في خضم تصاعد المواجهة العسكرية بين الولاياتالمتحدةوإيران تتجه الأنظار عادة إلى أطراف الصراع المباشرين، لكن خلف هذا المشهد المشتعل تبرز قوى دولية أخرى تراقب عن كثب، وتعيد حساباتها بهدوء، وفي مقدمة هذه القوى تقف الصين، لا باعتبارها طرفًا في الحرب، بل كمستفيد استراتيجي يسعى لتحويل ساحة المعركة إلى مختبر مفتوح لاختبار تقنياته العسكرية وقياس كفاءة أنظمته في مواجهة أحدث ما تمتلكه الترسانة الغربية. ◄ الصين تستفيد استراتيجيًا من أداء الدفاعات والهجمات الإيرانية بالحرب ◄ المعركة اختبار لفاعلية التكنولوجيا الصينية ضد أسلحة الغرب المتطورة وفيما يتعلق بأهم المكاسب الاستراتيجية والعسكرية لبكين يُعد الاختبار العملياتى للتقنيات والمعدات العسكرية الصينية فى «ظروف ميدانية حقيقية وساحة قتال فعلية»، حيث تستخدم إيران منظومات دفاعية وهجومية تعتمد بشكل كبير على الهندسة العكسية أو المكونات والبيانات الصينية. وتلك التقنيات هى ما مكنت طهران من رصد الطائرات الشبح الأمريكية ومدى اختراقها للدفاعات الإيرانية. كما زوّدت الصينإيران برادارات متطورة قادرة على تتبع مئات الأهداف الجوية، وساعدت طهران على تحسين أداء هذه الرادارات الإيرانية فى مواجهة المقاتلات الأمريكية من طرازى إف-35 وإف-22. وهذه هى المقاتلات التى استخدمتها واشنطن فى هجماتها على المنشآت الإيرانية. وعلى الجانب الآخر حصلت بكين على بيانات استخباراتية قيمة حول البصمة الرادارية لهذه الطائرات والمقاتلات الشبح الأمريكية، وكيفية التصدى لها، هذا بخلاف حصول إيران على منظومات دفاع جوى متطورة (من طراز إتش كيو-9 بى الصينى) مماثلة لمنظومة إس-300 الأمريكية، ورادارات متقدمة من طراز «واي إل سى-8 بى» لتعويض خسائرها. وتهدف هذه المنظومات إلى إعادة تشكيل قدرات الردع الإيرانية. كما يساعد رصد بكين لأداء هذه الأنظمة في تطوير نسختها الخاصة استعدادًا لأى مواجهة محتملة فى تايوان وبحر الصين الجنوبى، وبالإضافة إلى تحقيق بكين عدة مكاسب استراتيجية وعسكرية من خلال استنزاف القدرات الأمريكية، أدت الهجمات المضادة الإيرانية - مثل قصف قاعدة العديد الجوية فى قطر - إلى الاستخدام المكثف لصواريخ باتريوت وثاد الأمريكية. وتجدر الإشارة إلى أن واشنطن استهلكت حوالى ربع مخزونها من صواريخ ثاد الاعتراضية فى هذه المواجهات، مما أضعف قدرات الردع الأمريكية فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ، وخدم المصالح الصينية. إلى جانب الاستغلال العسكرى الصينى للحرب الإيرانية لجمع المعلومات الاستخباراتية تستخدم الصين أساليب مراقبة متطورة، بما فى ذلك سفن التجسس مثل «لياويان»، لرصد تحركات حاملات الطائرات الأمريكية وتزويد طهران بتلك البيانات. وهذا يسمح لبكين باختبار فاعلية قدراتها التجسسية ضد أهداف حقيقية. وترصد بكين كيفية نجاح إيران فى الوصول إلى القواعد الأمريكية فى المنطقة باستخدام تكنولوجيا صواريخ قائمة على التكنولوجيا الصينية. ◄ إمداد عسكري كما أنشأت الصين خطوط إمداد عسكرية تشمل قطع غيار ومكونات صواريخ لدعم القدرات الدفاعية الإيرانية. ومع تكامل المنظومات الدفاعية بين الصينوإيران، تساعد بكينطهران فى بناء شبكة دفاع جوى متعددة الطبقات تتفوق بكثير على المنظومات التقليدية، مما يجعل المجال الجوى الإيرانى أكثر تحصينًا ويعقّد الحسابات العسكرية الأمريكية. ويعمل الجيش الصيني أيضًا على تحديد ومعالجة الثغرات الأمنية والعسكرية والدفاعية، حيث يعمل على تطوير برامج صينية متقدمة لمساعدة طهران عسكريًا فى تعزيز الدفاعات الإيرانية بعد اكتشاف ثغرات أمنية العام الماضى. ويعكس هذا تعاونًا وثيقًا فى تبادل البيانات التقنية لتحسين المرونة فى مواجهة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية. ◄ قلق صيني ومع ذلك، ورغم هذه المكاسب العسكرية للصين فإن بكين قلقة بشأن اضطراب إمدادات الطاقة العالمية بسبب استمرار الصراع، نظرًا لاعتمادها الكبير على نفط المنطقة، ولا سيما النفط الإيرانى. وبالتالى تم توجيه اتهامات للصين بنجاحها فى تتبع السفن الحربية الأمريكية فى الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. واتُّهمت بكين باستخدام سفن تجسس متطورة، مثل «لياويان»، لرصد تحركات حاملات الطائرات الأمريكية وتوفير هذه البيانات لطهران. ويجرى حاليًا تقييم عسكرى صينى دقيق لتحليل وتقييم مدى نجاح أو فشل إيران فى استخدام هذه البيانات لشن هجمات مضادة، وهو ما كشف للصين كل نقاط الضعف فى التكتيكات البحرية والجوية الأمريكية، كما زوّدت الصينإيران بتقنيات «تشويش مضاد».. وهنا، تحقق الاستخبارات الأمريكية فى استخدام إيران لتقنيات صينية متطورة تهدف إلى تحييد أنظمة التشويش الإلكترونى الغربيةوالأمريكية، وهو مجال ذو أهمية قصوى لبكين لضمان تفوقها الإلكترونى المستقبلى فى أى مواجهة عسكرية مع واشنطن. كما برز دور الشركات الصينية الخاصة المتخصصة فى تحليل المعلومات الاستخباراتية مفتوحة المصدر، مثل «ميزار فيجن» (MizarVision). واعتمدت ميزار فيجن على أدوات مدنية وتقنيات متنوعة لإنتاج معرفة أمنية عالية القيمة لتحليل وتقييم جميع بيانات المراقبة المتعلقة بالحرب الإيرانية-العراقية، وتوفير بدائل تكنولوجية فورية لدعم ومساعدة إيران. ويأتى ذلك بالإضافة إلى المكاسب الاستراتيجية والجيوسياسية للصين من استنزاف الموارد الأمريكية خلال الحرب الإيرانية-العراقية. وتنظر بكين إلى انخراط واشنطن فى صراع مطول وهجومى مع إيران كوسيلة لإضعاف التركيز الأمريكى على منطقة المحيط الهادئ وتايوان وبحر الصين الجنوبي، وهى مناطق نفوذ مباشر للصين. وهنا، تعمل الصين على تعزيز النفوذ الإقليمى لإيران؛ فمن خلال دعم طهران بقطع الغيار ومكونات الصواريخ، تضمن بكين بقاء طهران حليفًا قويًا ضد الهيمنة الأمريكية، ما يعزّز بالتالى دور بكين كقوة عالمية بديلة قادرة على حماية شركائها. وهنا، تحاول الصين تأمين إمدادات الطاقة والنفط من إيران. وفى مقابل الدعم العسكرى لطهران، تتلقى الصين تدفقًا مستمرًا من النفط الإيراني. وغالبًا ما تتم صفقات الأسلحة، مثل تلك المتعلقة بمنظومات الدفاع، مقابل شحنات نفطية، ما يعزّز أمن الطاقة الصينى ويتجاوز الرقابة الغربيةوالأمريكية. ومع اختبار الصين لفاعلية تقنياتها فى منطقة صراع حقيقية، لا سيما فى ضوء استخدام إيران لنظام الأقمار الصناعية الصينى «بيدو»، والذى ساعد إيران فى توجيه صواريخها بدقة وتقليل فاعلية التشويش الغربى والأمريكى على نظام تحديد المواقع العالمى (جى بى إس). وهذا دفع دوائر الاستخبارات والعسكرية والدفاع والأمن الصينية إلى تحليل ذلك كاختبار لقدرة الولاياتالمتحدة على إدارة صراع عالى الكثافة فى الشرق الأوسط مع دعم جبهات أخرى فى الوقت نفسه، مثل أوكرانيا، والحفاظ على وجودها فى منطقة المحيطين الهندى والهادئ، وهو ما يتحدى الافتراضات الصينية السابقة حول تشتت القوة الأمريكية. واستنادًا إلى التحليل العسكرى السابق، يمكننا فهم نهج الصين تجاه هذا الصراع بشكل أفضل من خلال ما يمكن تسميته «المراقبة الصينية» (China Watch). هنا، تستند الحسابات الاستراتيجية للصين في إدارة الصراع الجارى فى المنطقة بين إيرانوالولاياتالمتحدة وإسرائيل إلى مزيج من البراجماتية السياسية والجهود الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمى. ويكتسب هذا أهمية خاصة نظرًا لأهمية النفط الإيرانى للاقتصاد الصيني، حيث إن الصين هى أكبر مستورد للنفط الخام الإيرانى، بعد أن استوردت أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية في 2025.