فجأة وجدت أوروبا نفسها أمام حرب بعيدة جغرافيًا، لكنها قريبة استراتيجيًا بشكل مثير للقلق، فالصراع الإيرانى بالشرق الأوسط بدأ يعيد رسم ليس فقط التحالفات الجيوسياسية، بل أيضًا الخريطة الجغرافية والاقتصادية التى تربط أوروبا بآسيا، فمن المواقف الدبلوماسية المتصدعة إلى تعطيل الممرات الجوية وارتفاع أسعار الأسمدة يُكافح الاتحاد الأوروبي لصياغة رد موحد، ووفقًا لصحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن رفض أوروبا الانحياز الكامل لواشنطن يمثل «تطورًا مهما» فى العلاقات عبر المحيط الأطلسي، بينما تسلط تقارير صحفية ل"نيويورك تايمز" الأمريكية الضوء على كيف أصبحت حتى خطوط الطيران ضحايا للصراع، ومع تصعيد واشنطن لمطالبها واقتراب تداعيات الحرب الإيرانية أكثر فأكثر من قلب أوروبا الاستراتيجى والاقتصادي تبرز معضلة أكثر أهمية.. هل لا يزال بإمكان أوروبا ترجمة ثقلها الجماعى إلى عمل حاسم، أم أنها أصبحت اتحادًا عاجزًا عن اتخاذ أى إجراء رغم الحروب الدائرة على مقربة منه؟!.. ◄ ألمانيا «حائرة» بين التحالف مع واشنطن ومخاوف الداخل ◄ القارة العجوز «مشلولة» عن اتخاذ أى إجراء تجاه الحروب حولها لم تعد الانقسامات داخل أوروبا خفية، بل أصبحت هيكلية، تتجلى فى شلل السياسات وتضارب الأولويات الوطنية. فبينما كثفت الولاياتالمتحدة بقيادة «دونالد ترامب» ضغوطها على حلفائها لدعم استراتيجيتها ضد إيران، ردت العواصم الأوروبية بتردد واختلاف، وفي بعض الحالات، بمقاومة صامتة. ووفقًا لتقرير وكالة «أسوشيتد برس»، أبدى القادة الأوروبيون ترددًا واضحًا فى التدخل عسكريًا فى الحرب الإيرانية، مركزين بدلًا من ذلك على الحلول الاقتصادية، معربين عن قلقهم إزاء ارتفاع تكاليف الطاقة وخطر نشوب أزمة لاجئين جديدة. أشارت فرنساوألمانيا اللتان تُعتبران تقليديًا ركيزتى السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي إلى الحذر بدلًا من الالتزام. وتبدو دول أوروبا الشرقية، الأكثر توافقًا مع واشنطن فى المسائل الأمنية، أكثر تقبلًا لدعوات الولاياتالمتحدة للدعم.. فى الوقت نفسه، تعطى دول جنوب أوروبا التى تعانى أصلًا من هشاشة اقتصادية الأولوية للاستقرار على المواجهة. هذا التباين ليس مجرد خلاف تكتيكى، بل يعكس خلافات أعمق حول دور أوروبا فى نظام عالمى متغير. ◄ استقلال هامشي تصور صحيفة «لوموند» الفرنسية هذه اللحظة على أنها ذات أهمية تاريخية؛ فرفض أوروبا للولايات المتحدة ليس مجرد خيار سياسى، بل هو إشارة إلى تحول فى استقلاليتها، ومع ذلك، فإن الاستقلالية بدون وحدة تنذر بأن تصبح هامشية، فالاتحاد الأوروبى، المصمم ككتلة قادرة على العمل الجماعى، يبدو الآن مقيدًا بانقساماته الداخلية. ولا يوجد مكان تتجلى فيه آثار هذا التشرذم بوضوح أكثر من سماء أوراسيا، وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز» أدت الحرب الإيرانية إلى تضييق حاد فى الممرات الجوية المحدودة أصلًا التى تربط أوروبا بآسيا. ومع إغلاق المجال الجوى الروسى بشكل كبير بسبب الحرب الدائرة فى أوكرانيا واعتبار المجال الجوى الإيرانى والمناطق المحيطة به غير آمن تُجبر شركات الطيران على سلوك عدد محدود من المسارات المزدحمة والحساسة سياسيًا. أحد المسارات القليلة المتاحة يمر عبر أذربيجان وجورجيا وتركيا، وهو ممر ضيق أصبح شريان حياة لقطاع الطيران العالمى، ولا يقتصر هذا الاختناق اللوجستى على كونه مجرد عائق، بل يمثل اضطرابًا عميقًا فى التواصل العالمى، وفقد أصبحت الرحلات الجوية أطول، وتكاليف الوقود أعلى، وجدولة الرحلات أكثر تعقيدًا. وتواجه شركات الطيران الأوروبية التى تعانى أصلًا من ضغوط سنوات من الاضطرابات الجيوسياسية مستوى جديدًا من عدم اليقين. ◄ اقرأ أيضًا | ◄ رسم الخريطة لقد أعادت الحرب رسم الخريطة فعليًا، محولة الجغرافيا إلى قيد استراتيجى، ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطيران فحسب، بل تشمل أيضًا تدفقات التجارة وسلاسل التوريد، وحتى الحراك الدبلوماسى، فالشرايين الاقتصادية الأوروبية التى كانت تُعتبر فى السابق من المسلمات باتت الآن عرضةً للصراعات الدائرة على بعد آلاف الكيلومترات وفى الوقت نفسه تلقى التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية بظلالها على مختلف القطاعات الاقتصادية الأوروبية، ولا سيما الزراعة. ووفقًا ل«يورونيوز»، فقد ارتفعت أسعار الأسمدة بشكل حاد، مدفوعةً باضطرابات أسواق الطاقة واستمرار اعتماد أوروبا على الإمدادات الروسية، وأصبح الغاز الطبيعى عنصراً أساسىاً فى إنتاج الأسمدة أكثر تكلفة وأقل استقرارًا، ومما فاقم الوضع الهش أصلًا، ويواجه المزارعون فى جميع أنحاء أوروبا ارتفاعًا متزايدًا فى التكاليف يهدد الإنتاجية والأمن الغذائى. وتتعرض الحكومات لضغوط للتدخل، لكن قدرتها على ذلك محدودة بسبب قيود اقتصادية أوسع. فأزمة الأسمدة ليست مجرد مشكلة زراعية، بل هى عرض من أعراض هشاشة أوروبا الهيكلية فى اعتمادها على الطاقة والموارد، ويواجه المزارعون فى مختلف أنحاء أوروبا حاليًا ارتفاعًا فى التكاليف يهدد الإنتاجية والأمن الغذائى وتتعرض الحكومات لضغوط متزايدة للتدخل، إلا أن قدرتها على ذلك تظل محدودة بسبب القيود الاقتصادية الأوسع، ولا تُعد أزمة الأسمدة مجرد قضية زراعية، بل هى انعكاس لنقاط الضعف الهيكلية فى أوروبا فيما يتعلق بالاعتماد على الطاقة والموارد. ◄ تعقيد الحسابات هذا البعد الاقتصادى يزيد من تعقيد الحسابات السياسية لأوروبا، فدعم الحرب قد يؤدى إلى تعميق هذه الاضطرابات، فى حين أن معارضتها قد تهدد بإثارة توتر مع الولاياتالمتحدة، والنتيجة هى حالة من الجمود الاستراتيجى، حيث يصبح التقاعس هو الخيار الافتراضي. وتعكس النقاشات داخل دوائر صنع السياسات الأوروبية هذا القدر من عدم اليقين، ففى بودكاست حديث للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أشار محللون من بينهم «بيوتر بوراس» و«كارلا هوبز»، و«يانا بوجلييرين» إلى غياب استراتيجية أوروبية متماسكة. وكما ورد فى مناقشات المجلس تجد أوروبا نفسها عالقة بين اعتمادها الأمنى على الولاياتالمتحدة وانكشافها الاقتصادى على تداعيات الحرب. ويحد هذا الاعتماد المزدوج من هامش المناورة لديها. ما يتكشف فى النهاية هو صورة لقارة تكافح للتوفيق بين طموحاتها وواقعها، فأوروبا تطمح إلى الاستقلالية الاستراتيجية، لكنها تظل مقيدة بالانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية، وتسعى إلى الاستقرار، إلا أنها تتأثر بشكل متزايد بحالة عدم الاستقرار على أطرافها لقد أصبحت الحرب مع إيران فى الواقع بمثابة اختبار ضغط للمشروع الأوروبى. إذ كشفت عن حدود آليات صنع القرار القائمة على التوافق فى أوقات الأزمات، وسلطت الضوء على التحديات المرتبطة بالحفاظ على الوحدة بين دول أعضاء متباينة. والأهم من ذلك، أنها أثارت تساؤلات جوهرية حول دور أوروبا فى الشؤون العالمية. فهل تُعد أوروبا فاعلًا جيوسياسيًا قادرًا على تشكيل الأحداث، أم مجرد كيان يتفاعل مع قرارات تُتخذ فى أماكن أخرى؟ فى الوقت الراهن يبدو الجواب غير واضح. فعجز الاتحاد الأوروبى عن اتخاذ إجراءات حاسمة لا يعود إلى نقص فى الوعي، بل إلى غياب التوافق. فكل دولة عضو تنظر إلى الصراع من منظورها الخاص -الأمنى والاقتصادى والسياسى- مما يجعل العمل الجماعى أمرًا بعيد المنال، ومع ذلك تتزايد تكاليف هذا التشرذم.. فمن ازدحام الممرات الجوية إلى ارتفاع أسعار الأسمدة لم تعد عواقب الحرب الإيرانية مجردة، بل أصبحت فورية وملموسة، ويصعب التعامل معها بشكل متزايد. وبينما تقف أوروبا على مفترق طرق، فإن المخاطر أكبر من أى وقت مضى، فالقرارات -أو التردد- التى تُتخذ فى بروكسل وباريس وبرلين وغيرها لن تحدد فقط رد أوروبا على الحرب الإيرانية، بل ستحدد أيضًا موقعها فى نظام عالمى سريع التغير، وفى النهاية ليس السؤال ما إذا كانت أوروبا منقسمة بسبب الحرب الإيرانية، فهى منقسمة بالفعل، والسؤال الحقيقى هو ما إذا كان بإمكانها إيجاد سبيل للتحرك قبل أن تصبح هذه الانقسامات دائمة.