هذه الحرب أصابت إيران بدمار واسع وكبير، وألحقت بإسرائيل خسائر فادحة، وبينت لأمريكا أنها غير قادرة على تحقيق كل شيء منذ انتهاء الأسبوع الثانى لحرب إيران والرئيس الأمريكى ترامب يكرر أن هذه الحرب قاربت على الانتهاء ومع ذلك كان التصعيد هو السمة الأساسية طوال الوقت لهذه الحرب من جانب أطرافها الثلاثة، أمريكا وإسرائيل وإيران..، واقترن هذا التصعيد بنشاط متزايد لعدد من الوسطاء (باكستان وتركيا ومصر) لوقف الحرب، وعرض متكرر من روسيا للوساطة، واقتراح من الصين بوقف لإطلاق النار مع تحرير المرور فى مضيق هرمز ثم تعقبه مفاوضات أمريكية إيرانية مباشرة بدلاً من تبادل الرسائل الحادث الآن ويأتى ذلك مع اندلاع مظاهرات داخل أمريكا لإنهاء هذه الحرب التى رفعت أسعار البنزين على الأمريكيين، وخشية أن تتورط أمريكا فى استنزاف اقتصادى طويل على غرار ما حدث فى فيتنام وأفغانستان والعراق سوف يؤذى الأمريكيين!.. أى أن هناك ضغوطاً متزايدة على ترامب لوقف الحرب فى أقرب وقت سواء تم ذلك بعد تطوير الهجوم على إيران ليشمل هجوماً برياً محدوداً للاستيلاء على اليورانيوم المخصب والبترول الإيرانى أو تم بدون اللجوء إلى عمليات برية. وهنا يكون التفكير فى مستقبل عالمنا بعد هذه الحرب ليس أمراً مبكراً وإنما هو ضرورة لفهم مسار علاقات القوى فيه فى ضوء ما ألم بأطراف الصراع الثلاثة المباشرة والأطراف الأخرى التى طالتها هذه الحرب وهى دول الخليج والأردن والعراق ولبنان، أو الأطراف التى تأثرت وتضررت بتداعيات هذه الحرب على الاقتصاد العالمى، وبالإضافة لذلك كله تأثير ما خلفته الحرب على التنافس المحتدم دولياً. فهذه الحرب أصابت إيران بدمار واسع وكبير، وألحقت بإسرائيل خسائر فادحة، وبينت لأمريكا أنها غير قادرة على تحقيق كل شيء أو ما ترغب فيه وتريد فرضه على العالم، وزرعت شكوكًا بينها وبين حلفائها التاريخيين فى أوروبا تنذر بتقويض هذا التحالف أو على الأقل أصابته بالفتور، حينما رفضوا الانصياع لها والاشتراك فى الحرب أو فى فتح. مضيق هرمز للملاحة، وذات الشيء حدث فى علاقات دول الخليج وأمريكا عندما اكتشفت أن القواعد العسكرية الأمريكية لم توفر لهم الحماية من صواريخ إيران التى استهدفتها. كل ذلك يجعلنا نستنتج أن عالمنا بعد حرب إيران سيختلف عن عالمنا قبلها.. فقبل هذه الحرب كانت أمريكا تعربد فى أرجائه كما تشاء، وكان رئيسها تراوده زعامة هذا العالم ولذلك شكل مجلساً للسلام ومنح نفسه رئاسته.. ولم تكن إسرائيل قد ذاقت مرارة استهداف مدنها ومنشاَتها العسكرية وغير العسكرية، وكانت إيران رغم الحصار المفروض عليها منذ سنوات قوة عسكرية واقتصادية يحسب لها حساب فى المنطقة.. وكانت الصين تحصل على ما تحتاجه من النفط الإيرانى، وروسيا تتعرض لضغوط أمريكية لوقف حرب أوكرانيا مع الحصار الاقتصادى المفروض عليها والذى يتزايد. كل ذلك تبدل أو طرأ عليه تغير سيكون له تأثيره على عالمنا.. فإن ترامب سيتحسب خطاه قبل الدخول فى مغامرة عسكرية أخرى وسيضعف إذا خسر حزبه انتخابات الكونجرس.. ونتانياهو سيعانى من أوجاع خسائر الحرب الفادحة وتأثيرها على الناخبين الإسرائيليين فى الانتخابات المقبلة وخامئنى الصغير سيحتاج إلى إعادة ترميم القوة الإيرانية فى المنطقة بعد ما نالها من تدمير وبعد ما لحق من أضرار ضخمة بعلاقات إيران بجيرانها فى الخليج. أما الأوروبيون فإنهم سيجدون أنفسهم مضطرين لإعادة تقييم علاقاتهم بالحليف الأكبر أمريكا.. بينما سوف تهتم الصين بتأمين احتياجاتها من النفط وترميم ما أصاب مشروعاتها لكسب السباق الاقتصادى بينها وأمريكا لإحراز المركز الاقتصادى الأول فى العالم مع انتهاء هذا العقد الحالى.. وستمضى روسيا فى خططها العسكرية فى أوكرانيا قبل أن تعاد الضغوط عليها لوقف الحرب. خلاصة الأمر أن الصراع سوف يشتد فى عالمنا أكثر بين من يريدون نظاماً عالمياً أحادى القطبية وبين من يريدونه متعدد الأقطاب.. وسوف يأخذ هذا الصراع أشكالاً سياسية واقتصادية التى لا تخلو من التهديدات العسكرية دون غارات جوية أو قصف بالصواريخ.