أنيس الرافعى حكايات الحرب لا تستنفد ولا تنتهى ألبتة. لكن، ترى هل جميعها تصلحُ لأن تصير قصصا قصيرة مسبوكة المبنى والمعنى؟ وبأية طرائق، أو حبكات، أو منظورات، أو مجازات، يجوز أن تُروى فى محفل التلقى الواسع، بوصفها استعارات كبرى أو صغرى، عن الحماقة الإنسانية المتفاقمة فى غلوائها من طامة إلى أخرى؟.. ما هى اللغة الموائمة لتدوين وتوثيق وتأبيد ذاكرة الكارثة وامتدادات الفجيعة، على الأخص بالنسبة لجنس أدبى «نباتى» مثل القصة القصيرة، مُقارنة بالرواية، التى تعتبرُ جنسا أدبيا «لاحماً» بامتياز؟ أليس لسردية الحرب السوداوية، أحيانا، وجه إنسانى آخر بديل أكثر لُطفا وهشاشة، يميلُ فى بعض الكتابات، سواء الواقعية أو التخييلية أو التسجيلية، إلى ما هو مجهرى أو هامشى أو مواز لمناظر الهلاك ولوحات الخراب، على اعتبار أن هنالك دائما وسط الأحداث العظيمة الجسام ما تيسر من دقائق الأمور البسيطة المنطوية على شاعرية لافتة، أو على بعض المزق والشظايا واللُقيات الملتقطة ك»مشاهد لما بعد المعركة»، إذا ما وددنا استخدام هذا العنوان الدال لإحدى روايات خوان غويتيسيلو؟ .. أو ربما يستحيل هذا الوجه الإنسانى عينهُ إلى قناع مموه متعدد الوجوه والهيئات، على شاكلة قناع «نيمبا» الإفريقى، ينحو، فى أحايين أخرى، صوب الطرافة، أو السخرية، أو الفكاهة، أو تغليب العاطفة، على أساس أن ثمة أيضا "للحب وقت، وللموت وقت»، حسب عنوان الفيلم الشهير المُستوحى من عمل الكاتب الألمانى إريش ماريا ريمارك؟.. أيضا ماذا عن الحروب الغامضة أو الوهمية؛ الحروب اللامرئية أو السرية، تلك التى تنشب مع مخلوقات الظلام أو كائنات العالم المخفى، مثلما فى محكيات خوليو كورتاثار أو بيو باروخا أو كوبو آبى؛ حروب التخييل العلمى الفائق والديستوبيا الفانتازية، المُفعمة بالحاضر الرؤيوى والمستقبل المُبتدع، كما هو الشأن فى قصص جيمس غراهام بالارد وفيليب. ك. ديك وراى برادبورى؟.. وإذا لم تكُن معايشا أو مشاركا فى أية حرب حقيقية، سواء كفاعل أو كضحية، فكيف يُمكنك - على طريقة الناقد الفرنسى بيير بيار - أن تتحدث عنها افتراضيا؟ وهل لحديثك، وقتئذٍ، أية مصداقية أو حجية، حتى داخل حدود التخييل الأدبى. بل، يمكن الذهاب بعيدا فى هذا اللعب الجهنمى، للتساؤل عن ماذا سيحصل إذا ما غيرت الحروب جغرافياتها غداة كل يوم أو إبان كل أسبوع، مثلما تُغير بعض الأعمال الأدبية والفنية مؤلفيها الأصليين؟ .. كاتب مُزور ومُبتكر إلى أقصى الحدود لمؤلفات وسجلات متوهمة من عيار إنريكى فيلا ماتاس، قادر على إحصاء جميع الحروب، التى وردت بين طيات الكتب الأدبية، القديمة والحديثة، قصصاً قصيرة مُنتخبة وروايات مُصنفة، ومن دون شك سينضدُ منها، على نحو مُتسق ومدهش، مُعجما مبتدعا، أو أنطولوجيا مُضللة، أو قاموساً للحروب الأدبية الخيالية.. ترجعُ بى استعادات القراءة، عبر الذاكرة الانتقائية، أو بالأحرى يرجع بى التسريدُ الذاتى للذاكرة، إلى قصص قصيرة كونية خالدة، نحتت إلى الأبد طوطم الحرب المُشوه والمخيف داخل ردهات روحى. على سبيل المثال لا الحصر: قصة "المعطف» لدينو بوتزاتى، تلك التى يعود فيها الجندى «جيوفانى» من حملة عسكرية، بغرض زيارة والدته، وقد كان مصحوبا برفيق غامض ملتبس الهوية، أعرض إعراضاً باتاً أن يلج عتبة البيت، ثم ظل فى الخارج واقفا فى حالة انتظار مُقلقة. جيوفانى الشاحب، الرافض لنزع معطفه أو لتناول أى شىء من الطعام، لأنهُ فى الواقع كان يُخفى جرحا غائرا بين تلافيف صدره المكلوم، ولكون ملاك الموت الرحيم كان هو رفيقه، الذى يستعجلهُ فى الذهاب، ما دام الوقت المسموح به لزيارة أمه قد انتهى. كما استرجعُ من مخلاة ذائقتى قصة «الخبز» للكاتب فولفغانغ بورشرت، التى اختصرت فى ثلاث صفحات لا غير كافة مآسى الحرب العالمية الثانية، حتى دون أن ترد كلمة «حرب» على الإطلاق بين سطورها. وهى تحكى عن زوجة تستيقظ، فجأة، حوالى الساعة الثانية والنصف صباحا، لتكتشف أن زوجها يأكل خُفية، فى ظلمة المطبخ، شريحة خبز. لحظتها تدركُ أن رفيق حياتها يكون طوال الوقت جائعا بضراوة، سوى أنهُ كان يُخفى عنها هذا الأمر لشهور على نحو صوفى مخجل. فتقرر أن تمنحه فى اليوم التالى شريحة إضافية، بدعوى أن معدتها لا تتحمل الخبز فى المساء. القصة لا يحدث فيها أى شىء ذى أهمية بالغة على صعيد الوقائع، غير أن تفاصيلها المجهرية المرتبطة بشخصيات من دون هوية ولا اسم، وبحالة البيت المزرية، وبالجو شديد البرد، وبمشاعر البؤس والإشفاق، وبالحوار المتقشف بين الزوجين، اختصرت واختزنت، بشاعرية أخاذة، كافة محن الوقيعة ونكباتها. أيضا، تحضرنى فى ذات السياق قصة «شكل السيف» لخورخى لويس بورخيس. ساردها المُخادع، الذى كان يحكى لشخص اسمه كذلك مثل المؤلف خورخى لويس بورخيس، عن مخلوق حقير واشٍ خلال فترة الحرب، اسمه فانسان مُون. نموذج إنسانى للوضاعة والرذالة، يدعى السارد أنهُ وسمهُ بسيف إلى الأبد بعلامة دنيئته على وجهه، عقب اكتشاف خيانته. ليتبين فى نهاية هذه القصة الآسرة، على صعيد تحبيكها الدرامى، أن السارد صاحب الندبة المخفية هو فانسان مُون نفسه، باعتباره قرينا مضاعفا. فيُختتم النص هكذا: «أنت لا تصدقنى؟ - تمتم - ألا ترى أنى أحملُ علامة عارى مكتوبة على وجهى؟ لقد حكيت لك القصة بهذه الصيغة لكى تصغى إليها حتى النهاية. أنا أبلغتُ عن الرجل الذى حمانى: أنا هُو فإنسان مُون. الآن احتقرني». فى تقديرى، إن عنوان رواية الإسبانى خابيير مارياس "فكرْ فى غداً أثناء المعركة»، يُجمل إلى حد بعيد الإواليات السردية الضرورية لتجسير علاقة فن القصة القصيرة بموضوعة حارقة كالحرب. الإواليات ذاتها، التى يتحتمُ عليها أن تغدو كتابة واعية بأدواتها الجمالية، وهى تجتاز بحذر البرزخ الزمنى العصيب والدموى بين الحاضر والقادم والأبدية، هنالك حيث يقف تحديدا الإله الأوليمبى «آريس»، متوعدا العالم بالغضب الأرعن والوحشية العمياء. الوحشية ذاتها، التى تدفع الوجع الإنسانى السامق لأن يهاجم صوت الألم، ولوعة القلب، وحرقة الفقد داخل السرد القصصى. فسطوة الحرب وعُتوها، هما ترجمان اختفاء لسان الشخصيات وفقدانهم لعقيرتهم إلى الأبد. إذ أن الحرب تُدمر اللغة تدميرا لا براء منه، وتنفى تسليع الجرح أو استهلاكه العمومى، بشكل مجانى أو مبتذل. فجميع العائدين من أوار الحرب وسعيرها بعضو مبتور ميؤوس من شفائه، أو بذكريات رهيبة لا تنمحى، فقدوا إلى الأبد إيمانهم بالبوح، فيلتمسون، عندئذ، فى بلسم النسيان الشخصى المذوب فى الحمض الفوسفورى للتاريخ العام، ما يشبهُ علاجا ملفقا، وحيلة نفسية تخلصية مخادعة من الأذى النفسى لأطياف الحرب العائدة. يحسبون، ضلالةً، أن هذا الأذى المُمض سيختفى إن لم يكن ثمة دليل مكتوب أو شفهى على وجوده الفعلى كأثر ملموس، وهو ما يسميه الباحث خابيير موسكوسو ب»غياب السمات البلاغية للعناصر التعبيرية للألم»، أى غياب الشواهد اللغوية والثقافية على فداحة المعاناة والأسى. يتجسدُ تخريج من هذا الطراز فى قصة قصيرة موسومة ب»اليسروع» لليابانى إدوغاوا رانبو، حيث نلفى أحد الجنود، وهو الملازم سُناغا، الذى بُترت أطرافه الأربعة، وشوهت الحرب جسده الآدمى، إلى درجة أنه لم يعد سوى يسروع بشرى لا يستطيع الحركة بشكل طبيعى، بل يدب فحسب على طريقة الزواحف، التى تسير على بطنها؛ «يدب وئيدا كدودة على غصن ميت من شجرة هزيلة فى ليلة بهيمة، لينتهى به الأمر إلى الخرس وفقدان القدرة نهائيا على الكلام. «المُبارزة» هى قصة قصيرة معروفة لجوزيف كونراد، نُشرت سنة 1908، تحكى عن ضابطين عسكريين فرنسيين خاضا بلا هوادة مبارزات متعددة طوال الحروب النابوليونية، بسبب نزاع مفتعل حول الشرف، وتعد هذه القصة القصيرة نقدا ساخرا وفلسفيا كاويا للحرب وعبثية الشرف الزائف، عمادُها المبارزة الفردية، تلك التى كانت الصورة النموذجية والسامية للقتال فى الأزمنة القديمة، على الأخص منذ حقبة الملاحم الإغريقية الكبرى، من قبيل الإلياذة والأوديسة، حيث كان السيف هو الفيصل بين اليد والجرح، بين الفناء والخلود، بين الظلال والفوانيس، بين الدمعة والوردة، بين الخندق والنهر، بين المقبرة والسنونو، بين يد الملاك وفأس حفار الألْحاد، بين الماء السحرى وكعب أخيل، وبين عيون القتلى المفتوحة وابتسامة إشراقة شمس الصباح، بيد أن الحرب، اليوم - أقصد إبان مواقيتنا البئيسة - فى تمثلات القصص القصيرة ولا وعيها، فقدت، تقريبا، كل شموخها وعزتها ومعلوميتها، لتصير الأرواح المتذبذبة بين الرصاصة أو القذيفة أو الصاروخ أو اللغم أو المسافة صفر أو كتيبة الإعدام أو مغاوير الاغتيال، نهباً للهرج والجبن والمجهولية. لقد فقدت الحرب فى محكيات القصص القصيرة الحديثة كل نبلها العتيق، فغدت بالنسبة للجنود الموظفين لا البواسل، مجرد رياضة ترفيهية ومُتعة سادية، بغرض مقاومة الضجر؛ أصبحت فنا ساقطا مُلطخا بالخسة والقذارة والجناية وخطوط النار العشوائية. أضحت حربا بلا أدنى بطولة أو مجد أو أهمية فى المتخيل الجمعى، مطروحة على هامش طريق العقلانية، بالضبط أسفل جسر البربرية، تماما مثل حصان الشاعر الأوكرانى أوستاب سليفينسكى، الذى سقط من عربة قطار، دون أن يكترث أى أحد لذلك. يقولُ صاحب ديوان «التضحية بالسمكة الكبيرة»: «كل الذى أتذكرهُ من تلك الحرب اللعينة/ هو حادث سقوط حصان/ فى ذلك اليوم/ من عربة القطار/ عند الانعطاف/ دون أن يأبه أى أحد لذلك/ وهكذا بقى الحصان تحت الجسر/ دون إنقاذ/ فقط الأطفال/ قدموا له العشب/ كان ممددا هناك/ مكسور السيقان/ وقد سئم من الوضع الذى كان عليه/ كان الحصان أسود، فحميا/ كأنه لوحة إرشاد/ تُركت هناك فى ليلة التقهقر/ من أجل معرفة طريق المهانة/ فى الليلة المُقبلة!».