ريح عاتية لا تفلح الحلول الفردية فى الاحتماء من ويلاتها.
الحرب على إيران وما يتوقع أن تليها من ترتيبات، لم تكن تهدف لكسر طهران فحسب، بل لكسر «العمود الفقرى» لكل دول المنطقة، وتحويلها إلى مجرد كيانات وظيفية مجهرية، تتناحر على «فتات البقاء» وتتسابق لطلب الرضا من «الشرطى الإقليمى» الجديد.
الأعوام الأخيرة فى الشرق الأوسط لم تكن مجرد جولات متتالية من صراعات عشوائية أو حرائق تتناثر هنا وهناك، بل وعلى مدى عقود كان الإقليم يمضى بخطى متفاوتة السرعة نحو «هندسة جيوسياسية»، وتسارع هذه الخطى فى الأعوام الثلاثة الأخيرة يشير إلى الاقتراب من مرحلة حاسمة، وهو ما يتطلب استفاقة واصطفافًا جماعيًا يرتقى لحجم الخطر وعمق الأثر.
قد يرى البعض فى هذا الحديث طرحًا عاطفيًا تجاوزه الزمن، بينما لا أزال مصرًا على أنه قمة العقلانية لمواجهة سيناريوهات الفوضى والجنون.
■ ■ ■
إن الانتقال من «التأزيم» إلى «التقزيم» لا ينبغى أن نتعامل معه كقدر محتوم، واستعادة المبادرة لا تمر عبر صفقات «الحماية المنفردة»، بل عبر إعادة إحياء «كتلة حرجة» من الدول المركزية التى ترفض أن تكون مجرد «أحجار شطرنج» فى «مشروع ينون» أو أدوات فى إدارة صراع لم نختر أن نبدأه لكن المنطقة أجبرت على تحمل تكاليفه من دماء أبنائها، ومقدرات شعوبها.
إذا لم تستفق العواصم العربية من غيبوبة الحلول الفردية ونزعات المصالح الضيقة، فإن الخريطة القادمة لن تحمل أسماء أوطاننا، بل ستكون مجرد «كانتونات» تذوب فى هوية «الشرق أوسطية الكبرى» التى تسعى إسرائيل ومنذ سنوات لجعلها مسارًا إجباريًا للمنطقة، وحينها لن ينفع الندم على وطنٍ عربى كان صرحًا من خيال... فهوى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.