رئيس الطائفة الإنجيلية يهنئ وزير الأوقاف بقرب عيد الفطر المبارك    تكريم تلميذة بمدرسة ابتدائية في فرشوط بعد تسليمها 17 ألف جنيه عثرت عليها بقنا    وزيرا التخطيط والتعليم يناقشان الخطة الاستثمارية لتعزيز جهود الدولة في تطوير منظومة التعليم    شريف فتحي يؤكد ضرورة التزام الغرف السياحية بدورها واختصاصاتها    وزير الخارجية يتوجه إلى الرياض في المحطة الخامسة والأخيرة من جولته العربية    عباس يطلع بابا الفاتيكان على خطورة الأوضاع بالأراضي الفلسطينية    بعد خسارته أمام الترجي، ماذا فعل الأهلي آخر مرة سقط فيها بذهاب ربع نهائي دوري الأبطال؟    نائب محافظ الإسماعيلية يتابع الاستعدادات لعيد الفطر المبارك ب 108 ساحة صلاة ورفع درجة الاستعداد بكافة الأجهزة التنفيذية    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس غدًا وأيام الأسبوع المقبل: برودة صباحية وفرص أمطار متقطعة    التطبيق الإلكتروني لإذاعة القرآن الكريم هدية الرئيس السيسي من مصر إلى العالم    "السيسي" يكرم ابن بني سويف لفوزه بالموسم الأول من مسابقة "دولة التلاوة – ترتيل"    وزير الصحة يسلط الضوء على نجاح مصر في تحسين مؤشرات الصحة العامة    وزارة الشباب والرياضة واستادات تبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك في عدد من المشروعات الشبابية والرياضية    وزير السياحة والآثار يلتقي أعضاء غرفة الغوص والأنشطة البحرية بشرم الشيخ    جامعة كفر الشيخ تنظم ندوة دينية بعنوان "الشائعات وخطورتها على الفرد والمجتمع"    تأجيل نظر قضية مقتل أحد الأشخاص بالإسكندرية على يد زوجته إلى إبريل المقبل    تعيين الدكتور محمد عبد العظيم رئيسًا لجامعة المنصورة الأهلية    محافظ الشرقية يهنئ ابن كفر صقر بعد فوزه بالمركز الأول في دولة التلاوة وتكريمه من السيسي    رشا مهدى: شخصيتى فى اللون الأزرق مليئة بالتفاصيل وتجربة تمثيلية مرهقة    عطش ليل نهار.. أهالي غزة يعانون الحصول على المياه (صور)    الرئيس السيسى يشهد احتفال الأوقاف بليلة القدر ويكرم الفائزين في برنامج دولة التلاوة    رئيس مدينة نوبيع يشهد ندوة دينية وتكريم حفظة القرآن بمركز التنمية الشبابية    آخر تحديث لسعر الذهب.. عيار 18 يسجل 6300 جنيه    دكتور رمضان| مريض كلى وقررت تصوم؟ اعرف المسموح والممنوع قبل ما تدمر صحتك    وزير الصحة يستعرض التجربة المصرية الرائدة فى تطوير المنظومة الصحية فى موسكو    محافظ بورسعيد يوجه بإدراج منطقة الجوهرة في خطة التطوير.. صور    هجوم جوي إسرائيلي يستهدف مركزا فضائيا في طهران    السيسي يشهد عرضا مصورا عن إذاعة القرآن الكريم    هيمنة مصرية على التصنيف العالمي للإسكواش.. "عسل" يحافظ على الصدارة وزكريا يقتحم "التوب تين"    رسائل دعم لفلسطين وانتقادات لسياسات ترامب في حفل الأوسكار    ضبط طن أسماك سردين وبوري مملح غير صالحة للاستهلاك قبل عيد الفطر بالقليوبية    طبيب يحذر من إزالة اللوز واللحمية قبل هذا الأمر    طريقة عمل البقلاوة بالمكسرات، تحلية لذيذة بعد الإفطار    الرئيس السيسي يطلق تطبيق وموقع إذاعة القرآن الكريم خلال احتفالية ليلة القدر    الشرقية استعدت لعيد الفطر المبارك    "الترجي يصفع الأهلي".. كيف تناولت الصحافة التونسية نتيجة ذهاب ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا؟    لابورتا: ميسي سيظل مرتبطاً ببرشلونة ونجوم الجيل الذهبي قد يعودون لخدمة النادي    أيرلندا تحتفل بجيسي باكلي بعد إنجازها التاريخي في أوسكار 2026    النواب يطالبون بالتدرج فى محاسبة الموظف متعاطى المخدرات.. ومقترح بالإيقاف 3 أشهر    داخل منزل خطيبها.. تحديد أولى جلسات محاكمة المتهمة بإنهاء حياة عروس بورسعيد    العراق يعلن إجلاء عالقين من القاهرة والهند وعودة الدفعات الأولى عبر منفذ عرعر    غرفة عمليات إيران العسكرية.. ماذا نعرف عن مقر خاتم الأنبياء؟    رانيا محمود ياسين تشيد بأداء ريهام عبد الغفور في «حكاية نرجس»    إدراج عبد المنعم أبو الفتوح ومحمود عزت على قوائم الإرهابيين    "كتابٌ لا يغسله الماء"    أوقاف الشرقية: تجهيز 5818 مسجدا وساحة لصلاة عيد الفطر    مواعيد مباريات الإثنين 16 مارس 2026.. الجولة الخامسة من دوري الطائرة    "الزراعة" ترفع درجة الاستعداد القصوى بكافة قطاعاتها لاستقبال عيد الفطر    الطلاب الوافدون بجامعة القناة يشاركون في حفل الإفطار السنوي بالقاهرة    وزير التعليم يوجه بسرعة صرف كافة مستحقات معلمي الحصة قبل حلول عيد الفطر المبارك    فيتش: البنوك المصرية قادرة على مواجهة تداعيات حرب إيران رغم ضغوط العملة    دوي انفجارات قوية في طهران    بورسعيد الأعلى، تأخيرات خطوط السكك الحديدية اليوم    ماكرون يكشف تفاصيل مكالمته مع الرئيس الإيراني بزشكيان    Sinners وOne Battle After Another يحصدان جوائز السيناريو في حفل الأوسكار    عبير الشيخ: والدي كان قوي الشخصية وحفظت القرآن على يديه منذ الصغر    مصدر من اتحاد الكرة ل في الجول: حسام حسن وافق على لقاء إسبانيا.. وفي انتظار الاتفاق    ختام الأنشطة والدورة الرمضانية بمركز دراو بأسوان.. صور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. أسامة السعيد يكتب: أسئلة كاشفة من قلب العاصفة
خارج النص
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 14 - 03 - 2026

علينا - كعرب - أن نتخلص من دور «الضحية» التى تنتظر قدرها المرسوم بيد الآخرين، إلى دور «الفاعل» الذى يراجع أخطاءه ليبنى سدًا منيعًا ضد أى أطماع، ويجيد توظيف ما بيده من أوراق ليعيد تعديل موازين القوة قبل فوات الأوان.
يُنسب إلى السياسى البريطانى ونستون تشرشل قوله: «لا تدع أزمة جيدة تذهب سدى»، وفى الشرق الأوسط، نحن نستهلك الأزمات دون أن نستثمر فى الأسئلة التى تمنع تكرارها.
نحن نعيش فى «زمن دائري» حيث يكرر التاريخ نفسه كملهاة مأساوية، لأننا لا نجيد التعلم من تجاربنا السيئة، ولا نستخلص الدروس، وما أكثرها، من أوجاع الماضي، فنظل محكومين بتكرار نفس الأخطاء، بينما ننتظر أن نخرج بنتائج مختلفة.
مع كل أزمة تشتعل فى جنبات إقليمنا، تتكرر أسئلة وجودية عن أسباب ذلك المصير القاتم لمنطقة الشرق الأوسط دون غيرها من مناطق العالم، البعض يلقى باللائمة على الموقع الذى بات مطمعًا للقوى الكبرى، والبعض يريح رأسه من عناء التفكير ويتحدث عن المؤامرات الأزلية والأبدية التى تتخذ من منطقتنا مسرحًا لتنفيذها.
لكن أحدًا لا يسأل نفسه: لماذا تنجح «المؤامرات» الخارجية فى منطقتنا تحديدًا، بينما تفشل فى مناطق أخرى؟
هل يكمن السر فى «قوة التخطيط الخارجي» أم فى «هشاشة جبهتنا الإقليمية ومناعة دولنا الداخلية»؟
التحليل العقلانى يقتضى الاعتراف بأن الأطماع الدولية (الأمريكية، الإسرائيلية، أو غيرها) هى «ثابت» جيوسياسى وليست «متغيرًا»، فالدول الكبرى تبحث عن مصالحها، وهذا منطق القوة عبر التاريخ، لكن الخلل المنطقى يكمن فى انتظار «أخلاق» من الفاعل الدولي، بينما الحقيقة أن الاختراق الخارجى هو مجرد «عَرَض» لمرض داخلى يسمى «ضعف المناعة الجماعية».
نعم المشكلة أننا لا نجيد طرح الأسئلة الصحيحة، كى نفهم الواقع على حقيقته، نعيب زماننا والعيب فينا، نتحدث عن المؤامرات، ولا نتحدث عمن يمنح الفرصة للمتآمرين كى يتسللوا إلى ثغراتنا، ويمكّنهم من اقتحام غرف نومنا، وسرقة ثرواتنا، واحتلال أراضينا، ومحو خطوط خرائطنا!!
نحن اليوم فى الشرق الأوسط، نسكن فى قلب عاصفة سياسية وفكرية، والخروج من تلك العاصفة لا يمكن أن يتحقق عبر التزام الصمت، بل يتأتى من خلال امتلاك شجاعة طرح الأسئلة الكاشفة وسط الضجيج، لعلنا نجد خيطًا يربط شتات هذا الواقع، ويمنحنا الفرصة لنفهم دروس الألم المستشرى فى جسد الشرق الأوسط، فقد تخرج من المحنة بشائر المنحة.
إن طرح الأسئلة العقلانية فى زمن الاضطراب ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو فعل مقاومة لمسار يريد البعض أن يكون «إجباريًا» نحو منحدر وهاوية سحيقة من التفكك والتشرذم، يدفعنا إليه بعض المسكونين بأوهام الهيمنة والقوة، دون أن يدركوا أن أقدار منطقتنا تغيرت فى أعتى لحظات الأزمة، وواجهت بعنفوان أقسى درجات الضعف، عندما امتلكت القدرة على الإجابة الصحيحة عن سؤال الوجود.
وأجد واقعنا المفعم بالأوجاع والاضطرابات بحاجة ماسة إلى طرح أسئلة الوجود الكبرى بمنتهى الهدوء والعقلانية، وأن نحاول جميعًا كدول عربية- أن نجيب بصدق وشفافية عن تلك الأسئلة، التى ينبغى أن تظل بوصلة تشير دائمًا نحو الحقيقة، حتى لو كان المحيط غارقًا فى العواصف.
علينا أن نجيب بصدق عن أسئلة مثل:
إلى أى مدى تملك دول المنطقة قرارها فى رسم خارطة مستقبلها؟ هل نحن فاعلون فى هذه العاصفة أم مجرد «جغرافيا» تتقاطع فوقها مصالح القوى الكبرى؟
كيف يمكن للشرق الأوسط أن يتحول من «منطقة صراع» للقوى الكبرى إلى «كتلة مصالح» تفرض شروطها؟
لماذا لا يوجد «مشروع تكاملى إقليمي» (اقتصادى وأمني) يجعل التدخل الخارجى مكلفًا وغير ضروري، بدلًا من المفاضلة بين محور دولى وآخر؟
لماذا ننجر خلف «الاستقطاب» الذى يخدم مشاريع الخارج، ولا نبحث عن «مصلحة مشتركة» تجمع شعوب المنطقة بعيدًا عن الحروب بالوكالة؟
لماذا تنهار الدولة الوطنية أمام الهويات الفرعية (الطائفية والقبلية) عند أول اختبار؟ هل تمتلك دولنا «مناعة داخلية» تمنع التدخل الخارجي؟
هل نحدد أعداءنا بناءً على مصالحنا الوطنية، أم بناءً على تحريض القوى الكبرى؟
كيف يمكن لدولتين جارتين أن تنفقا مليارات الدولارات لتدمير بعضهما البعض تحت ذرائع أيديولوجية، بينما يستفيد طرف ثالث (بائع السلاح والمخطط) من إضعاف الطرفين معًا؟
لماذا نصر على خوض معارك الماضى بأسلحة المستقبل؟
إذا انتهت الحرب بتدمير البنية التحتية، وتهجير العقول، وتحويل الشعب إلى لاجئين، فهل هذا نصر أم هو «انتحار جيوسياسي» مغلف بشعارات البطولة؟
■ هل يمكن للشرق الأوسط أن يكون «لاعبًا» وليس «ملعبًا»؟
طرح هذه الأسئلة ضرورة وجودية، والإجابات الجاهزة والشعارات الصاخبة للإجابة عن تلك الأسئلة لم -ولن- تورثنا إلا مزيدًا من التيه، بينما العقلانية هى «البوصلة» التى تخبرنا أن العاصفة قد تحطم الجدران، لكنها لا تملك هزيمة العقل الذى يرفض الاستسلام للعدمية، والعقلانية السياسية ليست ضعفًا، بل هى أعلى درجات الواقعية.
نحن نعيش فى منطقة يسكنها «الماضي» أكثر مما تسكن هى فيه، تُستدعى صراعات القرن الأول الهجرى لتقرر مصير تحالفات القرن الحادى والعشرين.
ما يجرى فى المنطقة على مدى الأعوام الأخيرة فصل خطير من مسار ومصير الشرق الأوسط، والحرب الجارية فى إيران ليست مجرد محطة فى طريق الهيمنة الإقليمية التى تسعى إليها إسرائيل، بل هى علامة فارقة فى هذا المشروع الكارثي، فنحن نعيش ذروة التراجيديا الشرق أوسطية، وما سيلى تلك «الذروة» إما مزيد من التأزم أو انفراج المأساة بحثًا عن حل للدراما الدموية التى تدور رحاها منذ سنوات طويلة، وليس فقط منذ السابع من أكتوبر 2023.
الفصل الجديد من «التراجيديا الشرق أوسطية» تحدده دول الإقليم نفسها، والإجابة الصحيحة يجب أن تنبع من إدراك خطورة اللحظة وقسوة المستقبل إذا استمر الواقع فى نفس الاتجاه، والعبث يكمن فى أننا بِتنا «لاعبين احتياطيين» فى مباراة تدور على ملاعبنا بدمائنا، بينما يوزع «الحكم الدولي» البطاقات الصفراء والحمراء وفقاً لأسعار الغاز وتدفقات الطاقة والهيمنة على الثروات، لا وفقًا للقانون الدولى الذى شُيّع إلى مثواه الأخير دون حتى أن يحظى بجنازة لائقة!
فبينما تزدحم سماء منطقتنا بأسراب المسيّرات، وتتسابق العواصم فى إصدار بيانات «القلق» المعتادة، ثمة حقيقة مرعبة تفرض نفسها خلف دخان الانفجارات: نحن نعيش فى شرقٍ أصبحت جدرانه من زجاج، وسيادته مجرد «وجهة نظر» تخضع لمزاج القوى الكبرى وموازين مختبرات السلاح.
لم تعد الحروب اليوم تبحث عن احتلال الأرض بالمعنى الكلاسيكي، بل تبحث عن احتلال «القرار» وتفكيك «المناعة»، فما نراه من استباحة للأجواء، ومن تحويل مدننا إلى ساحات لتصفية الحسابات الدولية، ليس قدرًا محتومًا، بل هو النتيجة المنطقية لثقوب حفرناها بأيدينا فى جدار البيت الواحد.
والمؤسف حقًّا أن كثيرين ممن يتباكون على الماضى وأمجاده الغابرة، هم من صنعوا بتفككهم وانسياقهم وراء أوهام السيطرة والزعامة والهيمنة خاصرة رخوة استباحتها خناجر الطاعنين، وتمكنت منها أيادى الطامعين، وتصور البعض أن حرائق المنطقة بعيدة عن ثوبه، فإذا بالنار تلتهم فناء بيته!!
اليوم أكثر من أية لحظة مضت- علينا أن نطرح الأسئلة الصحيحة، وأن نجيب إجابات واضحة، هل حقا نريد البقاء؟ وهل مازالت لدينا إرادة الخروج من «عين العاصفة»؟
والأهم أنه يتحتم علينا أن نستخدم أدوات الاستفهام الصحيحة.. فالسؤال لا ينبغى أن يكون «هل» .. بل «كيف»؟
تاريخيًّا، شهدت المنطقة اتفاقات مثل سايكس بيكو التى رسمت خرائط دول عديدة بأقلام ومساطر من الخارج، وهو ما يغذى شعور «المؤامرة»، لكن فى الواقع الحالى فإن المؤامرة الحقيقية غالبًا ما تكون عبارة عن «تقاطع مصالح» دولية كبرى تستغل ضعف البنية المؤسسية للدول الوطنية.
وتغيير الخرائط فى المشهد الراهن لا يحدث دائمًا عبر «قلم ومسطرة» فى غرف مغلقة كما حدث قبل مائة عام، بل عبر «التفتيت الداخلي»، حيث تؤدى النزاعات العرقية والطائفية إلى تحول الدول إلى «جزر» معزولة أو أقاليم تابعة لقوى إقليمية.
سياسيًّا، تحولت المنطقة إلى ساحة صراع هويات عابرة للحدود، حيث يُبنى الولاء على كراهية الآخر لا على مشروع بناء الذات، والسؤال هنا: كيف نحول «الهوية» إلى درع يحمى التنوع لا إلى خنجر يمزق الدولة الوطنية؟
إن تحول دولنا إلى «ساحات حرب بالوكالة» هو النتيجة المنطقية لغياب مشروع إقليمى عربى يتحدث بلغة المصالح لا بلغة الشعارات التى لم تعد تطعم خبزًا ولا تحمى سماء.
يحلو للبعض تقديم الحرب الراهنة على إيران كصراع دينى أو أيديولوجي، لكن التحليل العقلانى يكشف أبعادًا أخرى، فالصراع فى جوهره يتمحور حول «المكانة الإقليمية»، حيث تسعى إيران لتبوؤ مركز قيادى عبر أذرعها، بينما تسعى إسرائيل والقوى الدولية لمنعها من امتلاك «الردع النووي» الذى سيغير ميزان القوى للأبد، وأن تُنصّب إسرائيل «شرطيًّا» لحفظ الأمن فى منطقة تتسارع وتيرة تمزيقها.
بل قد يكون ما يجرى على ميدان النار فى مسرح الشرق الأوسط جزءا من صراع أكبر على النفوذ العالمي، إذ تشير التقارير إلى أن الاستراتيجيات العسكرية الحالية تركز على «الاستنزاف الطويل» وتعطيل ممرات الطاقة (مثل مضيق هرمز) لإضعاف الخصوم اقتصاديًّا قبل المواجهة المباشرة التى يوقن الجميع بأنها قادمة، لكن لا أحد يملك إجابة واضحة على سؤال «متى»؟
ومن الصعب تصور انفصال ما يجرى فى منطقتنا عن صراعات دولية أكبر على «طريق الهند-الشرق الأوسط-أوروبا» مقابل «طريق الحرير الصيني»، والواقعية السياسية تخبرنا أن الحروب المندلعة فى غزة وجنوب لبنان والبحر الأحمر الذى تريد بعض القوى تحويله إلى «منطقة رمادية» تتقاسمها الأساطيل الدولية، ليست مجرد نزاعات حدودية، بل هى محاولات دموية لرسم مسارات السفن وخطوط الغاز وترسيم حدود النفوذ فى معركة المستقبل.
والعمليات العسكرية المستمرة التى تنتهجها إسرائيل تحت ذريعة «تفكيك التهديدات المستقبلية» تعكس سياسة فرض واقع جديد بالقوة العسكرية المتفوقة، فى ظل غياب «رادع عربى موحد».
مع وصول التوتر بشأن البرنامج النووى الإيرانى إلى ذروته فى مارس 2026، تريد قوى دولية وإقليمية غير عربية أن تُساق المنطقة نحو خيارين أحلاهما مر: إما الانضواء تحت مظلة حماية دولية (تبعية)، أو مواجهة عاصفة الحرب (دمار).
لكن ثمة بديلًا ثالثًا إن أردنا النجاة- هو إعادة الاعتبار لمشروع أمن إقليمى عربي، يرتكز على إرادة سياسية صلبة للخروج من دائرة الأحلاف الخارجية التى أثبتت فشلها وعجزها عن توفير مظلة حماية حقيقية لدول المنطقة، وأن يكون الحل عربيًّا فى خطوته الأولى، ولعل الطرح الذى قدمته مصر ببناء قوة عربية مشتركة يمكن أن يكون «نواة صلبة» لخطوات أكثر تماسكًا فى المستقبل، فإذا لم تولد تلك القوة العربية المشتركة الآن ومن رحم تلك التهديدات الوجودية لمستقبل المنطقة، فمتى إذًا يمكن أن تخرج للنور؟!
فى دنيا العلاقات الدولية المصالح هى العملة الرائجة، وللأسف يملك عالمنا العربى ثروة طائلة من تلك المصالح، لكنه يمنح صكوك ملكيتها لخصومه، بدلًا من أن يوظفها لخدمة شعوبه!!
أدمن عالمنا العربى التمسك بالحلول الفردية، بينما الجميع يدرك أن الحل لن يكون إلا جماعيًّا.
يُصر كثيرون فى منطقتنا على قراءة سطور التاريخ بطريقة «لا تقربوا الصلاة»، فينتزع الحقائق التى تتحدث عن أهمية الاتحاد والتكاتف من سياقها، أو فى أحسن الأحوال يفرغها من مضمونها، فيبقى الحديث عن «العمل العربى المشترك» مجرد شعارات رنانة تتردد فى قاعات الاجتماعات الفارهة، ولا يبقى من صداها سوى بضع عبارات متناثرة هنا وهناك، لا يتذكرها أحد إلا عندما يبدأ الترتيب لاجتماع آخر فى عام تالٍ، بينما القرارات الحقيقية والمصالح الكبرى والمنافع الهائلة يجرى حسمها خارج الإقليم، فى عواصم تتعيش على ثرواتنا وتقتات بمصالحنا، وتوفر رغد العيش لسكانها بأموال الفقراء والجوعى واللاجئين المشردين على قارعة إقليمنا!!
مشكلتنا الحقيقية أننا لم نطرح الأسئلة الصائبة فى كل ما مر بنا من أزمات، ألقينا بالاتهامات على كل الأطراف الأخرى، دون أن نتحدث مع أنفسنا بوضوح كافٍ للوصول إلى إجابات صحيحة.
لكن رغم ذلك ورغم قسوة الواقع وقتامة الأزمات التى يواجهها إقليمنا، فإن الوقت لم يفت بالكامل، ولعل أصعب المحن قد تكون دافعًا كافيًا لمكاشفة جادة بضرورة بناء دول ومجتمعات ومصالح حقيقية تتجاوز النظرة الأحادية، وترى الأمور من زاوية أوسع بدلًا من الثقوب الضيقة التى ألصقنا عيوننا بها فضاقت الرؤية وتشوشت.
ما أحوجنا اليوم كدول عربية إلى «تأميم القرار العربي» أى الانتقال من الدوران فى فلك القوى الدولية بحثًا عن الحماية إلى بناء حائط صد قوى من القدرات العربية بما يوفر الوقاية والمناعة الجماعية، دون أن يكون تهديدًا لأحد إلا لمن يستمرئ لنفسه تهديد المصالح العربية والنيل من أمن الإقليم.
هذا إضافة إلى ضرورة تحويل المنطقة من «ساحة صراع» للقوى الكبرى إلى «ممر إلزامي» للمصالح العالمية، بحيث يصبح المساس بأمن أى عاصمة عربية خسارة اقتصادية فادحة للعالم أجمع، لا مجرد «خبر عاجل» على الشاشات.
كما يتحتم كذلك تفكيك «الألغام التاريخية»، وذلك بالكف عن استدعاء صراعات القرون الغابرة لإدارة أزمات القرن الحادى والعشرين، فالسيادة الحقيقية تُبنى بامتلاك أدوات القوة والقدرة الشاملة لدولنا العربية الصلبة والناعمة على السواء، لا بمنابر التحريض وتصفية الحسابات القديمة وصناعة الفتن التى باتت أداة لتسميم حاضر الشعوب واغتيال مستقبلها.
منطقتنا العربية لا تحتاج إلى صب اللعنات على «المتآمرين»، بل تحتاج إلى بناء حصون داخلية قوية تتصدى للريح القادمة من مرتفعات الاستقطاب الدولي، ومنخفضات مشاريع الهيمنة الإقليمية.
وهذه الحصون لن تقوم إلا ببناء شرعية قائمة على الإنجاز والمواطنة وترميم الوعى العربى القائم على النظر للمصلحة والحلول الجماعية، لا الارتهان للحلول الأحادية التى تجعلنا فريسة سهلة لذئاب الإقليم والعالم الجائعة.
علينا أن نؤمن بأن الواقع ليس قدرًا محتومًا تخطه أصابع خفية خارج منطقتنا، بل هو بالأساس نتاج «فراغ استراتيجي» فى المنطقة يسمح للآخرين بالتخطيط والاستثمار فى حالة الفراغ.. وتغيير مخططات تغيير خرائط المنطقة يبدأ من الاعتراف بأن «العبث بالخرائط» يبدأ من الداخل قبل أن يكتمل على طاولات المفاوضات الدولية.
إن الخروج من «عين العاصفة» لا يتطلب معجزات، بل يتطلب عقلانية شجاعة قادرة على تفكيك المأزق الراهن عبر ثلاثة مسارات حتمية:
أولاً، الانتقال من «سياسة التشرذم» التى تقتات على الصراع، إلى «سياسة المصلحة» التى تؤمن بالتنمية المشتركة، فلا استقرار لدولة على حساب دمار جارتها، والشرق الأوسط لن يكف عن كونه «ملعبًا» طالما بقيت كثير من دوله تتصرف ك «قطع شطرنج»، على رقعة الاستقطاب الدولي، ولا سبيل للنجاة إلا بحلول جماعية تُغلّب وحدة المصير على نوازع حب الظهور التى باتت تقصم «الظهور»!!
ثانيًا، استعادة «مفهوم الدولة» كعقد اجتماعى وظيفى يحمى المواطنة لا الأيديولوجيا، ويوفر المناعة الكافية لمواجهة «وباء» الكيانات الموازية للدولة و«الميليشيات» التى أودت بالمنطقة إلى منزلق الفوضى وباتت سكينًا تُطعن به الدول، وتُمزق به الشعوب.
وأخيرًا، بناء مشروع عربى سياسى واقتصادى متكامل يعتمد على امتلاك القدرة الشاملة، وهى مسألة يمكن تحقيقها جماعيًّا، وتفيد جميع الأطراف، بينما الوصول إليها عبر مسارات فردية مسألة قد تتطلب عقودًا فى أحسن التقديرات بشرط عدم تعرض الإقليم لزلازل عنيفة وهى مسألة دائمًا محل شك فى إقليم مثل الشرق الأوسط.
عواصف الشرق الأوسط لن تتوقف عن الهبوب، والسؤال ليس متى ستهب، بل: هل بنينا بيتًا يصمد؟!
هذا السؤال هو «الفأس» اللازمة لتحطيم جدار العبث، علينا - كعرب - أن نتخلص من دور «الضحية» التى تنتظر قدرها المرسوم بيد الآخرين، إلى دور «الفاعل» الذى يراجع أخطاءه ليبنى سدًا منيعًا ضد أى أطماع، ويجيد توظيف ما بيده من أوراق ليعيد تعديل موازين القوة قبل فوات الأوان.
العاصفة التى تضرب الشرق الأوسط اليوم هى «اختبار وجودي» قاسٍ: إما أن نكون أسيادًا فوق أرضنا بامتلاك أدوات القوة والمناعة الجماعية، أو نرتضى لأنفسنا دور «الكومبارس» فى مسرحية دموية كتبها آخرون لا يتحدثون لغتنا ولا ينتمون لأرضنا.
والسيادة ليست «منحة» تُطلب من هذه العاصمة أو تلك، بل هى «إرادة» تُنتزع بالوعى وتُحرس بالمؤسسات وترتكز على الإيمان الصادق بوحدة المصير، فإما أن نبنى اليوم «سفنًا» تعبر بنا هذا المحيط العاصف، أو ننتظر دورنا فى طابور «الخرائط المعاد رسمها»، وحينها لن ينفع البكاء فوق أطلال أوطان ضاعت يوم وقفت دول الإقليم تنظر فى صمت إلى طابور طويل ممن ينتظرون الذبح بسكين جلادى النظام الدولى الراهن دون أن تتحرك وتتكاتف جماعيًّا قبل أن يدركها الدور.
العاصفة التى تضرب الشرق الأوسط اليوم هى «اختبار وجودى» قاسٍ: إما أن نكون أسياداً فوق أرضنا بامتلاك أدوات القوة والمناعة الجماعية، أو نرتضى لأنفسنا دور «الكومبارس» فى مسرحية دموية كتبها آخرون لا يتحدثون لغتنا ولا ينتمون لأرضنا.
الطرح الذى قدمته مصر ببناء قوة عربية مشتركة يمكن أن يكون «نواة صلبة» لخطوات أكثر تماسكًا فى المستقبل، فإذا لم تولد تلك القوة العربية المشتركة الآن ومن رحم تلك التهديدات الوجودية لمستقبل المنطقة، فمتى إذًا يمكن أن تخرج للنور؟!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.